الكوميديا والضحـك المقـدّس – عبد الفتاح رواس قلعه جي

الفتاح قلعه جي
عبد الفتاح قلعه جي – سوريا

الكوميديا والضحـك المقـدّس – عبد الفتاح رواس قلعه جي

 جاء في وثيقة إغريقية مصرية عن خلق العالم:

     ” ضحك الإله سبع مرات

     فولدت الآلهة السبعة مالكة الكون

     وفي المرة السابعة ضحك ضحكة السعادة

     فولدت النفس “

   هذا النص الأسطوري يضعنا أمام البداية التاريخية لخلق العالم. تلك البداية التي كانت من الفرح. وفي القرآن الكريم : “ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم – التين 4” والخلق الأسمى للإنسان لا يمكن أن يكون إلا في حالة فرح، تلك كانت البداية، وإلى الفرح يعود الإنسان. “وجوه يومئذ مسفرة، ضاحكة مستبشرة – عبس 39”.

وكانت احتفالات الإله باخوس والتي تعتبر نوعاً من المسرح البدئي حافلة بالمساخر. وفي الديانات الوثنية القديمة نجد صورة الإله الضاحك، ولدى المصريين القدماء حوالي سنة 650 ق.م كان ” بس” يمثل إله الضحك والفرح والموسيقى، وكان يرسم على شكل قزم أشعث الشعر يرتدي جلد سبع وله ذيل، رأسه ضخم لا يتناسب مع جسمه الصغير وقدميه القصيرتين. وكان إلهاً شعبياً محبوباً يستخدم تمثاله كتعويذة ضد كل ما يسبب الكرب والشرور، وكانت زوجته ” تاروت ” حامية الأمهات أثناء الحمل والولادة.

  والرقص لون من ألوان التعبير عن الفرح والسرور، ولهذا كانت الراقصات يرسمن على سيقانهن وشماً على صورة الإله الضاحك. كان يقوم بدور هذا الإله الضاحك في الاحتفالات الدينية المقدسة أشخاص بأقنعة تصنع على شكله، ثم انتقل تشخيصه من المقدس إلى الدنيوي وتطورت وظيفته فظهر على شكل المهرج لدى الأمراء والملوك، وأخذ شكله الفني في السيرك والمسرح، وتعددت أنماطه في الكوميديا الشعبية.

يعود هذا الموتيف إلى الظهور بشكل مغاير في بعض الديانات الكتابية فإسحاق النبي (ع) يعني الضاحك، وإلى ذلك تشير الآية حين جاءت الرسل الإلهية (الملائكة) إلى إبراهيم (ع) وامرأته تقوم على خدمتهم: “وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق -هود-71 “.

تنطلق العلاقة بين الضحك والمؤثِّر من مفارقة حركية أو لفظية، ومن هذه المفارقات التي يولدها الموقف ينشأ الضحك، وقد لا يعبر الضحك عن الفرح فحسب وإنما على الشكر، ففي حادثة النمل التي وردت في القرآن الكريم ينتقل المؤثر الحركي ( رقص النمل هو كوداته اللغوية) إلى المتلقي سليمان النبي (ع) فيتولد الضحك. أما الأثر النفسي فهو الفرح باختصاص المتلقي بالمعرفة من دون الناس، الممزوج بالشكر الإلهي. ونصغي بمتعة إلى هذا المشهد الحواري- الحيواني، الإنساني، الإلهي- ” قالت نملة: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون، فتبسم ضاحكاً من قولها وقال: رب أوزعني أن أشكر نعمتك – النمل 18-19″

ثمة مباينة بين الضحك الشعائري المنقول إلينا عبر النصوص وبين الكوميدي أو الشعبي. ولسنا معنيين بتقديم تعريف يجمع بينهما ولكننا نريد أن نؤكد بأن الضحك طاقة حيوية، إنسانية وإلهية، لها دور كبير في خلق وتقويم الحياة الإنسانية. الضحك كما يقول يوري مان: “الضحك هو المبدع العظيم للدياليكتيك”.

إن الفصل ما بين المقدس والدنيوي أمر شائك. كثير من الموتيفات الشعبية المرحة لها امتداد في المقدس والأسطوري مثل احتفالات الطهور ( الختان) والأعراس والرقص الشعبي (رقصة هز الوسط النسوية) ورقصة اللهبين (لهب الشموع ولهب القلوب) في العرس الحلبي أثناء حمل صواني الحناء ليلة الحنة، والطقوس الديونيسية، واحتفالات النيروز أول الربيع التي تمثل انبعاث الإله الميت واكتمال الدورة الزراعية بعودة الحياة والخصب إلى الأرض.

     يرتبط الجاد في المسرح بالملهاة مثلما يرتبط بالمأساة، بل إن ارتباطه بالملهاوي أوثق تاريخياً والأمثلة عديدة على انبعاث الضحك أو (الكوميدي) من المقدس. ولأن المقدس يبقى في ضمير الإنسان الشعبي حياً، ورواسبه قارَّة في قيعان الفكر والعادات والطقوس الاحتفالية والمأثورات الشعبية، وتأخذ دورها الفعال في تكوين وعيه الجمالي، فإن استجابته للفرايحي أكثر من استجابته للحزايني، وهو لا يستهجن حتى الهزلي المضخّم “الجروتسكي”، وذائقته الجمالية تميل إلى الموتيفات الهزلية لأن هذه الذائقة تحمل رواسب الطابع الاحتفالي القديم. كانت مسرحيات أريستوفان الهزلية توازي مسرحيات سوفوكل المأساوية، وربما تفوقها شعبية، لكن بعضهم اليوم يرون في الكوميديا أقل شأناً.

النموذج الحضاري هو أفضل ما يكون اكتمالاً حين يكون تعدده في وحدته. الأنساق الحداثية تسير جنباً إلى جنب مع الأنساق الشعبية، وحين يكون هناك أغانٍ شعبية فلا بد أن يكون هنالك موسيقى شعبية ورقص شعبي وتشكيل شعبي وكوميديا شعبية لتكتمل اللوحة الحضارية في هذا النسق.

 تختلف طبائع الشعوب وأذواقهم ، وهي لدي النخبة الثقافية تخضع لمؤثرات الثقافة. في شرقي المتوسط وبلاد مابين النهرين نجد شيوع الألوان المأساوية في الغناء كالعتابا الفراقية والأبوذية والميمر والشروقي.. وربما يعود ذلك إلى حالة عدم الاستقرار في الأمن بسبب تعرض هذه المناطق للغزو الخارجي عبر التاريخ وما يتبع ذلك من مناخات التعبئة المستمرة للدفاع، كما أن أطراف هذه المدن المتصلة بالبادية تشهد حالات حلٍّ وترحال مما تقتضيه حياة البدو، ولذا يشيع الغناء الفراقي الحزين.

لكن ما يلاحظ في المسرح أن العامة تميل إلى العروض الشعبية الاحتفالية التي تحمل طابع النقد الاجتماعي الساخر، وهي بذلك أكثر ارتباطاً برواسب الطابع الاحتفالي الشعائري القديم من النخبة الثقافية التي تحمل مؤثرات الغرب الثقافية وترغب في رؤية مسرح رصين. الأمر يختلف في مصر حيث يتجاوب المثقفون والعامة مع العروض الكوميدية والاحتفالية، وتعتبر ثقافة الضحك والاحتفال متوارثة منذ التاريخ المصري القديم.

ليس هنالك أنسب من الكوميديا للتعريض بالسلطة القمعية أو بالغازي المحتل، فالنص الهزلي يستطيع أن يتخطى عقبات كثيرة وموانع، ويعيد بعض الدارسين اليوم تفسير بعض الهزليات الرمزية في الطقوس الدينية القديمة من منظور سياسي. إن انتصار المجموعة الغنائية الراقصة للسمراء في الشدِّية الهزلية الحوارية ” بين السمرا والبيضا” ، وتعليق قطعة من الشب         ( الأبيض) والخرزة الزرقاء على صدر الوليد درءا للشر والعين الحاسدة. هي تعابير رمزية في دلالتها البعيدة موجهة ضد الغزاة القادمين من البحر والشمال ذوي البشرة البيضاء والأعين الزرق، ومثلها الأمثال الشعبية التي تعرِّض بالعيون الزرق.

