أخبار عاجلة

الكرنفال وسياسات الخارج: عن “أناركيّة” الفعل الثقافي و”سلطوية” الداخل/ مهرجان الحمامات الدولي أنموذجا حاتم التليلي/ تونس

 

 

الكرنفال وسياسات الخارج: عن “أناركيّة” الفعل الثقافي و”سلطوية” الداخل/ مهرجان الحمامات الدولي أنموذجا

حاتم التليلي/ تونس

سيبدو الكرنفال من جهة تعريفه، بصفته سلوك احتفاليّ يجد اشتغاله عادة في الساحات والأفضية المفتوحة مقارنة بفنون عديدة كالمسرح والسينما والموسيقى بصفتها غالبا ما تُمَوْضَعُ في قاعات مغلقة، ضرب من ضروب الممارسة “الأناركيّة” التي تمارسها الشعوب خارج “حريم الصالونات” أين تشتغل عادة تلك الفنون حيث تمّت زراعة نوع من “التفكير السلطويّ” في أذهان شريحة أخرى أو طبقة اجتماعيّة معيّنة. وعلينا أن ننتبه إلى أنّ المسرح مثلا تمّ تشغيله سياسيّا وبدرجة أقلّ جماليّا منذ قدم القديم ليرفع من الساحات العامّة بصفته تعبيرات أسطورية وأشكال فرجويّة إلى أفضيّة مغلقة على يد الأرستقراطية ليتخذ صفة ثانية وجدت عمليّة تقنينها وعقلتها مع السياسيين والفلاسفة وغيرهم من الشعراء الغابرين، ومن ثمّة ابتدع له جيش من الأجهزة المفهوميّة. أمّا إذا قرأنا ذلك من زاوية سياسيّة محض، فسيمكننا – تأويليّا- القول بأنّه صار فريسة وطريدة سهلة في أفواه طبقة اجتماعية على حساب طبقة أخرى، وهي في الأغلب تمثّل عامّة الناس، الأولى تمسك بزمام الفنّ وتروّضه بينما تزرع بعضا من المسكّنات إلى جمهوره أو هي فيما بعد تقدّم نفسها على أساس أنّها معلّمة ذلك الجمهور والأقرب إليه بدافع استنبات الوعي وتثويره، وهذا سلوك سياسيّ سلطويّ، أمّا الثانيّة فهي تقيم خارج هذه المعادلة برمّتها، إذ همّها الوحيد الاقامة في تخوم كيانها الغضبيّ المحض خارج حدود التقنين والخرائط المرسومة لها سلفا، لذلك هي تجد في الكرنفال نوع من الحرية المطلقة في التعبير عن مكبوتاتها فتحتفل في أزمنته دون نظم كما يحقّ لها أن تشطب زمن اشتغاله كلّ ما له صلة بذهنيّة “التحريم” المحدّدة سلفا من قبل الأنظمة المجتمعية لا ثقافاتها وعاداتها وخصوصيتها.

بهذا الشكل، سيحقّ لنا نوع من التساؤل عن ما اذا ثمّة مشترك بين الكرنفال وأفضيته المفتوحة وبين عروض فنّية أخرى لا يمكنها الاشتغال إلا من حيث حضورها في فضاء مغلق؟ من الممكن جدّا وصف الكرنفال بأنّه يفتقد إلى الخصوصيّة التي تحفل بها تلك الفنون، وهذا جائز جدّا، إذ هو نوع من الاحتفال الجماهيريّ. أمّا أن نستبدل أجهزة مداراتنا بالنظر إلى هذا الأمر من زاوية أنطولوجيّة وسياسيّة، فسيحقّ لنا البحث مقارنيّا في مدى نجاعة كلّ منهما على مستوى المحصلة الانسانيّة وحاجتها اليوم في تمعينها العالم وفي اطار غوائل بحثها أو اقترابها إلى نوع من الاحساس بالمواطنة إذ لا ينكر أحد أنّها تحيا الآن على شفا جرف هارّ من الجنون غذّته نزاعات الأصوليات المعاصرة والحروب وتداعي القيم ونشأة كلّ ما له علاقة بالوجه الحيواني/المتوحش فينا: إنّها علامة فارقة في هذا الوجود أن يكون المرء لا انسانيا بإطلاق أو هو كائن عدميّ محض وفريسة المهدويين الدجالين؟

بإزاء هكذا أمر، سيمكننا شطب تلك الأسئلة النظريّة التي طرحناها سلفا برمّتها، إذ ما الحاجة إليها وكلّ الاجابات موجودة في الكتب والسرديات القديمة وبحوث النقاد والأكادميين؟ وبدل ذلك، أليس من الأفضل أن نتساءل في ضوء واقعنا يا صاحبي عن كيفيّة تشغيل المهرجانات الثقافيّة التي تعدّ المتنفّس الأخير في بلداننا وبوصفها الوحيدة التي باتت تعطينا مشروعيّة “إعادة هندسة العقول” و”تهذيب الأرواح” بعد أن نجح السياسيّ في خصي البعد الانسانيّ فينا؟ وكيف نجعل من تلك المهرجانات معادلة ناجعة يمكنها ردم الفكر الرّجعي والأصوليّ – سلفيّ كان أم محض استحداث ماضويّ-، هذا الذي يتحرّك بأقدام من فولاذ كي يجعل من تلك الجماهير التي يفترض بها أن تكون “أناركيّة السلوك” تجاه كلّ سلطة لا همّ لها غير رفع رؤوس النّاس فوق البنادق أو هي تشرّع لنحر الرّقاب وتحنّ إلى عصور “حداء الابل”؟

أنت حتما يا صاحبي ستتهمنا بالمثاليّة حين نطرح أسئلة من هذا القبيل !، ولكن دعنا نتّفق أوّلا: إنّ سلوكك ذلك ينمّ عن يأس وغياب للارادة، كما ينمّ عن ألم عظيم أنت تعيشه بعد تراكم الخيبات في وطنك وصار كلّ شيء بلا معنى. ودعنا نتّفق ثانيّا: أليس من الأجدر بنا البحث عن نقطة ضوء لهذه الأسئلة بدل عجزنا المرّ؟

يمكنك يا صاحبي الاقتراب الآن بشيء من الموضوعيّة وأنت تلحظ بداية اشتغال فعاليات مهرجان الحمامات الدولي في دورته الثالثة والخمسين، ولن أدعوك في هذا الاطار إلى تمجيده أو هجاءه، ولكن سأدعوك إلى التساؤل معي، علّنا نجد في متونه لحما غضّا وطريّا عواء الحيوان الجائع فينا. وعلينا أن ننظر الآن لا إلى تلك العروض المبرمجة داخل المسرح المخصّص لها بوصفه بناية تحيط بها الأسوار، فهي تخضع في نهاية المطاف إلى سياسات جماليّة وأخرى محدّدة سلفا منذ قدم القديم ككلّ المهرجانات لتكون كذلك، وهي على قدر أهميتها تمنحك الحقّ في التساؤل عن شريحة ما من الجماهير تعجز عن الدخول لمواكبتها لأسباب مادية خالصة. إنّ مشروعيّة تساؤلك يا صاحبي تنشأ من ذلك التعاطف مع تلك الشرائح، وهذا هو بيت القصيد: إذ ما مصيرها وهي التي تحيا خارج الفعل الثقافيّ حتّى أنّها قد تعترض في طريقها أولئك المهدويين والدجّالين فيكون من اليسير جدّا وقوعها في شراك الخرافة وفخاخها؟

أنت الآن مدعوّ إلى النظر في فعاليات هذا المهرجان من جهة التركيز على مجمل العروض التي ستقوم في ساحات المدينة وأحوازها، بوصفها عنوان الكرنفال، وبوصفها نوع من الاقامة في صلب الجماهير وتشريك لهم في صياغة حدثه الفرجوية بما للفرجة من وظائف سياسيّة واجتماعية، وهذا سلوك ينمّ على تحريض لهم كي تكون ثمّة مستقبلا نوع من الحياة الثقافيّة الدائمة لا الموسمية فحسب، كما ينمّ على تحريض لهم بالتساؤل عن ما إذا كان ثمّة وعي مواطنيّ لهم. وهذا يا صاحبي لا يدعوك إلى اليأس بقدر ما يحرّضك على ضرورة المراكمة إلى ذلك، فأن يتعوّد انسان ما على الفعل الثقافيّ وتشريكه في صنعه ليس بالأمر الهيّن، ولكنّه يفتح أفقا مستقبليا نحو إعادة بناء تركيبته النفسية والفكرية ما يؤهّله للنجاة من جلّ الأفكار العدميّة: ثمّة إذن مواجهة يخوضها الكرنفال ضدّ سلطويّة السائد السياسي والإيديولوجي، وثمّة مراكمة نحو إعادة استنبات الفرد المواطنيّ الفاعل لا العدميّ، أمّا أن نشترك في البؤس ورشق بعضنا البعض بتهم واهيّة فهذا عنوان تغييب المشترك بينا وتغييب البحث عن المشترك بين سياسات الكرنفال ونجاعته وسياسيات الفنّ بوصفه أسير الفضاء المغلق: وأن نقبض على هذا المشترك فهذا يعني حتما أنّنا نخرج من حالة النزاع والتصادم والهدم إلى حالة أهمّ، إنّنا بذلك قادرون على “هشاشة العالم” والمستقبل.

سيمكنك الآن يا صاحبي المزيد من التهكّم، إذ سيكون من حقّك طبعا رمينا بباقة من الشوك كعلامة جذريّة على الاحباط، ولكنّنا نعدك أنّ هذه ورقة أولى من بعدها سنسلّط الضوء على جلّ الكرنفالات وما تضمنته من عروض احتفالية معيّة تلك الجماهير القاطنة خارج الأسوار، ومن ثمّة سيحقّ لنا التساؤل جميعا عن مدى نجاعة ذلك: رغم تهكّمك، أنت مدعو إلى التفكير دائما يا صاحبي !

 

 

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.