المستوحد بالمسرح .. بقلم : يوسف الحمدان

المستوحد بالمسرح ..
بقلم : يوسف الحمدان
الأمل ..
ولا شيء سواه ، يدفعنا للتشبث بتلافيف المسرح ، يهيئنا للاكتراث بفواجع النهايات التي يؤول إليها المسرح ، يحفزنا على مراوغة الإحباطات والانكسارات التي قد تودي بنا في أية سانحة جراء تجسدنا بـ وفي وعلى المسرح ، يخفف من نزيف الجرح الغائر في أجسادنا وأرواحنا بسبب ” استعذابنا ” داء التمسرح في جسد القلق اليومي ..
المسرح نبضنا الأخير ، جسدنا الأخير ، ملتقانا الوحيد والأخير ، حيزنا الأخير ، ماؤنا الذي ظل آخر شحه رمق وريدنا الأخير ، آخر ما تبقى من بوح الحلم والمخيلة ..
الطموح من منطلق معطى واقع ما يؤول إليه الحدث في مسرحنا العربي لا يزكي نمو ” تباصيص ” ضوء هذا الأمل ، أملنا في أن تظل هذه ” التباصيص ” الضوئية موجودة وحاضرة وماثلة حتى في ” تشاحيب ” صداها الأخير ..
رجع استثنائي رائع ومدهش ذلك الذي استوحد بالمسرح فحسب في زمن تحايثت كل أصناف وصروف المشاغلة الخبيثة فيه ، الأمر الذي أرجأ ” المبتدأ ” حتى آخر ” الأخبار ” ، المستوحد بالمسرح يتعشق فنه كفعل حياة وجمال ، كوهج معاناة ، يحياه أينما حل وارتحل .
عصي عليه إذاً أن يكون في غير المسرح ، ولعل الإمعان في تهميش المسرح وندرة المتفرغين له والعاملين في المسرح وحده فحسب ، أحد أسباب زيادة استوحاده بالمسرح ..
لم يعد الحديث عن المسرح ظاهرة ، لم يعد المسرح في ذاته ظاهرة ، وإنما الحديث عن المسرح كآخر ما يشمل أي حديث هو الظاهرة ، الحديث عن المسرح كآخر الاهتمامات والاعتبارات والفنون هو الظاهرة ..
الظاهرة يجلوها الهم والوهم أسبق إليها من حبل الوريد ، المسرح حياة يؤسسها ويصوغها ويخلقها همُّ وحلم ، ويجذيها وهج ودم ، أي جسد هذا الذي تغادره وتأباه الظاهرة ؟!.
المشهد في مسرحنا العربي معتم والمستوحد بالمسرح يلتقط آخر الأضواء كي ” يتشهب ” ويمنح بعض أو كل شظاياه لبعض أفضية اللقاء الشحيحة ، واللقاء بعد توالي النكسات والنكبات على جسد مجتمعاتنا العربية يكاد يكون مستحيلا ، بل أن الشك يذهب به إلى الحد الذي يدفعه للتساؤل بإلحاح حول مدى صحة كلمة ومعنى ومفهوم ومصطلح ودلالة ” مجتمع ” في قاموس وعيه اللقائي في المسرح ، حتما هو لا يبحث عن قطيع وإنما يبحث عن إنسان تنطبق عليه الشروط الحضارية للمجتمع ، إذ أقلها أن يكون هذا المجتمع هو المنتج الأول لوجوده في المسرح والمدافع عنه في نفس الوقت ، فهل يصح هذا ” الأقل ” وينطبق على مجتمعاتنا ؟ .
المستوحد بالمسرح يتأمل هذا ” المجتمع ” إن صح ” التعبير ” فيرى :
جموع تنتج بكثافة هائلة المسرح التجاري الهابط والرخيص وتدافع عنه بحماس منقطع النظير ، وتشجع على تسليعه وتسويقه وترويجه وبثه في كل القنوات الفضائية الاستهلاكية المخادعة وتؤازر الداعمين والممولين له وتحرض التجربة التي تنشق عن وهجها المسرحي الجاد فتمنحها أوسمة ونياشين ” الخلع ” ، وتصادر وسائل الإعلان والإعلام والدعاية عن الوهج المسرحي الجاد والنوعي والمغاير ، وتعلي من شأن المتطفلين على المسرح وتبويء بعضهم نجوما ، وتهيل على بعضهم أجورا مغرية لم يحلموا بها ذات يوم ، وتستقبلهم في كل سانحة استقبال الفاتحين ، وتساهم في تدشين المباني المسرحية لتكريس هرجهم وزيفهم فيها ..
أي سطوة تلك التي استطاعت أن تكون صنوا ضالعا لسوط وصوت من يستهدفون المسرح المغاير والجاد والنوعي والإنساني ؟ كيف يمكننا والحال هذه فرز المجتمع عن من يجمعه ؟ ..
الاستثناء خارج الظاهرة وخارج السرب وفي حيز المراقبة حتى يتبين وأده ..
المستوحد بالمسرح يتأمل أفضية لقاء دُشنت وجُهزت في بعض أرجاء الوطن العربي وغاب عنها فعل المسرح ، يتأمل معاهد ومراكز وأكاديميات للمسرح من شأنها أن تمنح وتمد فضائنا المسرحي العربي بأجمل وأروع وأميز الطاقات البشرية المسرحية ، يتأمل أحلاما هي من شأن الحضارة الزاهرة والمتقدمة ، وأمله أبعد من تحقيق الخشبة والصالة والتجهيزات والمستلزمات المسرحية ، أبعد من بريق المناسبة والأضواء ، أبعد من رفاهية المكان وأثاثه ، أبعد من ترفيه زكائب السخاء في محافل الافتتاح والختام ، أبعد من شواهد التكريم والتنصيب ، أبعد من غدد الشهرة السرطانية ، أبعد من مغريات الجوائز في مهرجانات العابرين ، أبعد من شرطية النص وبيئات اللقاء ..
أمله في أن يكون حرا فيمن يستوحد به ..
أمله في أن يكون المسرح رئة المجتمع والكون وهوائهما ..
أمله في أن يحيا إنسانيته ويمارسها دون تدخل من أحد في فضائها الرحب الذي يتنفسه دائما وباستمرار ..
أمله في أن تزاح من أمامه وحوله وعن دروبه وفضاءه كل القيود والحواجز والمعيقات حين يتجسد في المسرح ..
أمله في أن يمتد لقاؤه حتى آخر الكون وبعده ..
ولكن .. المستوحد بالمسرح مرشحا للموت والفتك اليوميين في هذه المقصلة العربية ، فما أن يأمل ببشارة من خلْقه أو من شيطانه حتى تعتريه الخيبة قبل أن تتم ” لام ” أمله ، وما أكثر البشارات التي استحالت أطيافا وأضغاثا وهباء بسرعة نووية اختراقية فظيعة .. فظيعة .. فظيعة ، وكأن غدر المستوحد بالمسرح أن يحيا المسرح وحده ، ويغادر المسرح وحده ، ويتقبل عسف ” الجلد ” وحده ويعيش أمله وحده ، ويجوب عوالمه وحده ويراكم فجائعه ومصائبه وآلامه وأوجاعه وفدحه وحده ، وإن لم يُنسى فهو مادة الفرجة الاستنقاصية في بيئة الاستهلاك الرخيص ..
أي وحدة تلك التي ينبغي على المستوحد بالمسرح أن يدفع ثمن توحده بها ؟ ..
حيرة المستوحد بالمسرح ترج المشهد فتسدر بين :
ركام من العروض أنتجها المسرح العربي ..
( ركام من العروض خلّفها المسرح العربي ) ..
حشود هائلة من البشر اعتلوا خشبة المسرح وافترشوا أفضية اللقاء المسرحي ..
( حشود هائلة من البشر كانوا ضيوفا عابرين على المسرح العربي ) ..
كلمات كثيرة .. صراخ كثير .. حركات كثيرة .. أضواء وألوان كثيرة .. أزياء كثيرة .. أقنعة كثيرة .. ضحك كثير .. عويل كثير .. كثير .. كثير .. كثيييييييييييييييير ..
صمت مريب ، قرحة كبيرة وحرقة دامية وفاجعة ، إذ لم يكن من بين هذا الركام والحشود والكثير الكثير سوى اليتم الشحيح الذي غالبا ما يهجره التأريخ وتلغيه فهارس الببليوغرافيا وتحجر عليه السلطات وتحاصره المستهلكات وتفتك به مجنزرات التجهيل والتضليل والتزييف والتغييب ..
ستمضي الألفية الثانية على مسرحنا العربي ونحن بعد لم نحص عدد الدخلاء والمتطفلين عليه ، عدد الذين همشوه وعزلوه وغرّبوه ، عدد الذين أجرموا في حقه ، عدد الجناة .
ستمضي ونحن لم نزل بعد منجذبين بكل فرائصنا وجوارحنا إلى قضايا تجاوزتها معطيات ومتغيرات وتحولات العصر ، قضايا أهلكناها لوكاً وتكراراً وكأن العصر قد توقف بندوله عندها ، قضايا أسهمت في تحجيم فكر ودور المسرح وأقصت أهميته ودوره وفاعليته لدى المسرح والمتلقي في آن .. قضايا من مثل :
المسرح والجمهور .. أزمة النص المسرحي .. أزمة المسرح العربي .. المسرح والتراث .. العلاقة بين المؤلف والمخرج .. المسرح والواقع الاجتماعي .. وقضايا وقضايا وقضايا وأغلبها لا يقترب ولا يلامس كيفية آلية القراءة والتحليل والتفكيك في المسرح ، هكذا قضايا بحاجة إلى قراءة أخرى باعتبارها قضية وعي من يتعامل ويشتغل في مسرحنا العربي .
ستمضي الألفية والمسرح في هامش الحاجة والضرورة والإنسان والحضارة ..
ستمضي والآذان لم تزل بعد طرشاء ، حيث لا رغبة ولا استجابة لتنفيذ توصية واحدة من ركام آلاف التوصيات والمشروعات التي تم التصديق عليها في آلاف الندوات والمؤتمرات والملتقيات المسرحية ، الأمر الذي دعانا لأن نزعم بأن هذه التوصيات هي من قبيل شكليات وبروتوكولات المحافل المسرحية ليس إلا .. ، أستثني من ذلك طبعا الدور الكبير الذي تضطلع به الهيئة العربية للمسرح بقيادة سلطان المسرح والثقافة والفكر حاكم الشارقة الدكتور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي من أجل إنعاش وضخ روح الحياة في مسرحنا ، عدا ذلك فتوشك أغلب بلداننا العربية أن تكون عالة ثقيلة على ما توفر لها من هذا السخاء القاسمي المؤمن بالمسرح كفعل حياة وضرورة توازي ضرورة الماء والهواء بالنسبة لأي كائن ، وهي لاشك عالة محببة إلى قلب وروح من آمن بها ..
ستمضي الألفية الثانية ومسرحنا أبعد ما يكون عن المسرح ..
صار المسرح من أسهل وأسذج الفنون في وطننا العربي ، الكل يكتب فيه وله وعنه ، الكل يمثل ويرقص ويستعرض فيه ، الكل يخرج فيه ، الكل يشتغل فيه ، الكل يتبروز فيه ، الكل ” يشخ ” عليه ويقضي ” حاجته ” فيه ، وتلك لعمري ” ظاهرة ” فادحة ، ولعله من أفدح الإشكاليات التي ” اعتسف ” بها مسرحنا العربي ، تكمن في غياب السؤال عن ماهية المسرح ، عن فعله الفني والطقسي والإبداعي واللقائي ، الأمر الذي ضاعف تضييق وإحكام دائرة المغلق والجاهز في المسرح ، وإن كانت هناك ثمة استثناءات فتكمن في بعض التوجهات المسرحية التجريبية النزوع ، إذ أنه حتى التجريب في مسرحنا العربي صار عرضة للدخول في حيز الدائرة والتورط بسائدها وجاهزها ومغلقها ، إن لم يكن قد تورط بحبائلها فعلا ..
ستمضي الألفية الثانية والمستوحد بالمسرح يشتعل ويتفرس في مجهول بذاكرته أو في مخيلته أو في موطنه أو في أمكنة أخرى أو في عالم آخر ، ربما سيتحقق وربما سيأتي وربما سيبدو وربما …..
هل أوشك المستوحد بالمسرح أن يكون مستحيل الوجود في وطننا العربي ؟ ..
قلبي على بعض من أذكرهم وأراهم أمامي لحظة أكتب ، يتأملون بألم ولوعة وحسرة المجاهيل الخانقة والدياجير المعتمة التي أودت بأكثر المستوحدين بمسرحنا العربي وتوّهت بعضهم وأحكمت النفي على بعضهم والإقامة الجبرية على بعضهم و ” قصفت ” أعمار بعضهم ..
قلبي على من شكّلوا منعطفات مهمة ومؤثرة في مسرحنا العربي جديرة بالتأمل والذين لا يزالون يمارسون القلق الخلاق في المسرح ، وأذكر من بينهم وأهمهم : توفيق الجبالي وانتصار عبدالفتاح وناصر عبدالمنعم والدكتور سامح مهران وعبدالله السعداوي وإبراهيم خلفان ومحمد الحر وأمين ناسور وأسماء الهوري ومحمد العامري وإسماعيل عبدالله وعبدالله العابر وفيصل العميري والدكتور جواد الأسدي ومهند الهادي ..
ستمضي الألفية الثانية وأملنا كبير في ” جودو ” بيكيت الذي ظل في ذاكرة المسرح ، فتلك شفاعة المستوحد بالمسرح ..
المستوحد بالمسرح .. كالأمل الأخير في المسرح ..

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح