الفنان المخرج غنام غنام عن رائعته المسرحية سأموت في المنفى/حاوره عبد العليم البناء

 

 

المصدر / محمد سامي موقع الخشبة

تنفرد بإجراء أول حوار معه لصحيفة عراقية عن رائعته المسرحية (سأموت في المنفى)
المخرج غنام غنام : في هذا العرض أقدم مرافعة تنعش أرواح الناس وتخيف الأعداء
*هذه هويتي المسرحية والفكرية والسياسية هذا ما يجب أن يكون لأكون جديراً بكوني فناناً فلسطينياً عربياً
*أنا ابن الفرجة المسرحية / الفرجة الشعبية/ الحلقة/ الجلسة من عام 1992 وابن (مسرح لكل الناس)
*المعالجة الدرامية خرجت بالنص من (سردية أدبية) إلى (سردية مسرحية تتواشج مع الفعل الدرامي)
قدم الفنان الفلسطيني غنام غنام مؤخرا وفي أكثر من بلد وقاعة مسرحيته المونودرامية المثيرة للجدل بعنوان “سأموت في المنفى”، وكانت من تأليفه وإخراجه وأدائه ، وتميز العرض بعدم اعتماده على تقنيات المسرح التقليدية، بل فقط على أداء الممثل بمرافقة كرسي متعدد التحولات، دون استخدام إضاءة أو صوتيات أو منصة للمسرح. وقدم غنام خلال العرض جوانبا من حكايته الشخصية وحكايات والده واخوته بالتوازي مع التاريخ الفلسطيني، والأسئلة المربكة عاطفيا التي تسببت بها نكبة فلسطين تجاه مصطلحات الإنسان الذي يعيش في المنفى، معتبراً نفسه “بدل فاقد” للإنسان الذي كان يجب أن يعيش حياة عادية على أرضه .الفنان والكاتب والمخرج غنام صابر غنام المولود في اريحا عام 1955 ،عضو نقابة الفنانين الأردنيين شعبة الإخراج ، ورابطة الكتاب الأردنيين ، والاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب ،وعضو مؤسس في الهيئة العربية للمسرح / المقرر للمجلس التنفيذي الأول ، ورئيس مكتب الأردن/ الهيئة العربية للمسرح ، وعضو مؤسس في فرقة المسرح الحر، ورابطة مسرح بلا حدود – رماح ،ولديه مؤلفات وبحوث ودراسات أدبية ومسرحية عدة ،وسبق أن قدم العديد من الاعمال المسرحية ممثلا ومؤلفا ومخرجا ،إضافة لتأليف الأعمال التلفزيونية الدرامية والوثائقية ، وحاصل على جوائز عدة في التأليف والإخراج والسينوغرافيا ، ومن أشهر اعماله جماهيريا مونودراما (عائد من حيفا) ، المأخوذة عن رائعة الراحل غسان كنفاني ، ويشغل الان منصب مسؤول الاعلام والنشر في الهيئة العربية للمسرح في الشارقة. معه كانت هذه الجولة من الحوار الذي يجرى للمرة الأولى في الصحافة العراقية، وانفردت به جريدة (المواطن) العراقية ، وتوقف عند الابعاد الفكرية والجمالية والإنسانية والوطنية والفنية ،لمسرحيته (سأموت في المنفى) التي انتجت ردود أفعال مهمة شكلاً ومضموناً:
*ما الذي تنطوي عليه المسرحية من فكرة أساسية وكيف تمت معالجتها دراميا ؟
– تنطوي المسرحية على تقديم جوانب من السجل العائلي والشخصي والتي تمثل إنموذجاً لمعاناة الفلسطينيين الذين شردوا وهجروا من بلادهم إلى المنافي إضافة إلى المسارات السياسية التي حاولت طمس الهوية الفلسطينية، وتقع هذه السجلات في الفترة من 1920 وحتى اللحظة التي يتم فيها العرض. وكما تلاحظ أنها سيرة أناس عاديين كما يبدو للوهلة الأولى ، لكنك تكتشف حجم المعاناة والبطولة التي يمثلها هؤلاء العاديون في سجل القضية الفلسطينية، هذه السجلات التي تسردها البيانات السياسية لا الاتفاقات، إنها سجلات الأسئلة الوجودية و المصيرية، والتي اعتادها الإنسان، لذا لم تعد تبدو له بهذا العمق، لكن عندما تراها خلال المسرحية تكتشفها مجددا وتعيد ترتيبها، وتعيد كتابتها على سجلك الشخصي، وتتحسس رأسك وهويتك، ترى مكان موتك وما سيكتب على شاهدة قبرك. إن تحويل السجل الشخصي إلى شأن عام و موضوع لعمل مسرحي، قد أخذ مني وقتاً من الإنضاج يصل إلى سنوات من 2011 إلى 2016، والعمل على الفعل المسرحي و الأداء والإخراج استمر سبعة أشهر، لكي أتطهر من الألم الذي يسببه العمل على السجل الشخصي، ولكي أصبح مصباحاً يضيء سجل المشاهد الشخصي (سواء) كان هذا المشاهد فلسطينياً أم غير فلسطيني، عالي التعليم والثقافة أم بسيطاً عادياً، من أصحاب التجربة الثورية أم من أؤلئك الذين خافوا العمل الثوري والسياسي وتجنبوه. إن المعالجة الدرامية خرجت بالنص من (سردية أدبية) إلى (سردية مسرحية، تتواشج مع الفعل الدرامي) في تقاطع وتواز وتماهٍ وتكامل ضمن انتقالات مدروسة من صيغة المخاطب، إلى صيغة المتكلم، إلى صيغة نائب الفاعل، إلى صيغة الحكواتي الراوي، وهنا استعير من اللغة والقواعد والنحو تسميات لحالات وتحولات البناء الدرامي.
*لو توقفنا عند الاسم (سأموت في المنفى) الذي يحمل ربما اكثر من دلالة لعل أبرزها نبوءة استحالة العودة الى فلسطينك الأرض والجذر والهوية..
-عندما أعلنت في مطلع 2016 أنني سأبدأ العمل على مونودراما (سأموت في المنفى – بدل فاقد) وردتني رسائل كثيرة من الأصدقاء و الأهل وهم يعلنون أن العنوان صادم، وفيه من اليأس الذي لا يليق بي، و أنه فأل شؤم على أننا لن نعود لفلسطين، وكان جوابي بشيء من المداعبة الساخرة : حسنا سأغير الإسم إلى سأعيش في المنفى.. وحينها كنت أعلم أن المفارقة تصدمهم أكثر، فالعيش في المنفى أكثر ألماً من الموت في المنفى، وهو ليس تشاؤماً من العودة، بل هي حقيقة لأن مشوار العودة طويل، وطريقها صعب، ولكن هذا لا يعني أن لا (أدق جدران الخزان) كما أراد كنفاني في رجال في الشمس، أنا بهذه الصرخة أتحدث عن الحياة، حياة من ماتوا، حياة من ما زالوا على قيد الأمل بالعودة… لذا فإن المشهد الأخير في العمل هو مشهد جنازتي المفترضة.. وهو مشهد ساخر بامتياز، وأختمه بسؤال صادم مجدداً (عندما أموت.. من الذي يموت فعلاً، غنام بدل الفاقد، وإلا غنام الأصلي؟) بالمناسبة فإنني أفتح المجال أمام المشاهد ليقول حكايته بعد أن أنتهي من العرض، أي أتحول لمشاهد، فيما يصبح المشاهد هو اللاعب المؤدي.. وقد سرد المشاهدون في معظم العرض صفحات من دفاتر كانت مخبأة في صدورهم.
*اذا كان الامر كذلك فما الذي دعاك لجعلها من نوع المونودراما ؟
– إن اختيارات العرض الفنية والتقنية تنبع بداية من تفاعل المخرج مع النص، دعني أؤكد أن غنام المخرج يتعامل بعقلية أخرى منفصلة عن غنام المؤلف (شيزوفرينيا إيجابية) وحيث أن النص الأصلي كان سرد تداعيات، فقد ذهب غنام الكاتب المسرحي لتحويله إلى نص مونودرامي، وحين تناول غنام المخرج النص وبدأ العمل عليه إخراجياً، غير وبدل وقدم وأخر وأزال وأضاف، وبعد تمرين ستة أشهر تقريباً كانت الخطة التي عمل عليها غنام المخرج والتي تتضمن التصور السينوغرافي الذي يحتوي على قطع ديكور وإكسسوار ومؤثرات وموسيقى وخطة إضاءة، كلها تتغير و تتبدل وتسقط كل المتطلبات التقنية والديكورات والاكسسوارات، كلها انتفت فنياً، لأن العمل فرض أن يكون متخففاً من كل ذلك لذلك قلت في وقت سبق ظهور العمل أنه (عرض ببعدين) (2D ) البعد الأول (اللاعب والمتلقي) والبعد الثاني (الحكاية) وهي حكاية الجميع، وأشير إلى الشيء الذي لم يتغير حتى حينه هو أن العرض يقدم في حلقة أو جلوس يحيط باللاعب سواء كان دائرياً أم مضلعاً، حسب الفضاء الذي لن يكون (خشبة مسرح).عند اقتراب العرض من انتهاء تدريباته، صرت أحس في التمارين أن هناك شخصية أخرى (و هي شخصية حقيقية مثل شخصيتي) ألا وهو واحد من أبنائي في المسرح (سليمان زواهرة) هذه الشخصية صارت تتواجد في مخيلتي أثناء التمرين، وهو أحد شركاء بعض الأحداث التي تقوم عليها المسرحية أصلاً، كان يظهر لي دون سواه، فقررت وقد أنهيت تجهيز المونودراما أن أجهز نسخة أخرى هي الدويتو دراما، و قد قطعنا مشواراً فيها، و ستكون جاهزة أيضاً ، حيث يمكن لي أن أقدم أي الصيغتين على حد سواء.
* جمعت بين التأليف والتمثيل والإخراج فلم تكن لك خيارات أخرى ما السر في ذلك؟
– من قال بأنه لم يكن لدي خيارات أخرى؟ دوماً هناك خيارات متاحة، كأن تأتي بممثل ليلعب الدور، أو تتفق مع مخرج ليقوم بالإخراج، لكن أن أختار كوني مؤلفاً ومخرجاً ولاعباً فهو خيار فني تماماً، وبالمناسبة كثيراً ما كنت ممثلاً لنصوصي، وكثيراً ما كنت ممثلاً ومخرجا لأعمالي سواء من تأليفي أو من تأليف غيري، وأذكرها من البداية لطرح نفسي مؤلفاً على مستوى المسرح الاحترافي كنت مؤلفاً وممثلاً في (اللهم اجعله خيرا) مع فريق مكون من سبعة فنانين حيث كان العمل من إخراج جبريل الشيخ لفرقة موال، كما كنت معداً ومخرجاً وممثلاً إلى جانب حوالي 20 فناناً في (الجاروشة) عام 1991، وكذلك معداً ومخرجاً وممثلاً في (من هناك؟) مع ثلاثة من الفنانين عام 1992، ومؤلفاً ومخرجاً وممثلاً إلى جانب أربعة فنانين في عنتر زانه والنمر، ومؤلفاً وممثلاً إلى جانب عشرة فنانين في (الزير سالم) من إخراج محمد الضمور عام 1994، و هكذا أيضاً في البحث عن نوفان وحياة حياة مؤلفاً ومخرجاً وممثلاً، وقد كنت ممثلاً في عائد إلى حيفا (مونودراما) من إخراج يحيى البشتاوي عام 2009، إذن أنا ممثل ورصيدي في التمثيل لا يقل أهمية عن عملي كمؤلف وكاتب. وقد أوردت في إجابة السؤال السابق أن خياراً فنياً آخر وقع لسأموت في المنفى ستكون جاهزة كعرض ثنائي.
* من الملاحظ أيضا أن العمل خلى من عناصر مهمة كالديكور والاضاءة وغيرها باستثناء الكرسي في قصدية مباشرة امتدت الى اقصاء خشبة المسرح التقليدية واقتحام او اشراك الجمهور في اللعبة المسرحية ..
– نعم، هو ما تشير إليه، و لكي اؤسس مرجعيتي لمن لا يعرف تجاربي السابقة، أنا ابن الفرجة المسرحية / الفرجة الشعبية/ الحلقة/ الجلسة من عام 1992، انا ابن (مسرح لكل الناس) البيان الذي أصدرناه عام 1992 على هامش مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وقدمت العروض الخارجة على الخشبة الإيطالية في ما يزيد على عشرة عروض، وقد عرضت بعضها على الخشبة لأثبت أن العرض الفرجوي يمكنه أن يكون على الخشبة بسهولة، ولكن لا يمكن لعرض الخشبة أن يكون في حلقة فرجوياً. من هذه العروض، من هناك؟، عنتر زمانه والنمر، معروف الاسكافي، آخر منامات الوهراني، غزالة المزيون، فصيلة على طريق الموت.. و قد أصدرنا عام 1994 بيان الفرجة، و أنا أعمل على مسرح الجلسة في الشارقة منذ عام تقريباً. لذا فإن الكرسي الذي أشرت إليه كنت قد صممته لأقوم بتفصيله بحيث يؤدي أكثر من مهمة دلالية، لكنني تخليت عن هذا أيضاً و استعضت عنه باي كرسي من كراسي الجمهور، و هكذا أكون قد تخلصت من كل الزوائد، و أصبحت ضمن تطبيق (2 D or not 2 D ) وحين يكون أصل تصميم العرض هو هذا يكون الحضور/ الجمهور/ المتلقي (سمه ما شئت) مكوناً أساسياً في العرض، شريكاً عضوياً.
* العرض قدم داخل وخارج الأراضي الفلسطينية وفي أكثر من بلد عربي هل أجريت تغييرات شكلية ومضمونية ؟ ولماذا ؟
– من حسن حظي أن رحلة هذه العروض بدأت من مدن فلسطين، فقد عرضت ستة عروض في فلسطين بحضور من شرائح وطبقات مختلفة، خاصة من أهلي في المناطق المحتلة منذ 1948، وإن عرضاً كعرض مخيم الدهيشة بحضور عشرات من أمهات الشهداء من المؤكد أنه عرض استثنائي بالنسبة لي، كما عرضت في الدوحة / قطر، وعرضت في الأردن ( العروض من بداية إبريل نيسان وحتى نهاية شهر حزيران يونيو بلغت اثني عشر عرضاً، وسيكون هناك عروض في المغرب في الشهر القادم، وهناك دعوات من مصر وسوريا و العراق وتونس والبحرين، وهناك عشرة عروض مطلوبة في الأردن حتى الآن خلال هذا العام ، وأؤكد أن كل هذه العروض تتم حسب ما تم تصميم المسرحية عليه، دون تغيير في الشكل و المضمون، و لكن لاحظ أن الحضور من الجمهور يمكن أن يغيروا في التفاعل، كما حدث بوجود فنانين كبيرين هما عبد الحليم أبو حلتم و كمال خليل و كذلك عازف عود هو نور الأطرش والذين قدموا ارتجالات داخل العرض، وقد يتدخل شكل المكان في تريب وضع حضور المتلقين، لكنه لا يغير روح العلاقة معهم.إ ن هذا التمسك بمقومات منظومة العرض هو جزء من رسالة العرض الجمالية والفنية والفكرية، وإن أي تغيير يجب أن لا يغيبها بل يجب أن يدخل في منظومة العرض.
* نسبة الى الابعاد الفكرية والفنية والجمالية ما الذي كنت تراهن عليه في خطاب هذا العرض ؟
– لقد وضحت في اجاباتي السابقة جزءًا هاماً من الأمور التي راهنت عليها في هذا العرض، وأضيف إلى أن القيم الجمالية تعتمد على تفعيل خيال المشاهد وتشغيل مخيلته، لذا فإن مناظر المشاهد (التي يتخيلها كل مشاهد بطريقته و حسب مرجعيته المعرفية) تنتج مجموعة لا متناهية من المناظر التي يساهم بها عقل المتلقي، أما من الناحية الفنية فإن رسالة الفرجة مستمرة وقادرة على التفاعل مع المكان و الإنسان، أما الناحية الفكرية فإن التأسيس لإعادة إنتاج الملفات الحياتية للشعب الفلسطيني وقد صار هناك ما يشبه هذه السجلات في حياة شعوب عربية عدة، وتحويلها إلى رايات رأي و منارات طريق لغد أفضل أقرب للحرية و الكرامة هو ما يتحقق في هذه العروض، فعندما تبكي محامية كبيرة أو أديب كبير أو فنان كبير، و عندما تكون هي نفس اللحظة التي تبكي عجوزاً في الثمانين من عمره، وعندما يضحك كل هؤلاء في نفس اللحظة، ومن ثم يغنون نفس الأهزوجة، فإن الهدف متحقق، وعندما يطلب فلسطيني رمته المنافي ليكون إيطالياً ويطلب من منظم الحفل بعد متابعة عرض سابق أن يضع له كرسياً فارغاً يضع عليه إشارة بصفته (مغترب، مهجر، منفي) فإن الجانب الفكري يكون قد تحقق أثره. قال درويش عن الشهداء الذين يصعدون إلى حتفهم باسمين، وعن خوف الأعداء من الأغنيات، وخوف الأعداء من الذكريات.. إنني في هذا العرض أقدم مرافعة تنعش أرواح الناس وتخيف الأعداء.
* كلمة أخيرة..
– علينا أن لا نساهم في زيادة الفقدان والبعد وضياع الهوية، بل علينا أن نقوم بطرد الشوائب عنها، وترسيخها، فمن أنت دون هويتك؟ وهذا لا يعني الهوية السياسية فقط، بل والفنية، وهكذا .. هذه هويتي المسرحية و الفكرية و السياسية، هذا ما يجب أن يكون، لأكون جديراً بكوني فناناً فلسطينياً عربياً.

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.