العيادة المسرحية: تشخيص لأمراض المسرح العربي

حواره : حميد العقبي

 
بدأت العيادة المسرحية في بغداد تؤتي ثمارها والتي أسسها الفنان المسرحي الدكتور جبار خماط ــ رئيس قسم الفنون المسرحية بكلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، تربطني بالدكتور جبار خماط صداقة قديمة ودائمة، وناقشت معه عدة أمور تتعلق بمشروعه “العيادة المسرحية” وسوف أحاول في هذه الخلاصة تلخيص فهمي لهذا المشروع ووسائله وأهدافه، وأهم البرقيات التي يرسلها خماط إلى أهل المسرح، وهنالك من يفرح بها، وهناك من تسبب له الكثير من الصداع.
 
 يرى خماط أن ترك الناس عادة الذهاب إلى المسرح، له أسبابه الكثيرة، ومنها ضعف المسرح نفسه وتوجهه إلى السرد والوصف الهش والمباشر، وتراجع أهمية الصورة الجاذبة للحواس التي نتفاعل معها بوصفها تعبيراً جديداً يكسر مألوف علاقة الناس بالأشياء.
 
ويؤكد أن الناس المنسية في الأماكن البعيدة، تحتاج إلى المسرح والنور الجمالي، حتى يتمكنوا من معرفة وجودهم الحي في ضوء الصورة المسرحية، وخطاب الصوت الحميمي الذي لا يشعرهم أنهم على هامش الوجود أو لا ضرورة لتفاعلهم!
 
علاج المدمنين
 
وعن تجربته في علاج المدمنين يخبرنا “حين أطلقت العيادة المسرحية وتوجهت صوب المدمنين الذين تفاعلوا وتناغموا مع علاجها المسرحي ودخلوا في تجربة التمثيل المسرحي، تراهم سعداء بعد تاريخ من الخيبات والنسيان جعلهم منسيين، وبعد التمارين والإيمان بشخصيات إيجابية جديدة، بدأت أنفاسهم وبشرتهم وإرادتهم وجهازهم العصبي ينضبط بمخرجات سلوكية جديدة، كل هذا لا يكون إلا بتوافر الإيمان بالعلاج الجماعي الذي يوفره التمثيل المسرحي، نعم هي تجربة جديدة في كل شيء، المكان والزمان والممثلون والارتجال، وتمارين الصوت والحركة وطاقة الإيمان بالذات والآخر، العيادة المسرحية مستقبل نقي في وسط يعاني تلوثاً فكرياً وسلوكياً”.
 
تجربة الدكتور جبار خماط المدهشة تحاول معالجة علل المجتمع الذي يسقط فريسة البؤس والخوف والضياع وتؤدي هذه العوامل إلى اختلالات نفسية واجتماعية مرعبة فيندفع البعض إلى الإدمان على الكحول والمخدرات ونمو العنف في المجتمعات وشيوع الخرافات والجهل وتمزق البنية الاجتماعية مما ينذر بكوارث مدمرة ما لم تتم المسارعة إلى علاج كل هذه الظواهر السلبية التي نمت وكثرت في العراق منذ وقوعه تحت الحصار في بداية التسعينيات إلى يومنا هذا وربما تطورت تأثيراتها السلبية منذ 2003 وذلك بسبب الخلل الأمني والفساد السياسي والاقتصادي وتعرض العراق لهجمات داعش الإرهابية ويرى خماط أن بعد 2003 انتشرت ظاهرة المثقف الحرباء والسياسي الأفعى، وأن أكثر الحالات مقتاً حين يكون المثقف طائفياً في فكره وسلوكه وخطابه.
 
عصابات النخبة ..أخطر أمراض المسرح العربي
 
العيادة المسرحية تحاول علاج مرض المسرح العربي ويرى د. خماط أن المسرح العربي مرتبط بالسلطة والمال السياسي لذلك فهو لا يتقدم في خطابه، لأنه مقيد بفرضيات جاهزة ينبغي أن ترضى عنها السلطة، وبالتالي لم تظهر لدينا حركة مسرحية أو اتجاه نوعي له القدرة على الديمومة، بل نجده يتقهقر أو يتوقف مع غياب تلك السلطة ومالها السياسي.
 
ويشخص خماط بعض أمراض المسرح العربي ويضغط بقوة على داء عصابات النخبة التي انغمست في رفاهية مهرجاناتها وندواتها في فنادق خمس نجوم أو في صالات مغلقة بعيدة عن الناس وهمومها، بعض المسرحيين يعيشون ترفاً صنعه المال السياسي ولا يشعرون بالضرورة المجتمعية التي ينبغي أن تتواصل مع الجميع في كل مكان، نفهم مما يكتبه د. خماط أن هناك نوعاً من المسرح توضع له الاستراتيجيات والأموال الهائلة للدعم وهو عاجز عن الوصول إلى الناس في كل مكان ولا تأثير له.
 
التعلم بالتمثيل كيف تكون الحياة؟
 
يوضح خماط أن العيادة المسرحية، علم وفن وخطاب مرن ومستمر موجه إلى عقول ووجدان الناس، وليس مناسبات مسرحية طارئة لا تمكث أو تدوم طويلاً في وعي الشعوب وهي فتح جديد في عالم المسرح، تذهب إلى الناس في كل مكان ليكونوا طاقة جديدة لتغيير حياتهم على نحو ايجابي، الناس في العيادة ممثلين ويتعلمون بالتمثيل كيف تكون الحياة؟ 
 
يسعى د.جبار خماط بجهد ويذهب إلى مستشفيات الأمراض النفسية في بغداد ويجد تجاوباً وتفاعلاً من الأطباء والمدمنين وفهم لما يطرحه، لكنه يواجه نوعاً من اللامبالاة من مؤسسات وهيئات مسرحية وقد يدخل في صراعات متعبة مع بعضها وقد يحاربه بعض من يطلقون على أنفسهم الكثير من الألقاب المسرحية، ويبدو أن الكثير من المسرحيين الذين ينعمون بالدعوات والضيافات في المهرجانات الفارهة سيسفهون أو يقللون من هذا المشروع، وربما سيتم محاربته وتسفيهه، ولكني أعتقد أن المئات من الشباب المسرحي العربي في عدة أقطار فقيرة مادياً، هؤلاء سيفرحون بهذا المشروع وتطوره وعلى د. خماط أن يفكر بوسائل عملية وعصرية للتواصل معهم، فهنالك شباب مسرحي شغوف وينتظر من يحسُّ به ويخاطبه ويتفاعل معه.
 
الزاحفون إلى المهرجانات المسرحية والنفاق النقدي
 
العلة والوباء القبيح الذي قد يسبب الشلل وتخريب الذائقة المسرحية هو انتشار النفاق النقدي في المهرجانات المسرحية وهذه النقطة يركز عليها د. خماط ويرى أن النفاق النقدي في المهرجانات يؤدي إلى زيادة منسوب الخراب المسرحي في عروضنا، وهم بنفاقهم هذا،  يسرحون ويمرحون، يقولون ما لا يؤمنون به، تراهم في كل مهرجان يزحفون، هؤلاء الزاحفون يسممون ذائقة الناس والمدن، فالمسرح يجب أن يكون ضرورة لا ترفاً فائضاً عن الحاجة.
——————————————————
المصدر :مجلة الفنون المسرحية –  الضفة الثالثة

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.