العيادة المسرحية وبناء الذات

لم يكن المسرح طوال تاريخه فناً منكفئاً على ذاته في يوم من الأيام، لذا تعددت مناهج الفن المسرحي، بقصد الوصول إلى التأثير والتفاعل مع الجمهور، الذي ينتظر عنصر الدهشة أساس التفاعل وديمومة تواصله مع العرض المسرح، العيادة المسرحية التي قام عليها الفنان العراقي جبار خماط جاءت كأحد الاشتغالات التجريبية التي تحقق التأثير المسرحي

هنا في هذا الحوار سنتعرف أكثر على هذه التجربة

  • من أين جاءت فكرة العيادة؟
  • جاءت من تعددية مناهج الفن وانطلقت من فكرة البحث عن التأثير والتفاعل مع الجمهور

وبالغوص في تاريخ المسرح سنجد أن المهتمين به كفن سلكوا طرقاً متعددة فمنهم من سلك الطريق الإيهامي واللإيهامي، ومنهم من اتخذ تفعيلا تجريبا في معالجة الموضوعات الراهنة، كل هذه المعالجات تقدم المنتوج المسرحي الجاهز، وما على المتلقي سوى استقبال ذلك المنتوج بالقبول أو الرفض بحسب جودة المنتوج جمالياً وبنائياً، هذه العلاقة البندولية، غير المستقرة، مع حاجات الجمهور الفكرية والنفسية والاجتماعية، كانت خلف التفكير في منهج بديل، يتبنى مسرحيا عياديا.

  • كيف هو شكل هذا المسرح العيادي؟
  • هو مسرح يصنعه الناس البسطاء في كل مكان، إذ تغيرت العلاقة من مسرح نخبوي جاهز يأتيه الجمهور إلى مسرح يذهب إلى الناس، يصنعونه بأدوات التلقائية والبساطة؛ لأنهم أبناء الهنا والأن، لا تعقيد في العرض المسرحي ولا تسطيح، بل أمر بين أمرين، مسرح حميمي، يقدمه ممثل نظير، حميمي يتفاعل مع الجمهور على نحو تلقائي ويسير وعميق.
  • ما منطلقات هذا التجريب؟
  • انطلقت العيادة المسرحية، من استبصار التاريخ المسرحي بتجاربه المسرحية، التي كانت تميل إلى تنقية المكونات النفسية والاجتماعية الجمهور، من خلال ما يشعر أو تمر به الشخصيات المسرحية، وبالتالي أصبحت العلاقة أفقية ما بين مرسل/ الممثل ومستقبل/ المتلقي، من دون إعادة تكوين أو تدوير تلك العلاقة النمطية ما بين العرض والجمهور.
  • ما الذي تسعى إليه العيادة المسرحية؟
  • تسعى العيادة المسرحية إلى تدوير المتراكم المسرحي من مهارات الناس الذين لا يعرفون المسرح ولم يتواصلوا مع عرض مسرحي!، تذهب العيادة إلى الناس وتعيد بناء ذواتهم من جديد، بواسطة ابتكار المستقبل، الذي يؤدي بالمشارك في العيادة المسرحية، إلى بناء الثقة لدى الناس واكتشاف قدراتهم الذاتية الإبداعية، كانت غائبة عنه، تأتي العيادة لاكتشاف وتطوير تلك القدرات في عرض مسرحي يقدمه المشاركون في العيادة الذي يشترط فيهم أن يكونوا غير محترفين أو هواة.
  • ما أهم ما تدعو إليه العيادة المسرحية؟
  • تدعو إلى معالجة هموم الناس البسطاء ومشكلات المجتمع الذي يعاني هيمنة الحروب وأثرها في هزات البنية المجتمعية والقيمية.
  • هل حظيتم بدعم ومشاركات من جهات تُعنى بالمسرح وهل شاركتم في مهرجانات؟
  • الهيئة العربية للمسرح أولت اهتماما ملحوظا وتواصلت مع العيادة، ونثمن سعيها الكريم لمشاركة العيادة المسرحية في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي، وجاءت الدعوة الكريمة من مهرجان القاهرة، للمشاركة في فعالياته المميزة، ضمن مجال الورش المسرحية، إذ قدمت ورشة العيادة المسرحية في قاعة صلاح عبدالصبور، ضمن مسرح الطليعة، التي تفاعل معها المشاركون بزخم عال.

تفاعل المشاركون مع أهداف العيادة وتمارينها اليومية، إذ توزعت العيادة عبر ثلاثة أيام من عمر المهرجان، وما ميز اللقاء استدامة العيادة في مشاريع مستقبلية، إذ توزع المشاركون على خمس مجموعات، لكل منها موضوع حيوي في الحياة المصرية.

  • هناك محاولات شهيرة لاستخدام المسرح علاجياً كما في منهج السيكودراما، ما الفروقات بين العيادة وبين السيكودراما؟
  • تعتمد العيادة المسرحية العلاج بالمستقبل، وحسب علمي فإن أغلب الطرق العلاجية، التي تأخذ من المسرح طريقا للعلاج، تعتمد العودة إلى ماضي الحالة المرضية، التي تقوم عليها السايكودراما التي أطلقها الطبيب النمساوي (جاكوب مورينو) سنة 1921، والتي يقوم باستعادة خبرة المريض السابقة، بقصد حلها، وبوجود ممثلين محترفين، لكن وجد (مورينو) من خلال الملاحظة؛ أن حالة المريض لم تتحسن، بل تتفاقم بسبب استعادة العقدة من دون حلها، الأمر الذي يؤدي إلى تعزيز الحالة المرضية لديهم.

في رأيي أن المسرح بشكل عام، طاقة علاجية فكرية وشعورية، تتفاوت درجاتها حسب المعالجة المسرحية التي يعتمدها المخرج المسرحي، وبالتالي حين تأملت تلك الطريقة، وجدت أن صناعة الثقة مفقودة لدى المشاركين، وغياب المستقبل لديهم والذي يحقق طاقة إيجابية، وهنا جاءت العيادة كمنهج مسرحي، يتواصل ويتفاعل مع الناس في كل مكان، بهدف تعزيز مهاراتهم الأولية، وإنتاج سلوكيات جديدة لديهم قابلة للاندماج والعودة مرة أخرى إلى الحاضنة الاجتماعية، مثلما حصل لدى السجناء والمدمنين ومصابي السلاح الكيميائي الذين تواصلت معهم العيادة المسرحية، في مشاريع مسرحية، أثنى عليها أغلب المتابعين للشأن المسرحي.

  • ما الأسس التي ترتكز عليها العيادة؟
  • للعيادة ثلاثة أسس:

– الأول علاجي، يفترض تحويل السلبي إلى إيجابي / الأساس الثاني هو المهارة؛ تعلم مهارات الأداء التمثيلي، الذي يتسم بالبساطة والتلقائية / الأساس الثالث تواصلي، إيجاد بيئة تواصلية ما بين مجموعة العيادة المسرحية، من ممثلين يقدمون شخصيات من تيار الحياة.

وهنا تتحقق فرضية المسرح البديل الذي يصنعه الناس البسطاء أو المنسيون في كل مكان بعيدا عن المسارح التقليدية ذات الطابع الرسمي، ولهذا أجد في العيادة المسرحية تأصيلا علميا وفنياً، يتمثل في إنتاج بيئة ثقافية جديدة، يصنعها المسرح في عيادته، من خلال مشاركين يصنعون حياة مبتكرة، من خلال إعادة بناء واقعهم السلبي، وإنتاج نسق حياتي جديد يؤمنون به، بالتالي هذا التحول هو تأصيل علمي وعلاجي، لا يعتمد الطرق العلاجية التقليدية، من أرسطو ومرورا بـ (ديدرو) وانتهاءً بجاكوب مورينو، الذي أطلق مصطلح السايكودراما، لعلاج المرضى في المصحات النفسية.

  • حدثنا عن مشاريع العيادة المسرحية وأبرز عروضها؟
  • أنتجت العيادة المسرحية، ثلاثة مشاريع، أولها كان في سجن الأحداث، تعاملت مع فرضية حل مشكلات السجناء الأحداث وكيفية معالجتها وتحويلهم من السلبي إلى الإيجابي، التي تعيد رسم خارطة طريق حياتهم نحو الاندماج الاجتماعي، التي يفقده أغلب السجناء، وإذ تواصلت معهم العيادة، من أجل تغير مزاجهم وأفكارهم، لأنهم دخلوا بيئة الإبداع، واكتشفوا قدرات أدائية جديدة، كانت مفقودة لديهم، والغريب أن مساحة الارتجال لديهم واسعة، واقتراحات الشخصيات التي قاموا بتمثيلها كلها إيجابية، لأنه يشعر أن هذه الشخصيات التي قام بتمثيلها هي بديل موضوعي، يعوض اضطراب شخصياتهم والظروف المحيطة بها، والتي دفعتهم للجريمة، لقد وجدوا ذاتهم الضائعة داخل العيادة المسرحية. المشروع الثاني كان مع مدمني الكحول والمخدرات، هؤلاء المدمنون دخلوا العيادة المسرحية، تدربوا على مهارات مسرحية، وتدريبات صوتية وجسمانية مكثفة، واتخذوا طريق التحدي، بقصد التخلص من الإدمان، لقد مثلوا شخصيات إيجابية، بالتكرار اليومي داخل العيادة المسرحية، تحولت إلى مخزن الذاكرة طويلة الأمد، وهذا يعني إيمانهم بسلوك جديد، يعتمد بنية قيمية تتقاطع مع الإدمان الكحولي والدوائي، الأمر الذي دفعهم إلى ترك الإدمان وسط دهشة الأطباء في مستشفى ابن رشد التدريبي للطب النفسي، قدموا عرضا مسرحيا بعنوان “يوميات مواطن منسي” تأليف وتمثيل مجموعة من المدمنين، ثالث مشاريع العيادة، كان مع مصابي السلاح الكيميائي، هؤلاء الذين يشعرون بالعزلة والإحباط وصعوبات في التنفس، دخلوا العيادة، تدربوا وأبدعوا نصا مسرحيا بعنوان “أنا موجود” مثلوه بإتقان في قاعة مديرية صحة حلبجة، ومن لا يعرف حلبجة فهي مدينة تعرضت للقصف الكيميائي أثناء الحرب العراقية.
  • لو تساءلنا هنا حول علاقة التنمية البشرية في المسرح؟ هل هي ضرورة أم اختيار؟ كيف يمكن تداولها مسرحيا؟
  • ينبغي القول إن التنمية البشرية هي أن يعرف الناس أنهم يمتلكون القدرة على صناعة الحياة يمتلكون القدرة على صناعة مستقبل أفضل يمتلكون القدرة على إيجاد مقاربات في فهم الآخر وفِي فهم الوجود، وحتى في فهم البيئة المحيطة، التنمية البشرية مصطلح لصناعة ذات ناجحة تستطيع أن تعرف قدراتها الإبداعية تتخذ قرارا وتصنعه بشكل إيجابي وتؤثر في الآخر ضمن قدراتها التي تدخل في بناء الشخصية وتمتلك الروح الإيجابية التي تصنع وتؤثر وتحقق الضمانية لمستقبل يفيد ويتحرك ضمن إيقاع المجموع، فالهدف من التنمية البشرية هو بناء الذات والقدرات وصولا إلى التركيب المجتمعي بشكل عام، ولا يمكن بناء القدرات في بيئة قلقة أو متوترة أو تغيب عنها البيئة القانونية والمجتمعية المستقرة، وبما يتعلق في المسرح من حيث التكوين والرؤية من المهم تعزيز بناء الثقة للقدرات الخاصة للتنمية البشرية وعلاقتها بالمسرح من حيث الفكر والإنتاج.. كل الفعاليات المتعلقة في إنتاج العرض أو النشاطات أو عناصر العرض ممثل، منظر، سنوغرافيا، صراع بالنسبة للطاقة الفاعلة للعرض أو النص كلها ضرورية ومهمة في تطوير القدرات المتعلقة بصانعيها، إذ لا يمكن أن تتحقق التنمية البشرية في المسرح من دون متلقٍ يمتلك القدرة على التواصل الواعي مع العروض المسرحية، علاقة متوازنة ما بين عرض مسرحي فاعل وملتقٍ له القدرة على التعرف على العروض الجيدة التي تؤثر في حركة المجتمع وتحقق علاقة عضوية بما يخدم الشعوب بشكل عام.
1 الفنان العراقي جبار خماط
2
3
إشراف: ناصر العُمري
https://www.alriyadh.com/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح