العرض قبل الاول لمونودرام «للرجال بركة» لنجوى ميلاد: «أنا مرا فنّانة، ومن حقي نبدع»…بقلم مفيدة خليل

 

كلّهن غامضات عميقات، جميعهنّ مدللّات موجوعات، كلهنّ تشتركن في ألم او حب تخفينه عن الجميع، وجع يفتحنه كلّما جلسن

لوحدهنّ امام الذكريات المرمية والجدران الفارغة حينها تنفتح قريحة الألم لتخبر الجدران عن التفاصيل والحكايا ومن تفاصيلها صنعت نجوى ميلاد مونودرام صدقت في تقديمها اذ فتحت اوراق قلبها ونوافذه على مصراعيه للمتفرج ليغوص في ذاتها ومنه إلى وجيعة المسرحيين وآلامهم في موندرام للرجال بركة.
مونودرام كتب نصه المبدع نور الدين همامي وأخرجه توفيق العايب وقدم العرض قبل الاول في فضاء لرتيستو بتونس.، مونودرام يجمع التراجيدي والكوميدي في مواقف مختلفة تنطلق من الذاتي لتنقد المجتمعي.

الموندرام جزء من الروح
موسيقى المالوف وأهازيج العرس التونسي تملأ القاعة، الجو العام يبدو كأنه في عرس، اصوات تأتي من بعيد، صورة معلقة في أعلى الرّكح تجمع شخصيات رجالية في وجه واحد، تدخل الممثلة الى الركح وهي ترقص وتغني وتبارك للجميع حضورهم الى زفاف ابنها، بـ«الفوتة والبلوزة» التونسية تظهر الممثلة الى جمهور العرض الاول.
ممثلة واحدة وشخصيات متعدّدة، تقمصتها ولبستها وقدمتها الى الجمهور، ممثلة وحيدة وآلام متعددة وجراح مفتوحة وقصص مخفية تشاركت فيها مع الجمهور لتخبره عنها وعن قصص «رفيقة قرقوري» وهو اسم الشخصية الرئيسية، رفيقة هي رمز عن النساء جميعا، هي عينة عن المرأة القوية والاخرى الخانعة، انموذج عن الحالمة واليائسة، انموذج عن كلّ امرأة تبحث عن حريتها وفي طريقها يعترضها رجال يحاولون مساومتها على هذه الحرية.

شكلا عنوان المسرحية للرجال بركة، عنوان متكون من مرادفتين الاولى «الرجال» وهي جمع لرجُلُ وهو الذكر البالغ من بني آدم والمرادفة الثانية «بركة» ولها اكثر من معنى فهي «البَرَكةُ» بفتحة على الراء بمعنى التبرك والشيء المميز، و «البَرْكة» بسكون على الراء ومعناها «السقوط والانهيار» و «بركة» في الدارجة التونسية ومعناها فقط، ومضمونا حول المدلولات العديدة لدال واحد هو الرجال تدور الحكاية التي تكون بطلتها امرأة يشاركها في صناعة احداث حياتها مجموعة من الرجال.
كرسي احمر اللون يتوسط الركح، وللاحمر رمزيته فهو عنوان للاثارة والاغراء والجرأة ايضا وفي حديثها تبدو الشخصية جريئة جرأة اللون الاحمر.

من حياتها الخاصة انطلقت القصة، من مشهد العرس تعود «الحماة» الى بيتها، تلبس ثياب النوم، تضع كأسا امامها تحتسي القليل من خمرتها لتعدل مزاجها ومن ثمّة تبدأ في فتح دفاتر القلب المنسية، مواقف تراجيدية حوّلها كاتب النص نور الدين الهمامي الى كوميديا ممتعة وأبدعت الممثلة في تجسيدها فأضحكت المتفرج ودفعته لانتظار الحكاية الموالية باحثا عن متعة وجزء منه في قصصها، فالحكايات التي عاشتها وعايشتها هي جزء من حكايات الجميع فلكل منّا سر دفين او نافذة مغلقة على علاقة ما يريد نسيانها، والجميل هو صدق الممثلة في تجسيد الشخصيات وطريقة كلامها وحركتها، ايضا مشاركة المتفرج جزء من قصصها الذاتية التي تحولت الى نص مسرحي ممتع جريء من حيث اللباس و طريقة الاداء جرأة امرأة تجلس لوحدها في غرفتها وتفتح دفاترها القديمة.

المسرح منهك كما الوطن
اوراق مبعثرة، صور مرمية، افكار متلاشية اراء نصف مكتملة، السينوغرافيا تعبّر عن احلام لم تتشكّل كاملة ولازالت منقوصة، الضوء الاصفر كانه عنوان لحكايا لم تكتمل وقصص حب ماتت سريعا والسبب المسرح فرفيقة القرقوري الممثلة المسرحية في المسرحية او الصورة الاخرى لنجوى ميلاد، عاشقة للمسرح، متمسّكة بالرّكح تشاركه فرحتها ووجعها وأملها من المسرح تصنع قوتها وبه تستنير ومنه تستمد طاقة الحب التي تعيش بها وصغيرها، في الموندرام كلّ قصص الحب التي عاشتها الشخصية تنتهي حين يساومها رجل على حريتها والمسرح، فلا مسرح دون حرية ولا حرية دون فن رابع يمارسه ممثل عاشق لما يقدّم وفي المسرحية يكون حبّ الفن الرابع هو الحب الوحيد الصادق وسط حكايات حبّ سرعان ما تتساقط كأوراق الخريف.

«المسرح» ايضا ذكر من الذكور الذي اثّر في الممثلة وفي حياتها، عشقته وأعطته الكثير ومارسته بكل الحب لكنه لم يقدم لها غير الجحود و الكثير من الظلم وواقع صعب للمسرحيين وقوانين لم تطبق وقرارات لازالت تنتظر التحقيق ووعود ومشاكل دعم وإنتاج ومآس كثيرة يعايشها كل ممثل مسرحي ليصبح المسرح كما «السرطان» يتمكن من الممثل يحبّه إلى حدّ فنائه.

تلك اللوحة المعلقة في أعلى الرّكح ليست من الفراغ وعنها تقول الممثلة انها جمعت بداخلها والدها والحبيب بورقيبة وابنها والفاضل بن عاشور والشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، لوحة ابدع في رسمها سمير شوشان جمع فيها الرجال الذين اثروا فكريا في نجوى ميلاد فكانت هي الاخرى جزءا من الديكور وسينوغرافيا العمل ولها رسالتها النقدية ايضا.
تبدو المسرحية او الموندرام كوميدية، مقسمة الى مجموعة من الحكايات التي تقدمها الشخصية عن تفاصيل رجال مرّوا بحياتها، ذاك هو الظاهر اما الباطن وما يوجد خلف تلك الجمل الكوميدية فنقد كبير للمسرح في تونس، نقد موجّه للقوانين القديمة، نقد للوضعية الصعبة التي يعيشها المسرحي في تونس ومنه نقد لحال تونس بعد الثورة خاصة فالأوراق المبعثرة هي افكار الشباب ايضا افكار بعثرت وأحلام شتتها السياسيون الذين اخذوا المناصب ونسوا افكار الشباب وآمالهم، تونس هي البيت الصغير بكل متناقضاته وآلامه وابتساماته، نقده نصّ المونودرام من خلال جزئيات صغيرة صنعت الحدث فأبدع كاتب النص في التجسيد والتوصيف وكان صدق الممثلة رافدا لإيصال الكمّ الهائل من الوجع والنقد المختبئ خلف المواقف الكوميدية.

مونودرام للرجال بركة عمل يقدم رؤية تراجيدية لحياة ممثلة وعلاقتها بالمسرح والحرية بقالب كوميدي يضحكك ويعرّيك امام ذاتك لتراجع افكارك بخصوص المرأة والمسرح والحرية.

 

https://ar.lemaghreb.tn/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح