أخبار عاجلة

العرض العام لمسرحية الغراب في مقارعة القدر والمجهول – عباسـيـة مدوني #الــجــزائــر

     انفتح جمهور سيدي بلعباس على مستوى ركح المسرح الجهوي لسيدي بلعباس على العرض العام لمسرحية ” الغراب” ، وذلك يوم السبت 28 من شهر ديسمبر 2019 ، مسرحية الغراب كتب نصها ” طالب محمد أمين ” ، وأسند فيها الإخراج لــ” فقيرة بارودي” ، أما المعالجة الدرامية ومساعد مخرج وكذا تقني إضاءة أسندت لــ” عباسية مدوني” ، في حين كانت السينوغرافيا لــ” يحياوي العيد” وكوريغرافيا ” شريف بن موسى لحسن ” ، و تقني الصوت كان ” طاهر بوزيان عبد الرحيم ” ، هذا وتقاسم شخوص العرض المسرحي الثنائي ” بوبركة سمير ” و” حلام يسرى ” .

  العمل المسرحي كمولود فني إبداعيّ أوّل جاء من إنتاج التعاونية الثقافية الإشعاع  للفنون ، بمساهمة الديوان الوطني لحقوق المؤلف من وهران ، رفع الستار عن العرض الأول وسط حضور جماهيري وازن من مختلف المشارب ، ليتقاسموا مع الفريق الفني والتقني مخاض تجربة مسرحية فتيّة أرادوا لها أن ترى النور لتخطو خطواتها الأولى لاحقا وسط آراء ونقاشات جادّة ونقد بنّاء وهادف .

العرض المسرحي بسينوغرافيته البسيطة وموسيقاه المواكبة لشتى الأحداث ،  وكوريغرافيته التي عرّت الوجدان والأحاسيس ، ونصّ  من رحم الواقع المعيش ، تلاحم فيه الممثلين كل من ” بوبركة سمير ” و” حلاّم يسرى” لإسقاط الأقنعة ، ودحض الطابوهات مع استفزاز الذاكرة التي مدّت جذورها لتنحت من واقع الأمر تفاصيلا شفافة وواضحة لكن المجتمع يسعى لحجبها بحجّة الشرف والعفّة والطهارة .

هندسة العرض أثّثت لعديد الإنتكاسات وموجة من الإنفعالات المتتالية التي تحمل المتلقّي على التجاوب ، التلاحم ، التفكير الجديّ وطرح عديد الاستفهامات حول ما يكابده الإنسان سواء كان رجلا أو إمرأة وسط صراعات لا متناهية من الضغوطات والمفاهيم المغلوطة وإن كانت الأحلام مرخّصة والطموحات مشروعة ، إلا أنّ جدار الطمع والعبث واللعب بمشاعر الآخر تجعل من مفهوم الوجود والعيش الكريم مجرّد مفاهيم عبثية وأن القيم المنادى بها ما هي إلا شعارات جوفاء أمام وحش مكنّى بالسلطة والجبروت والتسلّط والهيمنة باسم القوّة المطلقة بمفهومها العميق .

   ” الغــراب” كان ثنائية للذكريات والذاكرة ، ثنائية للحرية والعبودية ، ثنائية للحلم والموت البطىء ، ثنائية الحرية والتسلّط ، ثنائية النوايا الصادقة وما يضمره الآخر من شرور ، ثنائية للحب والسيطرة ، ثنائية للسلام  والاستعباد ، ثنائية المصير والقدر ، ثنائية الآني والمجهول ، ثنائية الخير والشر ،  معادلة مستحيلة في زمن الأطماع والرذيلة والألف قناع ، فكانت ” حياة ” رمزا للوجود ، للعطاء ، للحب ، للحلم العذري ، لتصطدم بوهم اسمه الطمع والمجتمع الذكوري الواهم بجبروته .

   ليكون الطرف الثاني في اللعبة الدرامية “ علي” حاملا بدوره قيما إنسانية  وأخلاقية ، فتح قلبه للحب ، ومدّ جسور الثقة والأمان للمسمّى   ” حواء” التي بدورها طمعت في جاهه وماله وأوهمته بحملها لطفل لطالما حلم به وأراده ، ليصطدم هو الآخر بجدار الخيانة ويفقد اتزانه ورجاحة عقله .

شخصيتا العرض حملتا عديد الدلائل والرمزيات على مستوى خطّ درامي انصهر فيه الانفعال والتفاعل ، الحب والكراهية ، الانسجام والانزلاق ، التناقض والتوازن ، الهواجس والأحلام ، وهذا بعمق فلسفي وفكري وتراجيديّ جعل من الفضاء الركحي لعبة شرسة ضمن سياق الأحداث المتتالية مدّا وجزرا وسط فضاء تجسّد في الشارع الذي احتضن شخصيتي العمل المسرحي كمشرّدين لفظهما المجتمع الذي ينادي بالفضيلة والعفّة والشرف دونما اعتبار للقيمة الإنسانية .

وفي سياق المعالجة الدرامية لـ” عباسية مدوني”  تمّ الحرص على كشف الشخصيتين عبر مراحل متأنية ، وكل مرحلة تؤسس بدورها لمزاج وهاجس وهوس معين ، للتعمّق في نقط التحول الذي يمرّ بها الإنسان على مستوى السلوك نتاج الهزّات والانكسارات والتحولات المتعدّدة ، مع توظيف صوت الضمير الإنساني الذي يسكن ” علي” برغم خصاصته وقلّة حيلته ، ولتكون ” حياة ” بوّابة مشرّعة لعديد الاحتمالات ، في محاولة جادّة نحو ملامسة نبض ونَفَس كل شخصية من شخصيات العرض .

من جهته المخرج ” فقيرة بارودي” ركّز بشكل جديّ على إدارة الممثل ، وتعامل مع شخصيات العرض وفق سياق الحوار الدرامي ، لتطوير قدرات كل ممثل على مستوى الأداء والإلقاء والتفاعل مع النص والأحداث على حدّ سواء ، لتحقيق الانصهار والانسجام ما بين شخصيات العمل المسرحي وملامسة الفكرة وشتى الإسقاطات التي فجّرت عديد القضايا من اضطهاد ، وتسلّط واغتصاب وكذا القيم التي أسسّت لانفراج العقدة ، وأن كلّ تغيير في مزاج الشخصية له دلالاته ورمزيته .

وعليه ، فإنّ العرض المسرحي الموسوم بــ” الـغراب” ، سيبقى عرضا منفتحا على عديد القراءات والدلالات والنقد الهادف ، وكأول تجربة مسرحية لفريق فتيّ يعدّ مولودا سيخطو خطواته الأولى بعد ترويضه عن طريق البرمجة على مستوى عديد المسارح والمؤسسات ، ويظل عرضا قابلا لعديد القراءات التي من شأنها أن تجعل من شخصيتي العرض أكثر تلاحما وأكثر انسجاما وأكثر واقعية ، مع الاشتغال الواعد على السينوغرافيا وعديد النقط التي سيتمّ تداركها في الآجال المحدّدة.

عن عباسية مدوني