«المأسَوية في المسرح العربي» للدكتورة هدى بو فرحات معلوف دينامية الوعي المأسوي المسرحي #لبنان

 

 

تُسقِطُ الدكتورة هدى بو فرحات معلوف مصطلح الوعي المأسوي على نماذج ثلاثة من أهم نتاجات المسرح في لبنان والعالم العربي، المعروفة، والناجحة، والمختلفة الرؤيا، والتي تبلورت فيها فكرة الدراما المأسوية التي وسمَت تلك الأعمال بترسيمات واقعية تنطلقُ من عولمة الرؤى والأفكار التي تعالجها وتتصدّى لها كالفقر والمرض والظُّلم والحروب. ففي كتابها «المأسوية في المسرح العربي» الصادر عن سلسلة منشورات الجامعة اللبنانية (2011) اندرجت تلك المسرحيات التي اختلفتْ في صدورها زماناً ومكاناً فجاءت على تفاوتٍ زمنيٍّ متساوٍ هو ثلاثة عقود بين العمل وتاليه كالتالي: شهرزاد (1934) توفيق الحكيم، الإزميل (1964) أنطوان معلوف، طقوس الاشارات والتحوّلات (1994) سعد الله ونوس.
وبعدَ أن تشير د. بو فرحات معلوف بأريحية إلى أن دراستها سيميائية بِنْيوية بامتياز، تُورِدُ أسباباً مهمّة لتبنّيها فكرة المأسوية في كتابها أهمها دفع المسرحيين العرب إلى كتابة المأساة في المسرح وليس الاكتفاء بالتسطيح من الضحك والنكات الرخيصة أي الهزل المتحرك على الخشبة وكأن «الدنيا بألف خير»! عطفاً على سببٍ آخر هو إثبات أنّ الحسّ المأسوي هو مجازٌ أخلاقيّ مُشترَك بين الشرق والغرب يتأثّر به كلاهما فلا يجب أن يكون المشرقي متأخّراً في هذا المضمار مع تشابه وتشابك المشاكل والهموم التي تعصف بالإنسان أينما وُجِد.
وعليه تؤكّدُ الكاتبة أنَّ ما اختارته من نصوص يلتقي مع الآخر في استيحاء مأساة الإنسان العربي بالتحديد كمادة نوعية للدراما في ما يتعرّض له من التهميش والعزل والاستهتار بإنسانيته شكلاً ومضموناً في ظل الدوائر السياسية للأنظمة التي تحكمه. فمفهوم المأسوية في المسرح بالنسبة لها هو مفهوم محوره الإنسان، ولا يستطيع المسرح إلا أن يكونَ مأسوياً ولو انطلق من منصّة الكوميديا، ذلك أنه ومعَ كلّ إسدال ستار لهذه الأخيرة لا بدّ من هدفٍ أو معطى جَدّيٍّ مُرسلٍ باتجاهنا هو الفكرة الرسالة للعمل المسرحي، أمّا أنْ يبقى المسرحُ هزليّاً وهشّاً بالمعنى الفكري والتقني اللامُجدي والسخيف أحياناً كثيرة من النص إلى عناصر العرض الأخرى في الاخراجِ والتَّمثيل فما معنى أن يكون الإنسان موضوعاً له؟!
لذلك تدفعُ د. بو فرحات باتجاه التجديد لرؤية قديمة يحتاجها المسرحي العربي اليوم في ترسيخ الفكرة المسرحية الناجعة لدى المتلقي كمنصّة وثوقية تنشد تطوّر المجتمع وإصلاحه وفاقاً للدور الأصيل الذي لعبه المسرح منذ نشوئه في العالم كرسالة أخلاقية. كما تريد للمسرح أن ينهض بالناس لتغيير نمطية استسلامهم للنّظم الحاكمة والمتحكمة بمفاصل مجتمعاتهم بدءاً بلقمة عيشهم إلى أفكارهم وتطلعاتهم السياسية، وصولاً إلى ما فُجِعوا به من نكبات الهزائم والحروب العبثية من فلسطين إلى لبنان فالعراق وغيرها، في موقف ثوريّ أدبي قلّ نظيره على المستويين المحلي والعربي، يرى إلى قلْبِ الطاولة على تلك المروحة الواسعة من صنوف المأساة. إنّهُ أيضاً ومن بابٍ آخر سعيٌ جديّ لتكريس ممارسة كتابة نقدية مسرحية ثرّة وفتيّة، وليس الاكتفاء بتحرير المفردات إنطباعياً بالاستناد إلى ما تتالى علينا من موجات التأثّر بالوافد إلينا من الغرب عبر الترجمة إقتباساً أو إعداداً، مع وضوحٍ حميد في رأيها بأننا لم نصل بعد إلى فضاء الخضرمة الدرامية المنشودة.
إلى ذلك لا تتصف المأساة هنا في كتاب د. بو فرحات بالبُعد المعنوي المُلزَم بالحزن والضّيق أو اليأس، إنما هي محاكاة تطبيعية مع الواقع بحس مأسوي إنساني خلوق هو في صميم حيواتنا المتقلبّة على أشكالٍ من المعاناة لا مفرّ منها لكلّ منا في «رزقه أو بيته أو أهله وصحبه وبنيه، وفي صحّته، أو في خيانة أو ظلم أو اعتداء قويٍّ على ضعيف، أو احتلال أو تهجير»، للعبور إلى سيرورة تقديم ونقل واقعنا هذا وجاهياً وبانتظام إلى الجمهور في أعمال دراميّة مُنتخَبة العناصر من التأليف إلى العرض دون إغفال توليفها بخواتم تحقق الصدمة اليجابية فينا توخّياً وتطلُّعاً إلى تغيير مُجتمعيٍّ حقيقيّ.
حسام محي الدين
http://aliwaa.com.lb/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح