أخبار عاجلة

المؤرخ المسرحي والناقد سمير حنفي محمود يكتب: محمد عوض.. قبطان فى سفينة الفن “الحلقة الألى” ..النشأة والتكوين

بقلم:

سمير حنفى محمود *
مؤرخ وناقد مسرحى

مصر

ـ

تطلع منذُ طفولته إلى الأفق الواسع البعيد، عبر البحار، كان يعشق البحر، أحب مدينة الإسكندرية التى كان يذهب أليها صغيراً فى موسم الاصطياف، حتى ولد حلمه الأكبر, بأن يخوض بين البحار والمحيطات قبطاناً، يتحدى الأمواج وضباب الظلام، ليقوده قدره لأن يكون واحداً ضمن نجوم الكوميديا فى مصر، وذلك خلال عقود الستينات والسبعينات وحتى ثمانينيات القرن العشرينن قاده طموحه وهو مازال طفلاً صغيراً فى حى العباسية بالقاهرة، إلى التطلع لرموز هذا الحى العريق، أمثال، بليغ حمدى، وصلاح جاهين، ورفيق مشواره فؤاد المهندس، وغيرهم كثيرُ، عاش فى هذا الحى ردحاً من الزمن، بين مدارسها الأبتدائية والثانوية، بل وأثناء دراسته الجامعية بكلية الآداب، جامعة عين شمس، فشرب من عبق هذا الحى، وتطبع بطابع أبن البلد خفيف الظل.

أنه عاشق الضحكة محمد محمد عوض يوسف، الشهير بمحمد عوض، أو فلنقل عاطف الأشمونى مؤلف الجنة البائسة، تلك العبارة التى أشتهرت فى الستينات بعد قيامه ببطولة مسرحية جلفدان هانم، التى كانت بوابته إلى النجومية، وهو أيضاً شراره بطل مسلسل برج الحظ، الذى حقق نجاحاً لم يحققه أى مسلسل تليفزيونى أخر أبان السبعينات، هو عم صابر، الأنسان المصرى الطيب المقهور، هو الأنسان المصرى الأصيل الذى بكى مع النكسه، وقفز فرحاً مع العبور، هو الأنسان الثورى الذى عشق الثورة فى روح زعيمها جمال عبد الناصر, فكان يسافر بقطار الصعيد يوماً بأكمله ليرسم البسمه على شفاه العمال, ليعود مساءً فى نفس القطار, ليكمل مشواره الفنى، فوق خشبات المسرح، وهو ذاته الأنسان الذى صرخ فى أعماله رافضاً ذلك الأنفتاح الأستهلاكى أبان الثمانينيات, منتقداً ذلك التحول الرأسمالى الذى حدث فى البلاد وقتذاك, حتى وأن أدى ذلك إلى تقديم أعمالاً تراجيديه رغم شهرته وجماهيريته كفنان كوميدى, هو من أدان التطبيع ومشاكل البطاله فى مسرحية مساء الخير يامصر، تأليف الدكتور محسن مصلحى، وأخراج ناصر عبد المنعم، وهو الفنان الذى شعر بأن الفن رساله, وإن تحدى السلطه وأنتقدها، حتى لو أدى ذلك إلى تهميشه فى حقبة التسعينات من القرن العشرين، وربما لامه البعض على بعض النكات، والقفشات الكوميدية، التى كانت خروجاً عن النص، لكن هذه كانت سمة الفترة، خاصة مع المسرح التجارى.

نشأته:
ولد محمد عوض فى السابع من يونيو من عام 1932م بحى العباسية لأسرة ريفية متوسطة الحال مسقط رأسها مدينة الشرقية، كان والده موظفاً بسيطاً فى مصلحة الشهر العقارى، كان قد هاجر مع أسرته، التى أستقرت فى حى العباسية.
بداياته مع فريق الكشافة:
مارس محمد عوض الكشافة فى مراحل التعليم الأولى .. فقام بالعديد من الرحلات تعلم منها روح الجماعة والأعتماد على الذات .. والأعتياد على المواقف الصعبة، ومن خلال فريق الكشافة، أحب جمال عبد الناصر وعشق كتابه فلسفة الثورة، عاش طموحات هذه الفترة وأنكساراتها.
بداياته الفنية:
ظهرت ميوله الفنية منذ عام 1943 عندما كان طالباً بمدرسة ” خليل أغا ” الأبتدائية بالعباسية .. عندما بهرته الأنغام الموسيقية التى كانت تنبعث من حجرة التربية الموسيقية، فذهب وهو يقدم رجلاً ويؤخر الأخرى ليقابل مدرس الموسيقى، ويسأله إن كان من الممكن أن ينضم إلى الأنشطه التى يقدمها.
دور القمر .. كان أول أدواره:
وكان المدرس يبحث عن طفل ملئ بالحيوية ليقدم دور القمر فى أستعراض غنائى, وأنضم محمد عوض لفرقة النشاط الموسيقى بالمدرسة وبدأ المدرس يدربه على دور القمر، الذى كان أول دور تمثيلى له.

وعندما أقيم الحفل, كان الخوف من أن يُصاب الطفل محمد عوض بالخوف والرهبة من مواجهة الجمهور، لكن الطفل محمد عوض أجاد، حتى أن ناظر المدرسة صعد إلى خشبة المسرح، وقبله ومنحة خمسة مليمات، كانت هى أول أجر يتقاضاه محمد عوض عن عمل مسرحى، لكنه رغم كل ذلك لم يفكر يوماً فى أحتراف التمثيل، فقد كان عشقه أن يكون قبطاناً أو بحاراً .. لكن الظروف لم تمكنه من ذلك

من مسرحية نقطة الضعف

ولكن هذا التشجيع المعنوى من ناظر المدرسة، هو الذى دفعه إلى الأستمرار، فى هذا النهج الذى عشقه, وإن كان قد تحول بعد ذلك من الغناء إلى التمثيل, وذلك عندما أنتقل إلى مدرسة فاروق الأول الثانوية النموذجية.
عشق محمد عوض لمشاهدة السينما والمسرح: كان محمد عوذ، منذ طفولته، مولعاً بمتابعة السينما والمسرح، فكان يدخر كل قرش من مصروفه المتواضع، للذهاب إلى السينما، وكثيراً ما كان ينال علقة ساخنة من والده نتيجه تأخره فى مشاهدة أفلام الريحانى وعلى الكسار.
وعندما لاحظ والده شده شغف أبنه بمتابعة الأعمال السينمائية للريحانى والكسار، أستأذن الوالد أحد أصدقائه, الذى كان يقطن بمسكن تطل شرفته على شاشة سينما مصر الصيفية, بان يذهب أليه محمد عوض بين الحين والأخ, لمشاهدة السينما من شرفه منزل صديق الوالد، مما ساعده على أن يدخر مصروفه اليومى، لمشاهدة عروض، الكسار و نجيب الريحانى، الذى عشقه محمد عوض عشقاً كبيراً.
معوقات فى طريقه: رغم أبتسامته البرئية المتفائلة التى عهدناها فيه إلا أن بداباته لم تكن متفائلة مثل تلك الأبتسامة, فقد توفى والده بعد أن ماتت أمه وشقيقه على فترات متقاربة، ولم يكن محمد عوض قد تخطى الثامنة عشر من عمره، وكان محمد عوض وقتذاك طالباً فى مدرسة فاروق الثانوية، وكانت موهبته قد بدأت تتقد وتنطلق فى هذه المرحلة السنية، فكانت وفاة والده عائقاً كبيراً أمامه، وأمام حلمه بالوقوف فوق خشبة المسرح, كان عليه أن يتصدى لكل المعوقات، وأن يترك أحلامه، وينطلق فى مجال العمل، ليعول أسرة مكونة من أربع أخوة من البنات، وأمام هذه الظروف العائلية الصعبة أضطر محمد عوض للعمل بجانب دراسته الثانوية، وذلك بالوظيفة الحكومية التى كان يشغلها والده بالشهر العقارى، وهو عُرف كان سائداً يالمصالح الحكومية وقتذاك، ان يعمل الأبن مكان والده إذا ما توفى أو أُحيل إلى المعاش، وبهذا استطاع محمد عوض أن يكفل أسرته وهو فى هذا السن الصغير، ولأنه كان منشغلاً بالعمل والدراسة فى آن واحد فقد قام بتسفير أخوته البنات إلى الشرقية وهن تحت رعايته, ولم يعيدهم إلى القاهرة إلا عندما تم التحاقهم بالتعليم الجامعى، ورغم كل المعوقات التى لاحقته، فقد أستطاع أن ينهى مرحلة التعليم الثنوى بنجاح، لينطلق إلى مرحلة التعليم الجامعى.

محمد عوض والمسرح الجامعى :
ألتحق محمد عوض بكلية الأداب قسم الفلسفة وعلم النفس، وكان معه فى نفس الدفعه ونفس القسم، فرحات، أو الدكتور شديد، الذى كان أيضاً دفعته فى مدرسة خليل أغا الأبتدائية، وجمعتهما معاً هواية المسرح، بدأت هوايته للتمثيل تداعبة مرةً أخرى، رغم أرتباطه بالعمل مع الدراسة، إلا أنه كان يرى أن التمثيل نوع من التخفيف عنه وعن همومه أو كما كان يقول “نوع من الهروب اللذيذ من أعباء الحياة” وسرعان ما برزت موهبته فى الفرقة المسرحية بكلية الآداب جامعة عين شمس, وتنبأ له استاذه أنيس منصور بالنبوغ وشجعه على المضى فى طريق الفن، وكان فريق التمثيل بقسم الفلسفة وعلم النفس، عادتاً ما يقدم أعمال الريحانى، ووقتها كان محمد عوض يقوم بأدوار البطولة على مسرح الجامعة.

أنيس منصور ودوره مع محمد عوض: وكان أنيس منصور يُدرس له الفلسفة, وعلم الأجتماع , وتاريخ الحضارة، وفوق هذا كان يشرف على فريق المسرح بالكلية، ولمس أنيس منصور قدرة محمد عوض على الأضحاك والتقمص، فشجعه على الأستمرار, وكثيراً ما كان أنيس منصور يقدم الدعم المالى للفريق بشراء بعض الخامات والديكورات التى يحتاج أليها العرض المسرحى، من جيبه الخاص، وكان لهذا لتشجيع من أنيس منصور أثره فى التقدم الفنى لمحمد عوض, مما جعلة رئيس لفريق التمثيل بكلية الأداب قسم الفلسفة، والبطل الأول لها، وصمدت الفرقة المسرحية فى مواجهة الفرقة الأخرى، التى كان يقودها جلال الشرقاوى وكرم مطاوع بكلية الحقوق، والتى كانت تقدم كلاسكيات المسرح العالمى.

التخصص فى أدوار نجيب الريحانى المسرحية:
ومن خلال قيادة محمد عوض للفرقة المسرحية بكلية الأداب قسم الفلسفة وعلم النفس، بدأت ملامح موهبته تتجه لقالب الكوميديا الأجتماعية التى كان يقدمها أستاذه نجيب الريحانى الذى أرتبط به معنوياً من خلال مشاهداته القديمه، فأتجه بفرقته المسرحية نحو الشكل التراثى للمسرح الكوميدى، فأنكبت الفرقة على تقديم أعمال نجيب الريحانى، وتخصصت الفرقة وبطلها محمد عوض فى هذا اللون وبرعت بل وأشتهرت دون باقى الفرق الجامعية.
(( يتبع ))

موقع: المسرح نيوز

عن صفاء البيلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.