أخبار عاجلة

العرض الرقمي وتجربة ربيع مروة – سباعي السيد #مصر

العرض الرقمي وتجربة ربيع مروة – سباعي السيد #مصر

“لقد أصبح العالم مجرد صورة نقلاً عن صورة نقلاً عن صورة، وتحول الى  عدد من عمليات الاصطناع والصور، دونما  أي صلة أو علاقة مرجعية مع أصل محدد، وهكذا ضاع مبدأ الواقع في متاهة المصطنعات (الصور) اللا متناهية المتخيلة والوهمية التي تروجها الميديا، وبذلك يفقد الواقع وجوده، ويصبح  تلك النسخ المصطنعة رقمياً عبر أجهزة الكمبيوتر، وعليه فإننا نعيش الآن في عالم “فوق واعي” هو العالم التكنولوجي الافتراضي.”

جان بودريار  (المصطنع والاصطناع)

بدأ استخدام التقنية الرقمية في المسرح وفنون الأداء ، التي انعكست قبل كل شيء في الفكر الفلسفي الغربي، كما في  مقولة بودريار ، قبل أكثر من عشرين عاماً، مع بدايات القرن الحالي، حيث بدأ اختبار هذه التقنية واستكشاف إمكاناتها وتوظيفها في العرض. وكما استوعب المسرح التقنية “التقليدية أو الخطية” عبر عصوره المختلفة، لم يكن من الصعب أن يجرب/ يستخدم الفنان المسرحي هذه التقنيات الرقمية في أعماله. كما نجد مثلاً لدى الفنان الكندي روبير لوباج وفرقة لا فورا ديلس باوس  الاسبانية التي تمزج بين التراث والتقنية الرقمية.

في السطور التالية سنحاول أن نلقي الضوء بإيجاز شديد على المسرح الرقمي وبداياته، وكيف استفاد الفنان العربي من إمكانات التقنية الجديدة، باعتبارها إمكانية وأفق للتجريب والاستكشاف الإبداعي، وانعكاساً في الوقت نفسه لأثر التقنية الرقمية المتزايد في حياتنا، بما لها من تداعيات اجتماعية وسياسية.

لقد بدأ استخدام التكنولوجيا الرقمية بإفراط في العروض الأدائية والراقصة مع بدايات القرن الواحد والعشرين، بشكل ينم عن انبهار المبدع المسرحي بالتقنيات الجديدة واستكشاف امكاناتها، فقد دعت رسالة الكترونية أرسلت إلى المجموعة البريدية المسماة (تقنية الرقص) Dance-Tech في عام 2001 لحضور العرض الجديد لفرقة (صحبة في الفضاء) ، ذلك العرض الذي وصفته بالعلامة الفارقة ، والمرحلة التالية من الأداء السيبرنطيقي. ووصفت الدعوة العرض بشئ من التفصيل، إذ يقدم الأداء المتصل عبر الإنترنت الذي يقوم به اثنان من الراقصين أحدهما في فلوريدا والآخر في ملبورن، يرتدي كل منهما سترة حساسة للحركة ، يقومان بالأداء في الوقت الحقيقي، ضمن بيئة واقع تخيلي مشتركة.

وفي البداية، قوبل توظيف التكنولوجيا الرقمية في الأداء والعرض المسرحي بالتشكك والارتياب، ومع ذلك  فقد تعالت أصوات تقول بضرورة قبول التطور واستيعابه  كما قال أنطونيو بيتزو: “يجب أن نقبل التطور: التكنولوجيات الجديدة في خدمة الممثل”

ويمكن القول بأن توظيف التقنية الرقمية في المسرح، تركز في مجالين أساسيين: مجال فن النت Net Art ، حيث يتم استكشاف آفاق العرض الحي عبر شبكة الإنترنت، وهو ما يطلق عليه أحيانا (مسرح أونلاين)، وغالباً يتم الأداء بوساطة الوب كام عبر شاشات الكمبيوتر من أماكن مختلفة حول العالم. أما المجال الثاني فهو توظيف التقنية الرقمية “داخل المبنى المسرحي” من خلال الاستخدام الكثيف للتقنية عبر أجهزة الاستشعار والبرمجيات المعقدة لرسم المنظر المسرحي، وتدريب المؤدين، والتصميم الكوريوجرافي، والشاشات التفاعلية التي تشارك في العرض من خلال بث صور “حية” تتناغم أو تتنافر مع أداء الممثل على خشبة المسرح.

ويعرّف الباحث المسرحي ستيف ديكسون العرض الرقمي  Digital Performance، في مؤلفه الضخم المعنون بنفس الاسم- بأنه  يتضمن بشكل عام كل العروض التي يلعب فيها الكمبيوتر دوراً أساسياً -لا فرعياً – في أشكال المحتوى والتقنيات والجماليات أو التصميم. وهذا يتضمن المسرح الحي والرقص وفن العرض الذي يتضمن عروضاً على شاشات أنشئت أو عولجت رقمياً، عروضاً للروبوت أو الواقع الافتراضي  VRأو أعمالاً مسرحية تستخدم أجهزة استشعار وتفعيل كمبيوترية، أو تقنيات عن بعد Telematic وأعمال أداء وفعاليات  يتم مقاربتها عبر شاشات كمبيوتر، بما في ذلك فعاليات المسرح التخيلي Cyber Theatre والعوالم التخيلية، وألعاب الكمبيوتر وأقراص السي دي وأعمال فن النت الأدائية.

لقد أتيح المجال لعدة فنانين عرب لخوض تجارب في العرض الرقمي، لأسباب عديدة منها استفادتهم من التقدم التقني والتجارب الأوربية في بلدان المهجر، ومنها أيضاً تمتع بعضهم بالخبرة والشغف والمعرفة التقنية التي تؤهلهم لذلك.

والتجربة التي نعرض لها في هذا المقال  هي تجربة الفنان اللبناني ربيع مِرِوَة وهو ممثل ومخرج وكاتب مسرحي ودراماتورج ومصور تليفزيوني وموسيقي. ابتدأ في ١٩٩٠ بإخراج مسرحياته الشخصية وعروضه الأدائية وأعمال الفيديو. قدم للمسرح العديد من العروض الرقمية التي تستخدم التقنية الرقمية بكثافة. مثل “البحث عن موظف مفقود” 2003 و”كيف بدي وقف تدخين” 2011 و و”ثورة مبكسلة” 2014  و”من يخاف التمثيل” ، و: “كم تمنت نانسي لو أن كل ما حدث ليس سوى كذبة نيسان”  وغيرها من العروض التي تعتمد على الشاشات ومزج السينمائي بالمسرحي.

منذ البداية ينسلخ مروة عن المسرح التقليدي فعروضه لا يطلق عليها مسرحاً وانما أسماها (محاضرات أدائية) وأحياناً أطلق عليها (أفكار قيد الدرس). في عام 2009 كتب مروة يقول: “لم تعد أعمالي المسرحية بحاجة إلى مسرح.. و لم تعد هناك ضرورة لوجود الممثلين أو المنصة أو إنتاج كبير أو غير ذلك.. لا يهمني المكان الذي يكون في الأداء، و لا عدد العروض المقدمة. ما يهمني هو الكلام الذي يحصل بعد انتهاء العمل. ذلك الكلام الذي ستنتج عنه الأفكار. ذلك الكلام الذي يتحول إلى أداء فيما بعد، والذي بدونه يصبح العمل الفني وكأنه لم يكن أبداً…”

وتدور عروض مروة  في معظمها حول وثائق سمعية وبصرية (كالأوراق والأفلام وتسجيلات الفيديو واليوميات والمحفوظات الصوتية. والصور، الخ)  وهكذا ينشيء مروة أرشيفا خاص به يساءل الاجراءات السياسية وحالات الرفض الرسمي لفترة الحرب الأهلية (1975-1990) ولكن ينتقد أيضاً استمرار  تأثير تجارب الحرب على الحاضر. الأرشيف هو مركز اهتمام ربيع مروة الجمالي والفكري لأنه ” يشكل الامكانية الوحيدة لعدم نسيان ما حدث في الماضي المؤلم، بل الامكانية الوحيدة لتأكيد أن ما حدث قد حدث بالفعل.”

قدم مروة بمسرح المدينة في بيروت أكتوبر 2003 عرض أو المحاضرة الأدائية “البحث عن موظف مفقود”. وتدور أحداثها حول الظروف المحيطة بالاختفاء الافتراضي لرأفت سليمان، الموظف في وزارة المالية اللبنانية. ويفترض أن هذا الخبر الافتراضي مبني على خبر حقيقي نشر في الصحف سنة 1996 تحت عنوان “زوجة موظف تبحث عن زوجها” . يقول مروة: “لقد جمعت صور المفقودين التي تظهر في الصحف منذ عام 1995. قصصتها وحافظت عليها في سجل خاص دون أية فكرة مسبقة تجاه هؤلاء الناس. يبدو لي أنه لتحقيق فردانيتنا يتوجب علينا دفع ثمن باهظ، كأن تختطف أو تقتل، أو تصبح شهيداً، وأنا بصراحة غير متأكد من أن كل هذا كاف لتحقيق ذلك.”

وتضم خشبة المسرح شاشتين كبيرتين موضوعتين بشكل متساو في الخلفية على الجانبين، يتوسط الخشبة مكتب وكرسي فارغ يواجه الجمهور. في الوسط وخلف الكرسي توجد شاشة متوسطة الحجم معلقة على نفس مستوى المكتب الصغير. في القاعة تم الاحتفاظ للممثلين بمقعدين: الأول يوجد على يمين الخشبة في الصفوف الأمامية، فيما الثاني على اليسار في الصفوف الخلفية، أمام المؤدي الأول “امام حاتم” وضعت طاولة صغيرة مع لوحة بيضاء سيتم استخدامها لرسم وكتابة الأسماء والمواقع المشار اليها في العرض وهو ما يوفر خارطة طريق تفسيرية للأحداث. هذه الرسومات ستظهر على الشاشة اليمني. أمام المؤدي يوجد ربيع مروة نفسه، وهناك أيضاً طاولة صغيرة حيث يتم عرض محتويات السجل، فيما صفحاته ترفرف تحت كاميرا فيديو.

يضم السجل قصاصات الصحف حول وقائع الاختفاء التي يسردها المؤدي للجمهور أثناء سرد الأحداث. ويتم عرض صفحات المدونات على الشاشة الكبيرة في الجانب الأيسر من الخشبة. يأخذ مروة مقعداً من بين المقاعد التي عادة ما تخصص للجمهور. ومن هذا الموقع يروي الأحداث المتصلة بقضية الموظف المفقود. يتم تثبيت كاميرا أمامه على المستوى نفسه من وجهه فتحال مباشرة إلى الشاشة الوسطى وراء المكتب. وهو ينظر إلى الكاميرا مباشرة، يتمكن مروة من التحديق الافتراضي في الجمهور، مباشرة في عيونهم

هنا يستخدم مروة بث صور الفيديو على المسرح استخداماً خلاقاً وجديداً، فبدلا من أن يبث صوراً لما هو خارج خشبة المسرح ، يقوم ببث صور للممثل الجالس على أحد مقاعد المسرح. وكما تشير الناقدة اليونانية كاتيا عرفارا : “من خلال تجسيده الافتراضي يقلب مروة العلاقة المادية التقليدية بين المشاهد والمؤدي عبر منعه الاتصال العيني المباشر، عدا ذلك المنقول من الكاميرا… ضمن هذا الوضع الملتبس الذي يوضع فيه المتفرج، تعمل الشاشات كعناصر رئيسة مؤثثة لخشبة المسرح، توظف باعتبارها عناصر غير موسطة للأرشيف الخيالي لربيع مروة. اضافة إلى ذلك تعكس بطريقة جد ملموسة حالة الشخص المختفي .. وبما أن الممثل يجلس بين الجمهور وينظر في الاتجاه نفسه مثلهم، أي اتجاه المسرح الخالي من أي وجود مادي للممثل، فانه يصعب على الجمهور متابعة العرض بالطريقة الاعتيادية.”

 لقد تساءل الناقد خالد أمين بحق عن الارتياب والهجوم الذي لقيته بعض التجارب الرقمية العربية قائلا “ألم يحن الوقت بعد للاهتمام بهذه الممارسات المسرحية التي أصبحت تغزو المسارح العربية المعاصرة؟ لماذا ينظر البعض اليها بتوجس.. وكأنها قذفت الى الوجود في البلاد العربية من حيث هي تأثيرات غربية يجب محاربتها؟ “
وأقول ختاماً ان العرض الرقمي الذي بدأ كثير من المسرحيين العرب يلتفتون اليه في زمن كورونا – موجود كإمكانية وأفق للاستكشاف والتجريب، لكن بدون وعي وانشغال حقيقي من المبدعين في البحث في إمكاناته وشروطه الإبداعية، وفي غياب البنية التحتية الضرورية في المسارح من معدات وبرمجيات وتقنيين، وفي ظل التقليد المتسرع لتجارب غربية،  سوف يتحول الى استعراض مجاني للتكنولوجيا لا قيمة له.

من سباعي السيد – مصر

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح