المجتمع الرقمي وأثره في بناء أنموذج فكري تقني مسرحي معاصر .د.عماد هادي الخفاجي

 

د.عماد هادي الخفاجي

إنَّ التحول التاريخي للجنس البشري الذي وضعه في مساق الفعل التاريخي، كان التحول من الجماعة إلى بنية المجتمع، أيّ التحول من تكافلية المجموعة المحكومة بضرورات الرغبة في البقاء والإرتقاء، إلى بنية منظومة مجتمعية هي بنية نامية ومتطورة أنتجت قوانينها الديناميكية في خضم فعلها الجدلي مع العالم, لتحقق الديمومة والبقاء ضمن الفعل التاريخي بتشكل الوعي للعالم, وإنشاء البنى المفاهيمية لحياتها، أيّ جماعة محكومة بقانون تطوري أنتجته مفاهيمها لعالمها بفعل جدل خلّاق، فالطبيعة الاجتماعية للإنسان هي غريزة متأصلة، لذا ومن حتمية التقنية الرقمية كواقع معاصر كان أنْ أصبحت التقنية الرقمية (الإنترنت) محوراً لمجتمع إنساني/ تكنولوجي، يعتمد بشكل كبير على المعرفة، إنتاجا، وإستعمالاً، ونشراً، وتوزيعاً.() إذ لطالما أعتمد الإنسان في تميزه التكويني على التشكيل المعرفي ونموه العلمي لإشباع حاجاته المادية والمعنوية، فضلاً عن ما يمثله نتاجه الفكري واستنتاجاته العقلية، من وسائل سلوكية للتعامل مع الواقع الخارجي: بأكتساب الخبرات والتجارب، والتأقلم مع الظروف الخارجية, لتحقيق حياة أفضل وهذا يعني بأنَّ المعلومة ابتدأت مع إبتداء التكون الفعلي للعقل البشري, وأستمرت في شتى تشكلاته الفردية والمجتمعية لتؤسس الكيان المتكامل للوجود الإنساني بأكمله، انطلاقا من مفهومها المبسط كفكرة تأخذ تدرجها المعرفي في العقل البشري، وصولاً إلى إستقلالها بوصفها علماً في العصر الحديث باكتمال مفاصلها الذاتية, ولتصبح هنالك علوم بكاملها تهتم بالمعلومة أهتماماً معرفياً, إذ تبرز “المعرفة” في العصر الرقمي، بوصفها أحدى أهم مقومات التجديد في المجتمع، والعنصر الأساس في صنع حركة تقدمه وبناء التاريخ الايجابي لأفراده, وتُعدّ “المعلومات” العصب الحيوي للتطور المعرفي والمنطلق الأساسي لتلبية الحاجة المعرفية التي ترفد الحاجات الإنسانية الأخرى, ليجعل ذلك من “التقانة الرقمية” محوراً للتنمية العلمية التقانية، فضلاً عن كونها من أهم أدوات صناعة الثقافة التي تمثل محورَ التنمية الأجتماعية الشاملة، بل وأحدى أهم قضاياها الاجتماعية, إذ أن الثقافة ليست مجرد عامل مؤازر لعملية التنمية التقانية وتحقيق الغايات المادية، بل هي الأساس الاجتماعي الذي تقوم عليه هذه الغايات نفسها، وان أي تنمية تقانية منزوعة من سياق مجتمعها وثقافته هي تنمية بلا روح.()

وقد حدث أثناء العقدين الأخيرين من القرن العشرين, ومطلع القرن الواحد والعشرين، تحولٌ مهم نحو تحقيق تعريف للمجتمع الرقمي بالتزامن مع الإبتكارات الثقافية والإجتماعية في تحديد مفهوم “المجتمع الرقمي” وطبيعته في كونه يؤشر مرحلة التحول إلى المعلومات ذلك المجتمعٌ القائم أساساً على المعرفة وإنتاجها وتوظيفها بكفاءة للإرتقاء بالحالة الإنسانية. فيرتبط المجتمع الرقمي وظيفياً بمفهوم العصر الرقمي (Information Age) بوصف الأخير تحولاً في الإنموذج الفكري المرتبط مع الانترنت، والذي يكوّن مجتمع المعلومات الشبكية (networked information society), إذ يغدو المجتمع المعاصر وبشكل مطرد مجتمعاً معلوماتياً، وهو ما يجعل للتقنيات الإفتراضية والنظريات المعلوماتية أثراً عميقاً في الحياة الإنسانية.() إذ المجتمع الرقمي يتحدد بتمثلات التقانة الرقمية ضمن نشاط النمو لقطاعين رئيسين هما : مجتمع المعلوماتية, أو المجتمع المعلوماتي, وهو فاعل في إدارة قطاع التنمية في الأقتصاديات الصناعية المتقدمة. وتمثل فروعه الثلاثة : الكمبيوتر، والاتصالات، والإعلام ، ثلاثة قطاعات منفصلة حتى قامت الوسائل الرقمية بتوحيدها, وأدى النمو الاقتصادي العالمي المتزايد مع التطور التقاني إلى توظيف المعلومات كمحرك أساسي للتغير الاجتماعي، ليظهر المصطلح مطلع عقد الثمانينيات من القرن العشرين للدلالة على مرحلة جديدة من تاريخ الإنسانية تمتاز بأعتمادها أساساً على قاعدة معلوماتية تشكل المورد الأساسي الذي يشتغل عليه القطاع الثاني وهو مجتمع المعرفة وهو قطاع حيوي في بناء ونمو المجتمع الرقمي، فعلى الرغم من أهمية صناعة المعلومات الواضحة في الحياة المعاصرة، إلاّ أنَّها لا تسير بدون منظومة فكرية محددة, ويأتي تفضيل مصطلح مجتمعات المعرفة (knowledge societies) لتأكيد حقيقة أنّ هنالك أكثر من طريق واحد نحو مجتمع المعرفة المستقبلي ، إذ أنَّ معيار القوة في الحضارة المعاصرة هو المعرفة، وقدرة تقنية المعلومات على تفجير المعرفة إنتاجاً واستعمالاً ونشراً وتوزيعاً, فالمعرفة هي عنصر القوة الحقيقية، والمتمثل تحديداً في المقدرة التقانية على خلق مجتمع قائم على تتابع سيل المعلومة تفاعليا، ومن ثم تطور كبير ومتسارع في فرض سلطة المعلومة خارج معيار الثبات والتحديد ، ينتفي فيه وجود كل ماهو خارج الوسيط الرقمي.() .

يخلص الباحث مما تقدم أنَّ العمل بالتقانة الرقمية يكسب أشكال الحياة خصائص جديدة تتنبأ بالأنتشار الواسع للرقميات والكمبيوتر، ليصبح هذا العصر عصراً للرقميات يمتاز بظهور تقانة الإتصالات والمعلومات, ويخضع لتأثير معاييرها وسماتها، ولينشأ مجتمع المعلومات والمعرفة وهو المجتمع الرقمي الإفتراضي، وله من الخصائص المتشابهة نسبياً مع خصائص المجتمع الحقيقي (المادي), ومن هنا فأنَّ المجتمع الرقمي أعادَ صياغة العلاقة بين الإنسان وعالمه، وبين الفرد ومجتمعه، وبين ثقافة المجتمع الواحد وثقافات مجتمعات أخرى، فهي ساحات ثقافية، ومكانٌ رحبٌ لتشكيل الثقافات الفرعية، إذ تُمكن الفرد من إقامة علاقات ذات مغزى مع غيرهم من الأفراد الذين يحملون الإهتمامات نفسها من جانب والأعتماد عليها كمورد استثماري يوظف كافة إمكانيات تقانة المعلومات في كافة أوجه الحياة الثقافية والإجتماعية والسياسية من جانب آخر, ويتحدد على هذا الأساس مجموعة من المعايير الوظائفية في توصيف ماهية المجتمع الرقمي، أهمها:

1. المعيار التقاني: إذ تمثل التقانة بنية معلوماتية تتفاعل مع عوامل التغيير الاجتماعي الأخرى, وتصبح تقانة المعلومات مصدر القوة الأساسية ,ويحدث انتشار واسع لتطبيقات المعلومات في المكاتب, والمصانع, والتعليم, والمنزل.

2. المعيار الإجتماعي: يتأكد أثر المعلومات كوسيلة للارتقاء بمستوى المعيشة وينتشر وعي الكمبيوتر والمعلومات ويتاح للعامة والخاصة معلومات على مستوى عال من الجودة .

3. المعيار الثقافي: ويؤكد على الأعتراف بالقيم الثقافية للمعلومات.

4. المعيار الاقتصادي: تبرز المعلومات كعامل اقتصادي أساسي سواء كمورد أقتصادي، أو كخدمة، أو سلعة، أو مصدر للقيمة المضافة، أو مصدر لخلق فرص جديدة للعمالة().

يخلص الباحث وعن طريق هذه المعايير إنَّ (المعيار التقاني) هو الأكثر أهمية وانتشاراً لكونه يدعو إلى إرساء رؤية مشتركة لمجتمع المستقبل (الرقمي) عبر الأهتمام بتسخير إمكانات الثورة الرقمية في تقنية المعلومات والإتصالات لخدمة الإنسان, وعلى كل الأصعدة الحياتية, وأنَّ التحول نحو تبني قيم العصر الرقمي وممارستها أصبح من الضرورات المهمة , فلا يمكن للفن المسرحي أنْ ينفصل عن سياقه الحضاري والثقافي والإجتماعي الذي أصبح أغلب ما فيه خاضعاً لتأثير الرقمية بإتجاه تبني قيم ومفاهيم الأنموذج الفكري الرقمي وأثره في بناء أنموذج فكري تقني مسرحي معاصر يتمثل بالتقنية المسرحية المعاصرة تمهيدا لتشخيص وتحليل ما يطرح من القضايا الفكرية, وتحليل أبرز نتائج هذه القضايا من معطيات فكرية تؤثر تباعا في تحديد المعطيات الشكلية.

وأيضاً نجد أنَّه قد تناسبت تلك الوظائف التي ترتبت في ضوء مستجدات التقنية مع إضافاتها الجمالية التي ساعدت العاملين في المسرح على إنتاج عروض مملوءة بالإبهار الجمالي, وإعادة تنميط العلاقة المجتمعية, وأيضا إعادة تشكيل المنظورات الثقافية التي ستخلص عند تلقيها على قيم جديدة تؤثر على سلوك المجتمع, وبالوقت ذاته ستعيد ترتيب العوامل الاقتصادية في مستوى الفرد أو مستوى المجتمع, إن ذلك كله هو من تجليات تلك الرقمية التي صارت جزءاً حيوياً, وسيطاً وفكراً في إنتاج العرض المسرحي صورةً ودلالةً, والعبور به من الحقيقة إلى الإفتراض تماشياً مع ثنائية الكمبيوتر القائمة على الصفر والواحد

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.