الكوميديا اللفظية أضرت بسمعة المسرح الفكاهي #الامارات

 

 

شاع في المسرح العربي في العصر الحديث، ما يطلق عليه المسرحيون اسم «الكوميديا اللفظية»، وهو اشتقاق جرى توظيفه في المسرح العربي في موازاة الكوميديا، أو الملهاة، ففي حين ينظر إلى الكوميديا بوصفها أصعب أنواع العروض المسرحية، وتتطلب قدراً كبيراً من الإمكانات على مستويي الفكر والأدوات لدى المؤلف، والمخرج، تعتمد الكوميديا اللفظية على ما يعرف ب«الأفيهات»، التي يستعملها أهل الدراما، والتمثيل، بمعنى جملة تهريجية، أو كلام ذي تأثير كوميدي، أو نكتة، أو مزحة، بحيث يصبح العرض المسرحي عبارة عن سلسلة من النكات، التي تجعله أقرب إلى التهريج، الأمر الذي ربما يشير إلى وجود أزمة في الكتابة الكوميدية، أو ربما تغير في أذواق ومزاج المتلقين.

«الخليج»، وضعت سؤال مسرح الكوميديا اللفظية، أمام عدد من المسرحيين الإماراتيين.

اختلاف أذواق

المخرج المسرحي حسن رجب، الذي عرف باشتغاله على الكوميديا، يرى أن جميع أنواع المسرح لها متلقون، والمسرح برأيه مفتوح على جميع الأذواق، لكن عندما يتم بناء عرض على جملة من النكات، فهذا يعتبر استعراضاً، أو فناً مختلفاً، لكنه لن يكون عرضاً مسرحياً، فقيمة العمل في الخشبة تكمن في وجود الحدث، والموضوع، والدراما، والحدوتة.

وذكر رجب أن النكتة يمكن أن تنطوي على فكرة، وتدعم الحدث المسرحي، وهذا الأمر رهين بعملية توظيفها في موضوع العرض، فهي يجب أن تأتي من صلب الموضوع نفسه، لكن وجود مجموعة من النكات، أو «القلش»، أو «الأفيهات» من دون توظيف موضوعي، فهذا يشبه التهريج، وليس العمل المسرحي.

تنفيس

المسرحي المخضرم محمد يوسف، ذكر أن هذا النوع من المسرح، جاء من بعض الدول العربية، وهو يعتمد في الأساس على ما صار يعرف ب«الأفيهات»، و«القلش»، و«النكتة السمجة»، حيث إن كل ممثل من المشاركين في العرض يطرح نكتة، ثم يتيح للآخر أن يرد بأخرى، وهكذا، وهذا النوع يعرف ب«الكوميديا اللفظية» التي لا تنتمي للشكل الفني المطلوب بشدة، وهو كوميديا الموقف، والموضوع.

وعزا د. يوسف انتشار هذا النوع من الكوميديا في بعض البلدان العربية إلى كونه يعد شكلاً من أشكال التنفيس، في ظل الضغوط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في تلك البلدان، فهو شبيه بفن «الجرافيتي»؛ أي الكتابة على الجدران، والحائط، الذي يحتشد بحمولة احتجاجية، غير أن فن الكتابة على الجدران يعتبر فناً راقياً بالمقارنة مع مسرح «الأفيهات» الذي يأتي في كثير من الأحيان خالياً من المضامين، والأفكار، لكنه في ذات الوقت يلقى قبولاً عند البعض، نسبة للمشاكل الكثيرة التي تحيط بالناس في بعض الدول العربية.

وذكر يوسف، أن الكوميديا الراقية ذات المضامين الاحتجاجية، تتجه في بعض الأحيان إلى ما بين السطور، والترميز، من أجل أن تصل رسالتها، وهي تختلف عن كوميديا النكتة التي تتصف بالمباشرة، ولفت أيضاً إلى أن هذا النوع من الكوميديا كان يمارس عبر قنوات «اليوتيوب»، وبعض مواقع التواصل الاجتماعي، وانتقل إلى المسرح من هناك، وفيه الكثير من المواقف والمشاهد المبتذلة، التي تخدش الحياء، والذوق العام، وذلك الأمر يشير إلى أنه ليس كل ما يعرض على «اليوتيوب» والمواقع الافتراضية يصلح للعرض في المسرح.

وأكد يوسف، على أن المسرح هو مرآة المجتمع، والمسرح في الإمارات يكاد يخلو من مثل هذا النوع الكوميدي اللفظي، ذلك لأن المسرح مدعوم بقوة، ولذلك فإن انتشاره في بعض البلدان يشير إلى أن فيها مشاكل اجتماعية، وسياسية، وهي مجتمعات في الأغلب تكون أسيرة الغلاء، وضيق العيش، حيث يسود مثل هذا الشكل الفكاهي الذي يراد منه الترويح، أو «التهوين» على الأنفس.

وأوضح يوسف، أن روح العصر أيضاً، لها تأثير كبير في انتشار المسرح اللفظي، كما أن كثيراً من المجتمعات في العالم، تعيش في ظل التشظي، والفقر، وتبرز مثل هذه الكوميديا في ظل التردي العام الذي تعيشه تلك المجتمعات. 

ثقافة الاستهلاك

الممثل جمعة علي، ذكر أن هذا النوع من الكوميديا لا يعمر كثيراً، فهو أشبه بالموضة، ويعبر عن حالة عابرة، فالكوميديا الحقيقية الراسخة هي تلك التي تقوم على حكاية، وموقف، وأن كوميديا «النكتة»، و«الأفيهات»، منتشرة الآن في الخليج، وتجد بعض الرواج، لكنها لا تنتمي إلى المسرح الراسخ، والنظيف، والرصين، وأسباب انتشارها متعلقة بأسباب عارضة، لذلك هي وقتية، وسوف تنتهي بانتفاء الأسباب التي أدت لوجودها.

وشدد علي، على أهمية المسرح الكوميدي الحقيقي الذي يقوم على الرصانة، فالعروض الفكاهية التي ترسخ عند الناس هي التي تحترم المجتمع، وثقافته، والعائلة، وتدخل البيوت بكل ثقة، لأنها تساهم في التربية، وتقويم السلوك، أما الفكاهة السمجة فهي تدمر، ولا تبني، لذلك نجد أن كثيراً من المسرحيات القديمة التي عرضت في فترة الثمانينات والسبعينات من القرن الماضي، ما زالت راسخة في الأذهان، وتشاهد إلى الآن، ما يدل على أن البقاء بالفعل هو للمحتوى الجيد، الذي يحفز على التفكير، أما المحتوى السيئ، فهو لا يعمر كثيراً، لأنه بلا فكرة من الأساس.

وأوضح علي، أن مثل هذه العروض الكوميدية غير الرصينة، والتي تعتمد على النكتة فقط، هي في غاية السهولة، فعملية البروفات لا تأخذ وقتاً كبيراً، بعكس المسرحيات العميقة التي يحتاج فيها الممثلون والفرقة إلى تدريب مكثف، قد يأخذ أشهراً، وذلك يشير إلى أن هذا النوع الفكاهي الذي يتصف بالسهولة، قد برز كاستجابة لروح العصر الحالي الذي تسود فيه ثقافة الاستهلاك.

ولفت علي، إلى أن انتشار الكوميديا اللفظية يشير إلى وجود أزمة حقيقية عند كتاب الكوميديا على مستوى العالم العربي،الأمر الذي سمح بتمرير مثل تلك الفكاهة السطحية، مؤكداً في الوقت نفسه أن الإمارات تحتضن الكثير من الكتاب المميزين على مستوى المسرح بصورة عامة، والكوميديا بشكل خاص، ممن استطاعوا تقديم السهل الممتنع، وخلق فكاهة تقوم على المضامين الفكرية، والجمالية، الأمر الذي حصّن المسرح الإماراتي من الانتشار الكبير لمثل هذه السطحية اللفظية، والخالية من المضمون.

الشارقة: علاء الدين محمود

المصدر: صحيفة الخليج الاماراتية

https://www.alkhaleej.ae

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح