أخبار عاجلة

الــــكــــوفــــيــــد وكـــــونـــــيـــــة الـــــعـــــيــــد ـــ اســـتـــثــنــاء أم حــــصـــار ..مـــيــرانـــي الـــنـــاجـــي #المغرب

 

الــــكــــوفــــيــــد وكـــــونـــــيـــــة الـــــعـــــيــــد

ـــ اســـتـــثــنــاء أم حــــصـــار ..

على أي أساس يستمر السياسي في إقـفـال مصحات الـفـرجـة التي بـرهـنـت العلوم الدرامية المعاصرة على أهميتها في علاج الإنسان من قلق الأمراض النفسية والاجتماعية ، وكيف يستسيغ العرض المسرحي أن يحتفل بنفسه وحيدا في قاعات حزينة بلا جمهور ؟ ..

وهل أضحى المسرح كالبعير المعبّد أو من فئة الـمجانين حتى يُـعـزل بهذه الطريقة داخل هذه الأقفاص الإسمنتية ؟ ..

أي نص استثنائي يقبل بهذا الوضع الشاذ ، وأي إخراج يدمر مشاتل الابتسامة والفرح ؟ ..

لا لمسرح مفروض بعقلية الــكــوفــيــد على طقوس ديونيسوس ، فالمسرح يرفض ذلك ، لأنه رائد التجمعات البشرية ، ولقاء مباشر في زمن الشدة والرخاء ؟ ..

وإذا كان الوباء بتصنيف الفلاسفة القدامى شرا ميتافزيقيا قد أقلق المجتمع المعاصر ، فإن المجتمعات البشرية منذ القدم قد خبرت شتى الأوبئة ، ودخلت معها في صراع تراجيدي أبدي مشحون بحروب شرسة في معركة الحياة والموت ، ومع ذلك فقد يخسر أي مجتمع بشري هذه الحروب حين يلغي المسرح ، وباقي مكونات الثقافة والفنون ، تحت طائلة الاعتقاد الخاطئ بأن المعركة من اختصاص السياسي وحده فقط ، لكن ما يؤثر على السياسي عموما هو استسلامه لهاجس الأزمات ، وبالتالي يغدو عاملا في نشر ثقافة الخوف والقلق المدمر لبنيات المجتمع وسيكولوجية الجماهير ، على السياسي إذن أن يستحضر دور المسرح إبان الأزمات والأوبئة ، عليه أن يستوعب الدرس المسرحي باعتباره الوسيلة المباشرة التي تساعد المجتمعات في تشخيص الأوبئة بطريقة مغايرة للسيناريوهات التي يتحكم فيها رجل الدولة ..

لا مناص إذن من الاعتراف بدور العرض المسرحي في تأطير الوعي الجماعي للمجتمع وتقديم الدعم النفسي له عن طريق الفرجة وإشاعة مناخ الحبور ولو من باب الانتصار المعنوي على كل الأوبئة والأمراض الاجتماعية وضغطها الرهيب ..

فأهمية المسرح تـكـمـن في كونه الوعي الحاضر في ذاكرة الشعوب ، ومن تم كانت الأوبئة كإشكالات فلسفية حاضرة في العديد من الأعمال المسرحية التي لا يتسع المجال هنا لذكرها ..

 ..Diegoـــ ديــــجــــو

لقد عانى المسرحيون من جائحة الأوبئة القاتلة ، فكتب البعض عـنها بـنـفحة تراجيدية ، والبعـض الآخر بـنكهة كوميدية ، وإذا تـوقـفـنـا عـنـد بـعـض منهـا فـسـنـجـد الطاعـون الـقاتـل يـأخـذ حـيـزا وافـرا في مـسـرحـيـة ” أوديـب مـلـكـا ” للـشـاعـر الإغـريـقـي سـوفـوكـلـيـس ، و” رومـيـو وجـولـيـيـت ” لـشـكـسـبـيـر ، و” حـيـاة غـالـيـلـي ” لـبـرتـولـد بـريـخـت ، و” حـالـة طـوارئ ” أو ” حالة حصار “

 ” لألبير كامي ، وقد نتوقف قليلا عند هذا العملL’état de siège”

الذي قدم فيه ديــجــو بطل المسرحية درسا بليغا للبشرية في الإرادة والتحدي ، إن عالم اليوم وهو يواجه جائحة كوفيد هو بحاجة إلى فلسفة ديــجــو ، وعلى السياسي إذن أن يتعلم من هذا الزعيم المصاب نفسه بالطاعون معـنى الـقـوة والإرادة ، ومواجهة الوباء بابتسامة الأمل والتفاؤل لا بـسيـنـاريـوهـات ” حـالـة الـطـوارئ أو الحصار ” ، عـلـى الـمجـتـمـع الـبـشـري أن يـسـتـفـيـد من الـدرس البيداغوجي لـ ” ديــجــو ” ، فـنجاح السياسي يكمن في صناعة مثيل لهذا البطل الذي واجه الطاعون بإرادة قوية ، فبدل أن يـهـزمـه الوباء هـزمـه ، وكان انتصاره مفارقة أمام استسلام وهزيمة بقية المصابين ، وهنا يتجلى الدور البليغ لبيداغوجيا المسرح التي تعطي للمجتمع درسا في الصمود والتحدي من منطلق أن حصانة النفس أهم من حصانة الجسد ، فكيف يقبل مسرح رجال السياسة بذلك ، والمسرح يـدعـو للتحرر من قيود الاستسلام ، والعمل على بناء مجتمع بلا خوف ، مجتمع السؤال والنقد ، لكن المؤسسات القمعية تقمع الأفكار ، وتراها أخطر من الفيروسات ومن الكوفيد نفسه ..   

مسرح اليوم يجعلنا نقتنع بأن الجائحة التي يمر منها العالم الآن تحتاج إلى ديــجــو جديد للانتصار على الوباء و ” حالة الطوارئ ” ، وهنا نستشعر قوة الشخصية التي بناها ألبير في زمن الحصار ، والتي لم تنهزم أو تستسلم أمام الطاعون ، والسياسي عليه أن يعلم أن البطل الإشكالي الذي تحدى الوباء في مسرحية كامي هو نفسه الذي لم تنجح السياسة الصحية في خلق نظير له لحد الآن ..   

هذه هي مهمة المسرح التي تتلخص في التقاط المستور ، وطرح إشكاليات الشرور التي واجهها الإنسان في صراعه الأزلي مع تاريخ الأوبئة ، لكن رجال الدولة يـخـتـلفـون مع رجال المسرح في هذه الزاوية لأنهم حسب تقديرهم يعتبرون تدخل المسرح في تشخيص دراماتورجيا الأوبئة قد يعري سيناريوهات رجال الدولة ويعرضهم للنقد والسخرية ..

ـــ مـــن الـــمـــســؤول إذن عــن الـــوبـــاء ؟ ..

بطعم الميتوس ، طرحت مسرحية ” أوديب ملكا ” لسوفوكليس هذا السؤال ، من المسؤول عن وباء الطاعون الذي دمّـر  ثــيــفــا المنكوبة موطن الإله ديونيسوس ؟ ..

ومن خلال الغوص في تفاصيل السؤال ، توصل أوديب إلى أن هناك خطأ ما في مملكته ، وأن ثمة رجلا داخل قيادته هو المسؤول عن انتشار هذا الوباء ، لكن المشكلة الكبرى أن الملك كان يجهل بأنه هو السبب في شقاء ثــيــفــا ، علما أن بعضا من حاشيته كانوا يعرفون بأن أوديـب الـمـلـك هو عـلة هذا الشقاء كله ، لأنه قتل والده لايوس دون علم ، واستولى على عرشه ، ثم تزوج بالملكة جوكاستا دون يعلم بأنها والدته ، ودون أن تعلم هي الأخرى بأن الذي أصبح زوجا لها هو ذلك الفتى الذي حبلت به ، وأخرجته للوجود ليدمرها ويدمر كل من حوله .. لكن الذين يعرفون هذا السر الذي كان سببا في انتشار جائحة الطاعون لم يستطيعوا كشفه للملك خشية من غضبه وبطشه ..

ربما هذه باختصار حالة حضارة تخلت عن أدوار المسرح ،  وتخلت عن العلم من أجل الحروب ، ومجّدت الخرافة بدل الثقافة ، والسياسة بدل الفلسفة ، وسجنت المسرح في سديم شر غامض بلا أثر ، فغرور السياسي وجهله بدور المسرح في زمن الحروب والمجاعات والأوبئة هو مصادرة للمطلوب ، والمطلوب هنا ونحن نحتفل هذه السنة بعيد استثنائي يختزل قلق المسرح والمسرحيين ، أن نشجب تدابير القاعات المغلقة ، وتعليق العروض المسرحية ، وابتلاع صوت المسرح ، وتحويل المجتمع البشري إلى مقبرة صامتة تعج بالكآبة والرتابة داخل مجتمعات تحولت إلى ثكنات عسكرية تعج بضجيج الرهاب ، وقلق الاكتئاب ..

مـــيــرانـــي الـــنـــاجـــي

أســـفــي فـــي : 24/03/2021

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح