أخبار عاجلة

الفنان وليد عوني يعود إلى التاريخ الفرعوني ليحاكم الواقع – يسري حسان #مصر

     ليس أكثر غموضاً وإثارة للجدل في التاريخ المصري القديم، من شخصية إخناتون، هذا الملك الفرعوني الذي حكم مصر حوالى سبعة عشر عاماً، وتوفي في العام 1336 ق.م تقريباً، وكان اسمه أمنحوتب الرابع، ثم غيَّره في العام الرابع، أو الخامس، من حكمه، إلى إخناتون، أي الروح الحية لـ “آتون”.

هذا الملك هناك مَن يعتبره أول الموحدين في مصر، وأكثر الملوك رقة وشاعرية وحكمة، مستشهداً بأناشيده وترانيمه التي وصف فيها “آتون” بكلية القدرة وتجاوز كل الصفات، وهناك مَن يعتبره فرعوناً مارقاً فرَض الدين بقوة سطوته لا بالتبشير، كما يرى دونالد ريدفورد في كتابه “الفرعون المارق”، أو كما يرى بريستيد في كتابه “فجر الضمير”، حيث أشار إلى مدى القمع الديني الذي مارسَه إخناتون ضد أي عبادة غير عبادة “آتون”.

في عرضه المسرحي الجديد “إخناتون… غبار النور” الذي يقدمه على المسرح الكبير في دار الأوبرا المصرية من خلال فرقة الرقص المسرحي الحديث، انحاز المخرج اللبناني وليد عوني إلى الرأي الأول الذي اعتبر إخناتون شخصية استثنائية وكياناً فكرياً أراد أن تتحول المادة إلى روح للذهاب بالإنسان إلى مستوى أرفع، وكيف أن مأساته تمثَّلت في صراع الكهنة ضده، حيث تتعدد آلهتهم، بينما ذهب هو إلى اتجاه التوحيد فعاش في العذاب.

سعى وليد عوني إلى فك رموز الحالة الفكرية التي تجلى بها إخناتون، مصوراً الصراع بأنه صراع نفسي وروحي للدفاع عن الشمس والنور، وكيف أن الصراع أفضى إلى تدمير مدينة الشمس “تل العمارنة” وتشرد شعبها ونزوحه من البلاد.

الرؤية جمالياً

بالتأكيد نحن هنا لسنا بصدد تقديم حكاية تاريخية مُختلَف حولها، وبالتأكيد كذلك فإن تبني وليد عوني للرؤية التي قدَّم بها عرضه لم يكن مجانياً، بل إن الضرورة هي التي فرضته، ومهما كان الاختلاف حول الشخصية، فإن الفيصل هنا للجمالي لا الفكري، كيف صاغ المخرج رؤيته جمالياً، وكيف استطاع، من خلال الرقص، التعبير عن أفكار وتطلعات وصراعات الشخصية التي يقدمها.

تأتي الضرورة هنا من رغبة المخرج في الربط بين ما هو آني وما هو تاريخي أو ماضي، فهناك لا شك خيطٌ ممتد بينهما، فحسب عوني نحن نعيش عصر النهايات وعصر النزوح الدائم لشعوب عدة في الشرق الأوسط، وأصبح اللاجئون منتشرين في أرجاء الأرض، ولم يبق أمامنا، سوى أن نفخر بتراثنا وحضارتنا التي ألهمت العالم بحكمتها وعلمها وثقافتها.

وإذا كنا نحن ننحدر نحو الفوضى والهاوية، فإخناتون- بحسب المخرج- أدرك منذ ثلاثة آلاف عام أن البشرية ذاهبة لا محالة إلى الفوضى والدمار، فأنشأ مدينة للكمال والدين الموحد، وانطلق لقداسة مظاهر الحياة كلها في رزانة وطهارة.

إخناتون معاصراً

يبدأ المشهد الافتتاحي بظهور إخناتون ثم ينزع عنه آخرون التاج الملكي والملابس التاريخية ليتحول إلى شخص عصري وسط عشرات ممن يمثلون النازحين مِن بلادهم حاملين ما استطاعوا حمله من أمتعة، وكأنه يذكرنا، منذ البداية، بأن ذهابه للتاريخ ليس مجانياً، وأن تمسكنا بغبار النور، أي بقاياه، هو أكثر ما يمكننا عملُه هنا والآن في لحظتنا التاريخية المرتبكة والمرعبة.

بدا الأمر وكأن التاريخ يعيد نفسه، فإذا كان شعب إخناتون قد تشرَّد وهُدمت مدينته نتيجة الصراع بين قوى الخير- بحسب تصور المخرج- وبين قوى الشر، فإن شعوبنا تلقى المصير نفسه للأسباب نفسها، وإن اختلفت الآلية.

تعمد وليد عوني، في لمحة ذكية، أن يمضي النازحون في حركة دائرية، الحركة نفسها التي ستغلب على كثير مِن الرقصات في ما بعد، تحمل أكثر من دلالة، فهي من ناحية تشير إلى فكرة العودة التاريخية، أو الدائرة المغلقة التي لا تنفتح على أي أفق جديد، ومن ناحية أخرى ترمز إلى قرص الشمس الدائري الذي بدا مسيطراً على أجواء العرض، سواء مِن خلال الحركة أو مِن خلال مساقط الضوء الأفقية التي تصور أشعة الشمس في قوتها وإشراقها واحتدامها.

تأملات وصراعات

ومن المشهد الافتتاحي، الذي ضمَّ أيضاً ممثلاً (أحمد أبو موسى) يرتدي الملابس العصرية ويجسد روح إخناتون، ينتقل المخرج إلى مجموعة من المشاهد المرسومة بعناية لتجسيد إخناتون في تأملاته وصراعاته مع الكهنة، بينما ينسحب مجسِدُ روح إخناتون إلى مقدمة المسرح ليصبح خارج الكادر تماماً، مكتفياً بترديد أناشيد وترانيم إخناتون التي تماست مع المشَاهد الراقصة، ولم تكن مجرد حِلية، بل أسهمت في توصيل مغزى المشَاهد الراقصة التي استعان المخرج في تنفيذها بمختارات من الموسيقى العالمية والشرقية، بحسب طبيعة المشهد.
وعبر المشاهد الراقصة التي تسلم كل منها إلى الأخرى بانسيابية بالغة وتوافق متقن يعبر عن القدرات غير المحدودة للراقصين في تطويع أجسادهم بشكل يؤدي معنى ما أو مغزى ما، يمكن للمشاهد أن يتلمس فكرة المخرج بواسطة هذه التشكلات الجمالية المكونة من حركة وموسيقى وضوء.

في المشهد قبل الختامي يحتدم الصراع بين إخناتون وكهنة آمون، وهو مشهد أكثر حركة ودينامية، يصور، بإيقاع لاهث، الانقلاب على إخناتون وتهدم مدينته، ثم صعود روحه إلى السماء مكفَّنة بالأحمر دلالة على دموية الصراع، يعقبه المشهد الختامي وهو نفسه المشهد الأول، وكأن الدائرة أغلقت على ما كانت عليه، وكأن حتى غبار النور قد تبدَّد، وهو ما عبَّر عوني عنه بتجسيد لقطة شهيرة هزَّت العالم كله، وهي لقطة الطفل السوري “إيلان” الذي لفظه البحر بعد أن غرق قارب الهجرة الذي كان يحمله وأهله إلى المجهول.

بقدر شاعرية العرض وإشراق صورته، بقدر قسوته وعنفه في مشهد الختام، وكأنه ينزل بمطرقة فوق رؤوس المشاهدين ليذكرهم بالوضع المأساوي الذي صرنا عليه نتيجة الصراعات التي أخرجتنا من النور إلى الظلمة، من ألق الحضارة ونعومتها إلى الانطفاء والخشونة والموات التام.

ديكورات بسيطة

اكتفى وليد عوني بديكورات بسيطة في عمق المسرح تصور ما يشبه المدينة الأثرية المهدَّمة، واستخدم شاشتي عرض في الخلفية لتقديم بعض المشاهد السينمائية التي تتماس مع العرض، كما استخدم تقنية “الفيديو مابينغ” في تشكيل الفضاء المسرحي وتصوير المعابد والنقوش الفرعونية، فضلاً عن استخدامه ما يشبه الأهرامات الأسطوانية التي تعتمد فكرة الدائرة هي الأخرى، وكان ذكياً في مشهد تهدم المدينة وتحطيم آثارها حيث حملت القطع الدائرية التي شكَّل منها أهراماته، مرايا في خلفيتها، وكأنه يدفع المُشاهِد إلى تأمل صورته الآن من خلال تلك القطع التي تهدَّمت بعد أن كانت أبنية شامخة، نتيجة الصراع الذي حدث، كأن الدمار يلاحقنا، يقتلنا التعصب ويشردنا، منذ دمار “تل العمارنة” مدينة إخناتون، وحتى الآن. وإذا كان الأقدمون قد ركبوا مراكب الشمس صعوداً إلى النور، فإننا نركب مراكب النزوح في البحار ونموت فيها.
شارك في العرض أعضاء فرقة الرقص المسرحي الحديث: علي يسري (إخناتون)، رشا الوكيل (الملكة تي)، عمرو بطريق (أمنحتب الثالث)، محمد سيد (آمون)، محمد مصطفى (كبير الكهنة)، منت محمود (نفرتيتي)، أحمد محمود، محمد منصور، محمد سمير، باهي هشام، في أدوار الأمراء، وندى سيد، هالة إمام، نيرمين محمد، وردة، في أدوار الأميرات، ومصطفى نصار، كريم علي، إسلام تاكي، مختار الديناري، حسن علي، كريم إبراهيم، محمد حسن، أحمد مجدي في أدوار الكهنة، بالإضافة إلى المخرجين أحمد أبو موسى، ومحمود مصطفى.

عرض “إخناتون… غبار النور”، الذي يمكن أن تتعدد قراءاته وتأويلاته، جاء بليغاً في جمالياته ورؤيته، ممتعاً على مستوى الصورة، وإنتاج المعنى، استطاع في حدود سبعين دقيقة فقط، وباعتماده على الرقص والموسيقى والترانيم والضوء، أن يقبض، من خلال التاريخ، ومن دون خطابات إنشائية، على حالتنا هنا والآن لعلنا نستطيع مجدداً الإمساك بالنور حتى لو كان في رمقِه الأخير، مجرد غيار.

يسري حسان – مصر

(أندبندنت عربية)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح