أخبار عاجلة

المخرج نصيرات.. اشتغالات غير تقليدية للمسرح

عمان- إبراهيم السواعير

حين افتتح الكاتب والمخرج المسرحي خليل نصيرات مهرجان عمون لمسرح الشّباب الأردني2018 ، قبل فترة، بعمل غير تقليدي، طرح خلاله سؤال المسرح بين الأمس واليوم، و»بقاء النّص»- الذي جسّده وأنسنه الفنان المبدع عمران العنوز- في الخزانة، ينتظر من ينفض عنه غبار الروتين والعوز وقلّة الاهتمام، لتكون الخزانة ملاذه بعد أن فُجع بالمسرح بين خيبةٍ ورجاء… حينذاك، كانت فرحة الحضور كبيرةً بالتماع الفكرة في ذهن نصيرات، الذي فاز عمله «شواهد ليل» وعالج قضيّةً مهمّةً في ثوبٍ إبداعي، بذهبيّة مهرجان المسرح الأردني الكبير العام الفائت.

وحين تتخفف مهرجاناتنا المسرحيّة من بروتوكوليّة الافتتاح والكلمات المناسباتيّة، وقد فَعَلتْ منذ مدّة بقرارٍ من وزارة الثقافة حكيمٍ وموضوعي، فإنّ هذا الجوّ الإداريّ هو الذي يفسح المجال لنصيرات لأن يخلق مادّته ويضمّخها بحواراته وأسئلته معايناً تنافس المسرحيين وحالاتٍ من الجفاء بينهم ومؤشّراً كذلك على معنى أن تنفتح الأذهان أمام النقد وأن يخلص «المحترفون» في تعاطيهم مع الشباب، في مجال المسرح وفي غير المسرح من الفنون والآداب وكلّ مجالات الحياة، فهي افتتاحيّة موفّقة تضعنا بجوّ خليل نصيرات كاتباً ومخرجاً، وأديباً من خلال نصوصه المشغوله بالإسقاطات واللسعات الحارّة التي تجعلنا نطمئنّ إلى أنّ فينا من يمكن أن نباهي به خارج بلدنا وأن نفرح بذهنه المتوقّد وهو يختار مواضيعه وثِيَمِه في هذا المجال أو ذاك.

وإذا كان من نافلة القول أنّ المبدع الحقيقي هو من يشتغل على المناسبة اشتغالاً إبداعيّاً مغايراً ومخاتلاً؛ بحيث لا يظهر الوعظ ويتّسع السؤال، فنلغي الإجابات التي تضمحل في أعمال مغرية بالاحتفاء من مثل «شواهد ليل»، إذا كان ذلك كذلك فإنّ نصيرات لم يشتغل على «مجهولي النّسب» أو «الأطفال اللقطاء» اشتغال السارد الراوي الناقل للمخاطر والآثار أو مستدرّ الشقة والعطف، ومن نافلة القول أيضاً أنّ المتلقي المبدع سيعرض صفحاً عن العمل وربّما يصطدم بالجمهور وهو يحاول أن يجد محلاً خارج المسرح، ولذلك فقد كان نصيرات ذكيّاً بما يكفي لتلبية صاحب السؤال وإذكاء نار الألم والحرمان واستعارة المحسوس واستنطاق الحالة، خصوصاً في حوار اللقيط مع والدته- سيدة المجتمع- واعتياده أن يشمّ البنزين في «كازية» دلف إليها في رحلة شاقّة، يشارك فيها والدته «الشمّ» ويرفضها رفض الكاره للمحب، ولنا أن نقرأ سينوغرافيا العمل وانتماء اللقيط إلى والدته «الكازيّة»، ولنا أن نفرح أيضاً بذهنيّة عالية تهتصر الثيمة وتشبعها تقليباً وملاعبةً قبل أن تنطلق فيها في حرثٍ مثمرٍ ينبت فيه الزرع.

نصيرات، الذي يشغل حالياً في وزارة الثقافة مدير مهرجان مسرح الطفل، هو مبدعٌ، شأنه كمبدعي الوزارة الذين يُثرون مناصبهم ويؤنسنونها ويبنون جسوراً من الإبداع بينهم وبين المثقفين والإعلاميين من ذوي الشّهرة والشّهوة في الإبداع والفنانين، خصوصاً وأنّه عضو نقابة الفنانين الأردنيين، وحاول أن يفعّل ظاهرة المخيمات الإبداعيّة في مديرية ثقافة البلقاء في الْمُدّة الأخيرة في ربوع البلقاء وجلعاد، وقد فتح هذه الطبيعة الغنّاء لأن يستلهمها فنانون وشعراء وتشكيليّون في مطارحةٍ عالية المزاج للمكان، أصل الإبداع ومستقرّه الذي دائماً ما يبحث عنه المبدع ويرسمه في الخيال في حربٍ دائمةٍ مع الواقع المنمّط المحدد بجغرافيا يمقتها المبدعون.

في مسرح الطفل، واعتماداً على ما لطفل اليوم من مجسّات وحواس إضافيّة وخيال مغبّر بالسياسة واللجوء والقتل والجريمة ومتغيرات هذا العصر التي قد تنأى به بعيداً عن مثاليات مواقد الجدّات وبراءة الحلم الإنسانيّ، تزداد مسؤوليّة نصيرات في اختيار غير المسطّح من الأعمال وفرز ما يحمل الرسالة ويلبي الذّوق ويفتح الآفاق، وهو جهدٌ يدعمه أنّ أمين عام وزارة الثقافة هزاع البراري محبٌّ للمسرح ومبدعٌ في الكتابة له، وهكذا، فإنّ خير الموظف المبدع يعمّ ليغمر أكبر عدد من الجمهور والمتعاملين بأبي الفنون، المسرح.

نصيرات، المولود في الشّونة الجنوبيّة عام واحدٍ وسبعين، يحمل البكالوريوس في الفنون المسرحيّة من جامعة اليرموك عام خمسة وتسعين، والدبلوم العالي في الموسيقى من الجامعة الأردنية عام ألفين وتسعة، أخرج مسرحيات الحفرة وفلنتاين وحديقة الموتى ونافذة على الداخل والأسيرات وغناء النجوم وأثاث قديم، نال جائزة أفضل إخراج مسرحي لمسرحية الحفرة، وجائزة الملك عبدالله الثاني للإبداع عن مسرحية الأسيرات عام ألفين وثمانية، ومما أخرج حديثاً مسرحية العاديات التي سلّطت الضوء على آلام المجتمع السوري في فترة سابقة وهمومه التي تكاثرت في ما بعد.

http://alrai.com

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.