    ترد مواقف الإضحاك في النصوص المقدسة، من ذلك أسطورة رع إله الشمس وأبوفيس (الثعبان) موتيف الشيطان الذي يتنكر ليقوم بدور حارس الإله في مركبة الشمس عبر سلسلة من المواقف الكوميدية، وفي كل مرة ينكشف أمر أبوفيس والذي يمثل في رمزه التاريخي ملك الهكسوس، وقد وُضع النص زمن احتلال الهكسوس مصر. وكان رع والآلهة المحيطون به دائماً يكتشفون حقيقته، ولا يتورع رع في الموقف الكوميدي أن يتلفظ بألفاظ دونية مضحكة. يقول رع:

” ارفعوا رؤوسكم يا جنود رع، واطردوا هذا الجبان الضرّاط من صحبتنا”

وأعجب كيف أنه في نص مقدس ترد هذه الحركات والألفاظ الإضحاكية ثم يأتي بعضنا اليوم فيعتبر حركات الفارْس والتضخيم والإضحاك مساساً بالمقدس الفني!

ويأخذ الثعبان في التصور الشعبي الإسلامي مهمة إدخال إبليس إلى الجنة خلسة ليقنع حواء بأكل ثمار الشجرة المحرمة.

وفي حديث نبوي شريف مشهد يدعو إلى الابتسام، وقد جاء كما يلي:

 الزمن هو يوم القيامة، والمكان هو الطريق ما بين النار والجنة، وعبد من عباد الله يخرج من نار المطهر متعباً عطشاً، يلتفت إلى جهنم ويقول: ” الحمد لله الذي نجاني منك” ثم ينظر إلى شجرة قريبة فيخاطب ربه قائلاً: “يارب أدنني من هذه الشجرة أستظل بظلها وأشرب من مائها” ويقول الله: ” يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها؟ ” فيقول الرجل” “لا يا رب”. وما إن يستقر ويستريح في ظل الشجرة حتى يسأل ربه أن يدنيه من شجرة أخرى هي أقرب إلى باب الجنة.. ثم ثالثة ورابعة وفي كل مرة يؤكد لربه أنه لن يسأله غيرها، حتى إذا وصل قريبا من الجنة قال: “يا رب أدخلنيها” فيقول له ربه: ” يا ابن آدم ما يصريني منك (أي مايقطع سؤالك) ويأمر بإدخاله الجنة.

الموقف الكوميدي هنا ينشأ من المفارقة بين أن ابن آدم يتذاكى على الله مخفياً هدفه ليصل إلى مراده خطوة خطوة، وبين أن الله عالم بمراد ابن آدم فيأخذه على قدر عقله ويحقق له رغباته الواحدة تلو الأخرى، ولنتصور الرب وهو يبتسم من تذاكي عبده عليه!

وفجأة يصعق هذا المتذاكي المحتال على ربه لدخول الجنة عبر سلسلة من المواقف الكوميدية، يصعق بهذه المنحة الإلهية التي لم تخطر على باله. يقول الرب: “أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ ” ويظن ابن آدم أن الرب يسخر منه بعد أن كشف أمره فيقول: “أتستهزئ مني وأنا رب العالمين” فيجيبه الرب مطمئناً ومؤكداً: ” إني لا أستهزئ منك ولكني على ما أشاء قادر”.

   إذا كانت بعض الفرق المسرحية الكوميدية اليوم تقدم بعض مشاهد الحب، هذه العاطفة الإنسانية المقدسة بشكل ساخر كمشاهد قيس وليلى، وروميو وجوليت، فإن هذا الأمر كان موجوداً لدينا في الأعراس والاحتفالات الشعبية قبل انتشار المسرح حيث تركب عبلة ويمثلها رجل على ظهر بعير أو بغل ويقوم حامل رمح يمثل عنترة بلكز جانب الحيوان أو عبلة لتتمايل وترقص والناس في الموكب يضحكون. وفي البادية نجد مشاهد حبٍ ساخرة مماثلة في الأغاني الحوارية والرقصة المصاحبة في فن الحماشي.

   موتيفات الحب الساخر وموتيف الشيطان تتكرر في مساخر خميس السكارى التي كانت تشهدها حلب قبل بدء الصوم المسيحي، وهي نوع من مسرح الشارع المتحرك، حتى الملائكة المقدسون يؤدون أدوارهم بشكل هزلي، وكان الممثلون في هذه الفرق يلبسون الأقنعة الضاحكة ويحاورون الناس في الطرقات وعلى الشرفات، ومن شخصياتها الهزلية: عبلة . الشيطان. محلوج ومحلوجة. ملاكان. وفي أربعينات القرن العشرين منعتها الكنيسة.

     الحكايات الشعبية والممسرحة التي تقوم على تخلي الملك عن عرشه وردائه وصولجانه لواحد من العامة ولمدة يوم هي إعادة إنتاج لأسطورة قديمة أخذت أشكالاً متعددة، وإحداها خاصة بمبعوث الإله المصري حورس الذي أرسله إلى والده أوزوريس في العالم الأسفل بعد أن تلقى نداء من أوزوريس في العالم الأسفل لينقذه من مؤامرات ” ست ” . ولكي يتخطى العقبات يعطيه قناعه الخاص به وهو قناع الصقر، وتتولد المفارقات المضحكة من اعتقاد هذا المبعوث البسيط بأنه بارتدائه هذا القناع يصير مثل حورس، فهو يتغنى في الطريق:

             أنا الصقر الكامن في قلب الضوء

             والقادر على السير جيئة وذهاباً حتى تخوم الصحراء

وتتوالد المواقف الهزلية من جهل هذا المبعوث الساذج بالبروتوكول الإلهي، فهو يخاطب أوزوريس بفظاظة، ويقع دائماً في مشكلة تخطي العقبات بسوء تصرفه، إلى أن ينجح في النهاية.

ومغامرات حورس وست هو نص هزلي -جدي والحديث عن الآلهة فيه لا ينم عن رفع الكلفة فحسب وإنما عن عدم الاحترام أيضاً حتى إنه يضحك القارئ عليهم أيضاً ويتحدث عن رذائلهم حديثاً مماثلاً وجديراً برابليه ولوكاتشيو. والكاتب يصور أبطاله الثلاثة إيزيس، ست، حور، من خلال أقنعة هي على الترتيب: المحتالة، الأبله، المهرج.

   كثير من الموتيفات في الكوميديا الشعبية تعتمد المحاكاة الطقسية أو الواقعية وتقدم أشكالاً من ضحك السخرية وضحك التمسيخ أو التضخيم، بهدف إيصال الفكرة مع قدر كبير من المتعة وعبر الذائقة الجمالية الشعبية. وبعيدا عن رصد الظواهر المسرحية ذات الطابع الكوميدي فإننا أمة احتفلت بالفرجة غاية الاحتفال، وهي فرجة مختلفة عما هي في المسرح الأرسطي، إنها قائمة على تداخل موتيفات الغناء والرقص والإضحاك. وحتى في مواكب الجنازات الاحتفالية في مصر القديمة كان يُستحضر الأقزام المهرجون للسير فيها.

    إننا في سبيل البحث عن مسرح جديد يرتبط قديم فرجته بحديثه، ويكون مرتكزاً على ذائقة شعوبنا الجمالية، ويطرح أفكارنا ومشاكلنا وواقعنا ورؤيتنا للعالم، إنه في سبيل ذلك لابد من أن نمنح الضحك ما يستحق من اعتبار كمسرح جاد، وليكون له سحره الخاص لابد من إعادة صفة القداسة القديمة والاحترام إليه.

عبد الفتاح رواس قلعه جي – سوريا

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح