القراءة الإخراجيَّة لثيمة الجنون في المسرح العراقي المعاصر – د.سعد عزيز عبدالصاحب

اهتمت القراءة الإبداعية المسرحية بقصة العنبر رقم 6 لـ (تشيخوف) من دون سردياته الأخرى وأخذت حصة وافرة من عمليات التحويل واعادة التوليف والتكييف من الجنس السردي الى الدرامي؛ لما احتوته هذه السردية من جدل وحجاج فلسفي عميق ووجهة نظر للوجود الانساني في بيئة غير انسانية، وفكريا استطاعت أن تقدم نسقا اشكاليا لطبيعة العلاقة بين المادي والروحي من جهة، وتقويضا لسلطة المركز (المصحة/ الدولة) وإدانتها من جهة أخرى بوصفها مكانا لانحطاط العالم لا للاستشفاء غنما لسحق كرامة الانسان وتحقيره في ضوء العلاقة الدراماتيكية بين الطبيب (اندريه) والمريض النفسي (ايفان).
وبوصف  المكان/ العنبر هو مركز (التبئير) لدى أغلب القراءات الإخراجية للسردية التشيخوفية الذي هو كناية واستعارة للمكان العراقي الملتهب، فضلا عن توافر النسق الحواري المكثف والرشيق والتعددية البوليفونية لشخوص السرد وتحولات الصوت السردي فيها من الراوي العليم (الأنا) الى (الهو)، كل هذه السمات أغرت المسرحي المحلي في ان يتعرض لها ويتناص معها.. فكان التقديم الاول بفواعل المخرج والمؤلف المسرحي (بدري حسون فريد) (1927 ـ 2017) الذي قدم مسرحية ردهة رقم 6 عام  1994 بتعالق المستويين السردي والدرامي من منظور تشكيلي، إذ قسم خشبة المسرح الى منطقتين الاولى ردهة المرضى مع حارسهم (نيكيتا) وهي منطقة ديناميكية مليئة بالحركة والتشكيلات البصرية اشبه بمساحة وعي ديونسيوسية فيها نرى ونسمع اغلب العواطف الانسانية من ألم وبكاء وبهجة.. والثانية غرفة الطبيب (اندريه) والمريض (ايفان)، حيث الحوار والجدل (الابولوني) العقلي الهادئ بأبهى صوره وتجلياته، تداخل نص العرض بقوة مع السردية التشيخوفية وقام الصراع الفكري على أشده بين الطبيب ومريضه ومثلهما (ياسين اسماعيل) و(حكيم جاسم) بأسلوب الواقعية النفسية في الاداء التمثيلي التقمصي التي انتهجها (بدري حسون فريد) في التعامل مع ممثليه مع تفجير الفعل العضلي الفنتازي لدى جوقة المرضى وحارسهم (نيكيتا) مثله (احمد شرجي)، عرضت المسرحية لثلاثة ايام متواصلة على مسرح اكاديمية الفنون في بغداد وحازت اعجابا واسعا لدى من شاهدها ولم يعدْعرضها إذ غادر مخرجها الى المهجر، والمسرحية الثانية كانت مسرحية (مسافر زاده الخيال) إعداد وتوليف (عواطف نعيم) وإخراج (عزيز خيون)، اذ عملت المعدة على انتاج نسق نصي جديد لا يذهب الى شخوص القصة بشكل مباشر انما اعتمدت العنونة التعبيرية بأسماء (الصغير) (النحيف) (المجنونة) (الحارس) (المدير) (العمدة)، واعطت مساحة للمونولوج الذاتي (الهذياني) على حساب (الديالوج) إيمانا منها بأن التعبير عن بنية الجنون لا يستقيم الا بتمظهره عن طريق تقانات (البوح) والاعتراف والانفتاح على انثيالات اللاشعور وخزين اللاوعي، مبتكرة لشبكة علاقات جديدة ثيمتها المركزية تقويض طبقات السلطة الفاسدة وبنيتها العميقة بتصوير علاقات المدير والعمدة والحارس وانتهازيتهم مع نزلاء العنبر، فالحارس يسرق الدواء من المذخر ليبيعه خارج المصحة ويستبيح المرضى جنسيا، واضافت المعدة صوت المرأة المجنونة وشخصية الجنرال (النحيف) الذي يبحث دائما عن عصا التبختر ليتوازن نفسيا، في حين عمل المخرج (عزيز خيون) على فرضية المكان الخالي إلا من أسرة خشبية متحركة وميزانسين الحركة الواسع للممثلين الذين تبدّوا بأداءات تمثيلية اندماجية تارة وتقديمية مباشرة تارة اخرى، لم تعرض المسرحية في بغداد للجمهور انما عرضت كجنرال بروفة وذهبت للعرض في مهرجان المسرح الاردني في عمان عام 2000، ولم يتح لها العرض مرة أخرى داخل البلاد، والتجربة الثالثة التي تناصت مع سردية العنبر رقم 6 مسرحية (تقاسيم على الحياة) تأليف وإخراج (جواد الاسدي) ولا أدري الى اليوم لِمَ لَمْ يُشر الاسدي في فولدر العرض الى مرجعية نصه الجديد والاشارة لسردية الكاتب الروسي، في 
حين كان هو الاكثر تعالقا وتناصا مع السردية آنفة الذكر من التجارب السابقة فقد عنونت شخوص مسرحيته باسماء القصة التشيخوفية نفسها (ايفان) (ايغوركا) الطبيب (اندريه) الطبيب (خوبوتوف) مستعينا بسردية (الحوذي) لـ(تشيخوف)، ايضا مستلا منها شخصية الممثل (ميخائيلوف) فضلا عن بعض التشابه في شبكة العلاقات بين الشخصيات وحبكتها بين النصين، فمسار شخصية الطبيب (اندريه) وتحولاتها من طبيب داخل المشفى الى نزيل يلبس ملابس المرضى في العنبر نهاية المسرحية هي نفسها في سردية (تشيخوف) بل ان بعض الديالوجات مستلة بقضها وقضيضها من القصة نفسها، أعني تلك التي بين (ايفان) والطبيب (اندريه) في استعراض فكرة الالم، عموما هذا لا يثلم من جمالية العرض وحضوره الجارف إخراجا وأداءً تمثيليا وتقنيات، اذ حول (الاسدي) المواضعة الايقونية التقليدية للمصحة على المستوى البصري والتي تقترن في الوعي الجمعي بالملابس البيضاء للاطباء والاسرة والبطانيات الى مكان رطب تحيطه البوابات الحديدية المائلة، مكان خانق، ضاغط محتدم.. تلعب فيه جوقة المرضى داخل المصحة/ السجن دورا اساسيا في تغيير الايقاع البصري والسمعي للعرض وابتكاره لبنية مشهدية أقرب لتقنية مسرح داخل مسرح مما اتاح لقاعة المشاهدين ان تنضم لخشبة المسرح بوصف المكان مصحة كبرى، المجانين فيه هم العقلاء وذوو الألباب، قدم العرض 
على فضاء منتدى المسرح في بغداد عام 2019 وعرض في تونس والقاهرة، ومن المهم ذكر مسرحية (ايام الجنون والعسل) عن سردية بالاسم نفسه للاديب والمفكر الراحل (خضير ميري) أعدها للمسرح وأخرجها شيخ المسرحيين الراحل (سامي عبد الحميد) والعرض أشبه بسيرة ذاتية لنزيل مصحة نفسية ادعى الجنون للخلاص من الحرب وواقعها الدموي واخذ يعيش ازدواجية مريرة داخل الذات. 
د.سعد عزيز عبدالصاحب
https://alsabaah.iq/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح