أخبار عاجلة

الظواهر المسرحية في المسرح العربي تاريخياً – د.راجي عبد الله #العراق

د.دراجي عبد الله

الظواهر المسرحية في المسرح العربي تاريخياً – د.راجي عبد الله #العراق

مقدمة :

لايمكن التطرق في هذا الموضوع للتطور التاريخي للمسرح  في الوقت الراهن  دون التطرق إلى أهم حقبة تاريخية حضارية إمتدت عبر آلاف السنين، وساهمت فيها شعوب وأمم مختلفة عاشت على وجه البسيطة، ومنها السومريون والبابليون في العراق القديم والفراعنة في مصر القديمة، أسوة باليونانيين القدماء الذين شكلت نهضتهم المسرحية إنعطافة جديدة في بلورة فكرة المسرح وتطويرها ونشرها عالمياً على مدى واسع من خلال روائع مسرحية عظيمة معروفة .

ومن خلال هذا فإن هذا البحث الموجز الذي  يختص بالممثل العربي ونشأة وتطور المسرح العربي وجذوره القديمة، والتعمق معرفياً في فنون وآداب تلك الشعوب التي عاشت في وادي الرافدين وفي حوض النيل، وهل عرفت المسرح أو تعاملت معه أم لا؟ من أجل  أن نؤكد المعلومات التي نراها ضرورية لهوية المسرح العربي تاريخياً.

وعليه فأنه سيكون من المفيد التطرق إلى مراحل متقدمة من تاريخنا العربي والإسلامي قبل وبعد ظهور الديانة الإسلامية , وهل أن العرب والمسلمون تعاملوا مع فن المسرح أم أن إهتمامهم بالشعر بإعتباره المصدر الأول للدراما كان هو الفن السائد آنذاك ؟

بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه والذي لايقل أهمية عن الأسئلة السابقة : ما هو موقع الممثل العربي في العصر الحديث , وما هي الأرضية التي يقف عليها المسرح العربي حالياً , ونوعية التجارب المسرحية العربية الراهنة , مع تشخيص الحاجة إلى التجدد والتطور المستمر.

وكخلاصة لما تقدم فإن الاساس الذي سينطلق منه هذا الموضوع برمته، هو تحليل واقع المسرح العربي تحليلاً موضوعياً مناسباً. فنحن كمسرحيين عرب جميعاً أحوج    ما نكون  إلى الربط بين حلقات موضوع يمكن أن يكون مجهولاً وصولاً إلى حالة معرفية عامة ,  وجمع هذا الشتات المبعثر من الوقائع والآثار التي يزخر بها التراث العربي .

غير أن موضوعاً واحداً لا يستطيع قط أن يجمع ويتطرق إلى كل المراحل التاريخية التي مرت بها الحركة المسرحية العربية , سواء كانت في نشأة هذه الحركة التي قد تعود إلى ألاف أو إلى  مئات السنين . إذ أن هذا الأمر يتطلب دراسة وافية تستند على الأدلة والبراهين , وتتوقف عند كل صغيرة أو كبيرة لمناقشتها وتقييمها والتحقق منها علمياً وعملياً . لكن الموضوع الجوهري الذي يمكن أن يساهم في بلورة الإفكار هو مقدار الإضافة التي تضيفها أية مادة إلى المواد الأخرى التي تظهر هنا وهناك وتكمل بعضها بعضاً . لهذا سيتم تناول الموضوع  والإجابة على تلك الأسئلة المطروحة بما تسمح به مساحة الموضوع ومداه كالتاليك

 

1 – المراحل التاريخية . وتنقسم هذه المرحلة إلى قسمين :

أ –  الحضارة السومرية والبابلية في العراق القديم:

لوحة الحرب والسلم السومرية

لا أحد يستطيع أن يحدد المرحلة التاريخية لنشأة الحضارة السومرية والبابلية القديمة على الإطلاق. ولا أحد يستطيع أيضاً أن يحدد الفترة الزمنية لظهور أدابها القديمة المختلفة , ومنها ملحمة كلكامش التي هي أول ملحمة عظيمة في تاريخ البشرية  والأساطير التي سبقتها أو رافقت ظهورها , فالبعض يرجع فترة تدوينها إلى أواخر الألف الثالث قبل الميلاد وبداية الالف الثاني قبل الميلاد لكن إنتاجها  ونضجها قد تم قبل هذه الفترة بكثير  . حيث بقيت تلك الملحمة وتلك الأساطير محفوظة في الذاكرة الشعبية عبر الرواية الشفوية جيلاً بعد جيل إلى أن تم تدوينها في النهاية في تلك الفترة المشار إليها أعلاه. وفي الحقيقة أن السومريين لم يتصوروا أنفسهم حديثي عهد في المدنية والحضارة بل عدوا أنفسهم ورثاء ماض بعيد ومجيد .

أن هاتين الحضارتين تعودان أصلاً إلى  حضارة وجدت قبلهما وهي حضارة أور البالغة في القدم، ولم يكن  منطقياً أبداً الفصل بين حضارة وأخرى دون العودة إلى التسلسل التاريخي للحضارات القديمة التي أثرت الواحدة بالأخرى وجاءت مكملة لها , مما أدى هذا  التطور اللاحق والمتواصل إلى نمو ونضوج  تفكيرالإنسان القديم وبلورة أمكاناته الأدبية والفنية  للتعبيرعن حياته ووجوده بطريقة هي أكثر عمقاً وسمواً وبلاغة عن السابق .

وفي هذا السياق لم تصلنا أية أدلة عن تاريخ تلك الرقم والالواح الطينية البالغة في القدم التي كتبت عليها  ملحمة كلكامش . هذه الملحمة ذات البلاغة الشعرية الراقية، وذات المدلولات الإنسانية العميقة التي طرحت موضوعة – الموت والخلود – بإسلوب درامي محكم من الناحية ألفنية . أضف إلى الملحمة تلك القطع الشعرية النادرة التي ظهرت في فترة مقاربة إلى فترة ظهور الملحمة أو ما قبلها .

بيد أننا إذا عدنا للموضوع الرئيس الذي نحن بصده، فإننا لا نستطيع قطعاً أن نؤكد أن هذه القطع الأدبية من ملاحم وأساطير هي قطع مسرحية. فالمسرح هو فعل يعتمد على المحاكاة وعلى التصوير ويعتمد ايضاً على الحوار وعلى الحكاية وحبكتها وتسلسلها الدرامي مهما كانت قوته ومهما كان ضعفه.

وعلى هذا الأساس لا يمكن الإستنتاج أن الملحمة بصيغتها – الأساسية – هي مسرحية تراجيدية  , أو انها مسرحية ملحمية مجهولة المؤلف تحكي قصة الملك ( كلكامش ) خامس ملوك سلالة الوركاء الأولى  ( السومرية ) . إلا إذا سلمنا بأن الأدب السومري لم يصل بعد إلى مرحلة البناء الدرامي الواضح الذي يعتمد عليه المسرح ولو بإشارات صغيرة وأكتفى فقط بالوصف للظواهر والأشياء وللصراعات الإنسانية بطريقة روائية فقط.

غير أن الصياغة الشعرية العالية للملحمة تستوقفنا كثيراً . فالملحمة أساساً مكتوبة من قبل شاعر كما وصلتنا , أو أنها دونت من قبل شاعر واحد في النهاية . إن هذا الإستنتاج يرتكز أولاً وأخيراً على أسلوب ومنهجية وبراعة وتجانس المفردات الشعرية من شاعر وإختلافها عند شاعرآخر . إن هذا التجانس في بناء الحكاية وقوة تصويرها والبلاغة في التعبير عنها لا يمكن قطعاً أن تكون متشابهة عند شاعرين أو ثلاثة شعراء على سبيل المثال , علماً بأن هذا الشاعر الفرد لا يشكل طفرة إبداعية فريدة  بمعزل عن التطور الشعري والوصفي الذي يحيط به أو بمعزل عن محيطه الأدبي والثقافي العام .

ومن منطلق وجود الشعر الرفيع وعلاقته بالمحيط الثقافي العام والسائد , يمكننا أيضاً أن نكتشف حلقة الوصل بينه وبين بقية الفنون الأخرى كالرسم والموسيقى وأخيراً المسرح , ونكتشف أيضاً صلة هذا الشعر الراقي بأداة التعبير عنه وأداة توصيله وإقتران الواحدة بالآخرى . إذ لا يمكن أن يكون الشعر مؤثراً دون إلقاء مؤثر , ولا يمكن أن تكون الحكاية مأساوية ومعبرة إلا عندما تقترن بقدرة من يرويها أو يحكيها للناس هنا وهناك  أو أن يمثل جميع مشاهدها الدرامية أو بعضها إلى جانب الرواية للمشاهد التي فيها وحدات زمانية متنوعة أو وحدات مكانية مختلفة .

لقد إنتشرت الملحمة في حضارات العالم القديم , ففي العراق القديم لم يقتصر تداولها على سومر وأكد بل إنتشرت إلى بلاد آشور وإلى أقاليم نائية من بلاد الأناضول وإلى مدن مختلفة في فلسطين القديمة ومنها مدينة ( مجدو ) المشهورة قديماً . 

إن الدراسات الكثيرة قد أكدت على أن الملحمة حفظت عن ظهر قلب وتناقلتها الاجيال جيلاً بعد جيل إلى أن تم تدوينها في حوالي نهاية الألف الثالث قبل الميلاد وبداية الألف الثاني قبل الميلاد  كما ذكرت . وهذا يعني قطعاً وجود أداة توصيلية لنقل الحكاية من زمن إلى زمن أخر ومن مكان قريب إلى مكان أبعد عاشته الأقوام الغابرة , وهذه الاداة التوصيلية تسند إلى السرد , والسرد هنا قد لايختلف كثيراً عن التمثيل الفردي العميق الجذور في منطقتنا والذي عرف في الشرق قبل ظهور المسرح بوضعه الذي ظهرت محاولاته الأولى في القرن الثامن عشر , وإلا كيف تم الحفاظ على الملحمة من الضياع والنسيان دون وجود الرواية الشفاهية المؤثرة والفعالة التي كان لها بالغ الأثر في ديمومتها  قبل تدوينها في النهاية على الرقم الطينية . هذا الأكتشاف لم يكن موجوداً أصلاً إبان ظهور الكتابة المسمارية وأعني به التدوين في الرقم الطينية.

ومع أن شخصيات الملحمة، سواء كانت حقيقية أو همية , فإنها شخصيات حية تصارع الموت والطبيعة وتتصارع فيما بينها صراعاً إنسانياً حتى وأن كان هذا الصراع يأخذ طابعاً دينياً قديماً يرتبط بالآلهة وتعددها , فهي شخصيات تتوحد وتتباعد في أطر الزمان والمكان وفقاً لنسيج درامي محكم غير قابل للتقطيع أو التبعثر أو الزيادة والنقصان , وهي عبارة عن رموز – فكلكامش – هو رمز للباحث عن الخلود , وصديقه – أنكيدو – هو رمز لقوة الإنسان الفاني وضعفه .

وهنا يمكن القول إن مشهد موت أنكيدو وتفسخ جثته سبعة أيام بلياليها وإمتناع كلكامش عن دفنه عسى أن حزنه ورثاءه لصديقه يستطيع أن يعيده للحياة من جديد , هو   من أرقى المشاهد الدرامية وأكثرها صدقاً في معالجة موضوع الموت في تاريخ الادب الإنساني قديماً وحديثاً . ويعتبر مشهداً مسرحياً متكاملاً دون ريب نظراً لتوفر كل الشروط الدرامية فيه . إن هذا المشهد في الملحمة ليس مشهداً  روائياً بل هو مشهد مسرحي يعتمد على ( المونولوج ) الداخلي لشخصية- كلكامش –  نظراً لوجود الحوار الذي يصارع  فيه فعلاً درامياً قل نظيره .

من جانب آخر فقد أجريت تجارب مسرحية عراقية معاصرة على الملحمة حيث قدمت وأخرجت على المسرح كقطعة درامية واحدة في عرض مسرحي عدة مرات دون إعداد للنص . ربما يعود هذا إلى حرص الفنانين العراقيين في الوقت الراهن على أن المسرح العراقي ضارب في القدم قبل غيره , لكنني أختلف معهم في تأكيد هوية المسرح العراقي القديم على هذا الأساس , إذ أن ملحمة كلكامش هي ملحمة أدبية تعتمد على الوصف وعلى الأفعال اللامرئية في الكثير من الأحيان في الوقت الذي نجد فيه أن المسرحية تعتمد على الأفعال الدرامية المرئية وعلى الحوارات وعلى الصور المرئية حتى وإن كانت تلك الأفعال والحوارات والصور وطرق كتابتها بدائية جداً .

فهل يا ترى أن السومريين والبابليين القدماء قد عرفوا فن الوصف وفن الرواية أو ( الملحمة ) دون أن يعرفوا أو يجربوا البدايات الأولى لفن التأليف المسرحي . إن هذا السؤال الصعب قد إستوقف الكثير من الباحثين نظراً لعدم وجود الأدلة والبراهين التي تثبت عكس ذلك , على الرغم من أن التطور اللاحق في احياء الطقوس الدينية ونوعيتها قد تطور أيضاً .

لكن إكتشاف بعض القطع النادرة تدلل كثيراً على أن السومرين والبابليين البابليين القدماء قد أنتجوا لنا الكثير من الموضوعات التي تتناول أصل الوجود والالهة وفي مقدمتها قصة الخليقة البابلية وما يضاهيها من أصول في النصوص السومرية , وأنتجو لنا أيضاً مجموعة قصص وأساطير مثل قصة إيتانا الراعي , والنزاع بين مدينتي الوركاء وكيش في قصة ( أكا وجلجامش ) وأساطير العالم الأسفل وغيرها.

كما أنه عرفوا فن المحاورة المسرحية من خلال العديد من القطع الأدبية النادرة مثل المفاخرة بين الصيف والشتاء والراعي والفلاح والنحاس والذهب وغيرها وأغلبها كتبت باللغة السومرية , أما في اللغة الأكدية فقد كتبت العديد المفاخرات الأدبية , ومن أدب التشاؤم والسخرية كتبت بعض القطع ومنها القطعة الشعرية الحوارية الهامة    ( العبد والسيد ) التي قدمت على خشبة المسرح عدة مرات بإعتبارها نموذجاً لفن المحاورة في العراق القديم . وبهذه الإكتشافات يمكن القول أن الأكديين والسومريين والبابليين , تعاملوا مع  فن المحاورة والتشخيص مثلما تعاملوا مع فن الوصف الروائي أو القصصي . كما أن الإكتشاف الذي قام به المكتشفون الاثريون في الستينيات من القرن الماضي بمدينة بابل , لمسرح مشابه للمسارح اليونانية القديمة التي كانت تقدم عروضاً مسرحية في الهواء الطلق , كان شبه دليل على وجود مكان تقدم فيه العروض . ولكن أية عروض ؟ هل هي عروض راقصة ؟ أم أنها عروض طقسية لها علاقة بأعياد ( دموزي )  تموز على ضوء ما ورد في الأسطورة السومرية – البابلية ( تموز وعشتار )  .

إن هذه الإفتراضات المنطقية تنقصها الأدلة الدامغة التي تثبت أن العراقيين القدماء عرفوا المسرح وتعاملوا معه قبل اليونانيين القدماء , نظراً لأن المسرح اليوناني العريق أثبت أنه أعرق مسرح في العالم من خلال المسرحيات العظيمة لأسخيلوس ويوربيدوس وسوسوفوكلس التي كانت وما زالت في متناول يد الجميع نظراً لحفظها وتدوينها تاريخياً , وهذا الأمر الهام لم يكتشف قطعاً عند السومريين والبابليين لحد الآن , نظراً لعدم وجود قطع مسرحية مكتشفة كالقطع المسرحية اليونانية التي يمكن قراءتها في حاضرنا كأنها كتبت قبل مدة من الزمان وليس أكثر من أربعة ألف عام قبل الميلاد .

غير أن الذي الملفت للإنتباه أن ملحمة كلكامش هي أقدم نوع من أدب الملاحم البطولية في تاريخ جميع الحضارات , وهي أطول وأكمل من بقية الملاحم التي أنتجتها حضارات العالم القديم , ولا توجد ملحمة تقارن بها أو تضاهيها من آداب الحضارات القديمة مثل ملحمة الإلياذة والأوديسا في الأدب اليوناني القديم .

لكن الغريب في الأمر إن  الكثير من الأعمال المسرحية اليونانية ظهرت بعد ظهور ملحمة الإلياذة والاوديسا لهمويروس , كما أن أغلب تلك المسرحيات الكلاسيكية ذات البلاغة اللغوية الراقية قد جاءت تتويجاً لبلاغة الوصف في هاتين الملحمتين , بالمقابل نحن لم نعثر على أية قطعة مسرحية متكاملة ظهرت بعد ملحمة كلكامش في العراق القديم . إذ ربما تتوفر فرص أخرى للتنقيب في وادي الرافدين , ولربما تظهر أدلة أخرى على وجود مسرح عريق , أعرق من المسرح اليوناني الذي يجمع كل الباحثين على أنه المسرح الأعرق في العالم .

ب – الحضارة الفرعونية في مصر القديمة :

من الرسوم الفرعونية

إن هذه الحضارة العريقة أيضاً , لا تنفصل قطعاً عن التطور والتواصل الحضاري بين الحضارات القديمة جميعها . فهي حضارة إنسانية بالغة القدم أنتجت للبشرية أدباً سامياً وبالغ الأهمية , وأثرت تأثيراً كبيراً على حياتنا المعاصرة من خلال ما قدمته من إنجازات بالغة الروعة وقل نظيرها . ولست هنا بصدد تسليط الأضواء على النتاجات الإبداعية الكثيرة للفراعنة المصريين فهي كثيرة ولا تحتاج قطعاً إلى تسليط الأضواء عليها , فهي واضحة وبينة وشامخة شموخ الإهرامات والمعابد الأثرية التي تنتشر في مناطق مختلفة من وادي النيل .

لكن مهمة هذا البحث هو تسليط الاضواء على مواضيع محددة وهامة ألا وهي الأشكال الدرامية الفرعونية , وهل أن الفراعنة القدماء قد عرفوا فن المسرح وتعاملوا معه ؟ وما هي القطع الأدبية التي لها علاقة بالمسرح والتي تركوها لنا للدلالة على هذا الأمرمن أجل إثباته ؟

وبإعتقادي أن الظواهر المسرحية في مصر القديمة هي أكثر وضوحاً من وجود بذور الدراما في العراق القديم , وذلك لوجود القطع المسرحية المكتوبة التي تم إكتشافها في العصر الحديث وبالتحديد في القرن الماضي , حيث كانت مكتوبة على جدران المعابد أو على أوراق البردي , والتي تحمل في نوعية بنائها الفني شيئاً من فكرة أو هيكلية البناء الدرامي .

لكن الشيء الذي يمكن الإشارة إليه في هذا الصدد أن هذه القطع المكتوبة جاءت نتيجة التشابه الواضح في المعتقدات الدينية القديمة , على الرغم من ألإختلاف بين الألهة الفرعونيين وبين الاله السومريين والبابليين , وجاءت كخلاصة لتشابه الطقوس التي عاشتها تلك الأقوام الغابرة , وليس غريباً أن يكون هذا التشابه في الطقوس والمعتقدات القديمة ما دامت صلة الإنسان بالوجود والطبيعة ونظرته الفلسفية إلى الحياة والموت قد تكون متشابهة في تلك الفترة . لكن الإنتاج الإبداعي قد يتشابه أو يختلف , يقترب أو يبتعد عن الآخر وفقاً لخصوصية هذه الحضارة أو تلك .

وعليه فإن إكتشاف القطع  الفرعونية القديمة ( المحجوبة ) المكتوبة في بعض االبرديات التي وجدت في معبد ( الرامسيوم ) عام 1896 م . والتي تعود إلى حوالي 2935 ق . م  تؤكد على أن الفراعنة القدماء قد تعاملوا مع فن المسرح . إن دراسة هذه النصوص فيما سيأتي ذكره , تدل على أنها نصوص طقسية مشبعة بالغموض وتميل إلى الرمزية .

وهنا يمكن القول أن مصر الفرعونية قد شهدت من خلال هذه القطع الدينية شكلاً من أشكال الحركة ( المسرحية ) , وقد تطور هذا الشكل بمرور السنين وتحول إلآن في مصر إلى ما يسمى بإسم مسرح ( السامر ) , وهو شكل يقيمه الفلاحون المصريون إحتفالاً بأوقات الحصاد , وعليه , وعند إحداث مقارنة بين الأشكال المسرحية التي كانت تقدم بالأمس البعيد والتي تقدم اليوم , يمكن الوصول إلى أن فكرة مسرح السامر مشتقاة جذورها من تلك الأشكال المسرحية الدينية التي كانت تقام في زمن الفراعنة , بإعتبار أن العادات والتقاليد والطقوس مهما كان نوعها يمكن أن تتواصل من جيل إلى جيل وأن يرثها الحاضر من الماضي القديم .

ومن أهم هذه القطع حكاية الأخوين  ( الصدق والكذب ) التي تسربت إلى الحكايات الهندية وحكايات ألف ليلة وليلة , كما أن الكثير من الحكايات المشابهة لها قد رويت في جنوب أوربا وجنوب شرقها . أما أشهر الحكايات المصرية في حكاية الأخوين هي ( أنوب ) وباتو التي دونت قبل الميلاد بحوالي ألف وثلاثمائة سنة .

وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى أن حكاية ( ألاخوين ) للأخوين جرم تقترب كثيراً من  حكاية الأخوين المصرية القديمة . ويعتقد بعض الباحثين إن حكاية الأخوين جرم ترجع الى العصر الهندوجرماني القديم , وإن الحكاية المصرية قد تطورت عنها وهذا الإحتمال بعيداً نظراً لقدم الحكاية المصرية , ويميل بعض الباحثين أن حكاية الأخوين المصرية ليست حكاية خرافية على الإطلاق , وإنما يعتبرونها إسطورة آلهة لأنها تتضمن ملامح أسطورية كثيرة تتحدث عن فرعون , وفرعون هو كائن إلهي  .

إن هذه الأسطورة كما يذهب الباحث فردريش فون ديرلاين (  Friedrich von der Leyen   ) في كتابه الهام ( الحكاية الخرافية ) ( Das Marchen ) إلى أن حكاية الأخوين المصرية هي صورة مسرحية لشكل إسطوري جاد من الممكن أن نعثر على ملامحه في الطقوس كذلك .

بالإضافة إلى ما تقدم يمكن التطرق إلى نص ( شبكو ) كنموذج يحمل مواصفات الدراما الحقيقية , فهذه القطعة المسرحية التي حصلت أحداثها بعد موت ( أوزوريس ) وإعادة بعثه تشتمل على فكرة ( الكورس ) الجوقة المسرحية وعلى وجود نمو وبناء درامي كما هو معروف .

ومما لا شك فيه أن دراسة هذه النصوص وغيرها ومنها نص ( لعبة فتيات الريح الأربع ) تؤكد أن مؤلفي الدراما الأغريق قد إستفادوا في مسرحياتهم من الطقوس الدينية لكهنة مصر القديمة , خصوصاً تلك المسرحيات التي تتناول سيرة أوزوريس .

وبهذا الخصوص يمكن العودة إلى ما توصل إليه الباحث فون دير لاين إلى أن حكاية (  اللص الماهر) للمورخ الأغريقي ( هيرودوت ) هي أكثر إحتمالاً في أن أحد القصاصين المصريين القدماء قد إخترعها . كما أن الكثير من الحكايات المنتشرة الآن مع حكاية هيرودوت تنتمي إلى روايات قديمة جداً .

وبإعتقادي أن هذا التشابه في ألحكاية لا يعني قطعاً فصلها عن جذورها وأصولها التاريخية . ويؤكد بالضرورة على وجود تواصل حضاري فعال ومؤثر بين مصر الفرعونية وبين بلاد الإغريق وروائيه ومؤلفيه الأقدمين . بيد أن هذا التأثير الأدبي والفني على بلاد الإغريق بحاجة إلى الكثير من البحث والأدلة الدامغة والبراهين التي يمكن أن تعيد الترابط بين تلك الحلقات المفقودة مع بعضها في سلسلة التاريخ الطويلة التي تمتد إلى قرون عدة , على الرغم وجود بعض الإشارات على هذا الموضوع .

ولكن على ضوء دراسة الأشكال الطقسية المصرية القديمة وإستناداً إلى بعض البحوث التي نشرت هنا وهناك في مجلة( المسرح المصرية ) , نجد أن هنالك شكلين من الإحتفالات الطقسية التي كانت تقام آنذاك .

الأولى :  تلك التي كانت تؤدى داخل المعابد ولا يسمح لعامة الشعب أن تراها , بل كانت قاصرة على الملوك والأمراء والكهنة . إن هذا الأمر يمكن القبول به من الناحية المنطقية إذا تقدمنا قليلاً وقارنا هذا بمسرحيات الأسرار والمعجزات التي كانت تتناول سيرة السيد المسيح والتي كانت تقدم في الكنائس فقط إبان القرن الثالث والرابع عشر في أوربا .

الثانية : تلك التمثيليات للقطع المسرحية التي كانت تقدم أمام المعابد وكان يقوم بأدائها الممثلون بالمعنى القديم للتسمية , ويراها الجمهور الذي كان يدرك بأن ما يجري أمامه ما هو إلا تمثيل أو (  تقليد ) للحكاية الأصلية .

إن هاتين الحالتين الأولى والثانية بحاجة إلى إثبات أكثر للدلالة عليهما من أجل توثيق حدوثهما . وهنا أجد من المهم جداً أن أشير إلى دليل آخر على وجود بدايات فن التمثيل ووجود الممثل الفرعوني في مصر القديمة , هو ما قدمه الإكتشاف لإحدى اللوحات في معبد ( آدفو ) عام 1922 , حيث كتبت عليها كلمات مهداة من الممثل الأول إلى ممثل آخر تقول :

 ( كنت ذلك الذي يتبع سيده في كل جولاته دون ضعف في الأداء , وكنت أرد على سيدي في كل أدواره , فإذا قام بدور ( حور ) كنت أقوم بدور الحاكم ) .

وما من شك , أن الفنانين والباحثين المصرين والقائمين على الفن والمسرح المسرحي , أرادوا أن يثبتوا من أنهم أقدم من غيرهم في التعامل مع المسرح القديم , من خلال تلك التجارب التي قدمت في مصر القديمة , وهذا حق طبيعي لجميع شعوب الأرض في إثبات وجودها الحضاري وتاريخها الإبداعي , ومثلما عمل الفنانون والباحثون العراقيون أن يثبتوا أن السومرين والبابلين هم أقدم من عرف فن المسرح وتعامل معه , فإن الأمر يتطلب الكثير من الجهد المبذول الذي يقترن بالأدلة لتغيير المفهوم السائد لدى جميع شعوب الأرض من أن الأغريق هم أول من عرف فن المسرح وتعامل معه .

وفي هذا الإتجاه ولغرض المبدرة في تأكيد هذه المعلومة الجديدة الحقيقية , فقد قامت وزارة الثقافة المصرية في ربيع عام 1967  بدعوة المخرج الإيطالي فرانكو زيفرللي ( (  Franko Zaverlle لتقديم إحدى العروض المسرحية , وقد وقع الإختيار على نص ( فتيات الريح الأربع ) لتقديمها بإسلوب حديث , وكان من المتوقع أن تقدم المسرحية على مسرح ( أبو الهول ) غير أن المشروع لم يتم بسبب إندلاع حرب 1967 .

إن هذه المحاولات التي قام بها العراقيون أو المصريون على حد سواء , هي محاولات مهمة جداً لكنها غير مجدية بشكل كامل لإثبات أن هاتين الحضارتين العريقتين قد كانت فيها نهضة مسرحية وليست نهضة أدبية فقط قبل غيرهما , لكن تغيير الأفكار السائدة وتصحيح ما هو خاطئ في تاريخنا الإنساني يحتاج إلى بحث دؤوب عن أهم الدلائل التي تؤكد ذلك , وأعني بها البحث والتنقيب عن النصوص القديمة ونشرها ليطلع العالم أجمع على صحة هذا الأمر . على الرغم من قدم هاتين الحضارتين العريقتين وصعوبة العثور كنزها الادبية والفنية الثمينة .

ج – العرب القدماء والمسرح :

1 –  قبل ظهور الإسلام :

مجلس عربي، بريشة هوراس فرنييه (1834)

إن الدراما كما يقول أرسطو منظم التراجيديا اليونانية هى فن ( نظم الشعر ). وقد إستند في رأيه هذا على القيمة الشعرية للملاحم والأساطير اليونانية ومنها ملحمة الإلياذة والأوديسا التي يعود مصدر تأليفهما إلى ( هوميروس ) كما يذهب بعض الباحثين. ومن خلال نظم الشعر ظهرت لنا العديد من الروائع المسرحية اليونانية القديمة التي ما زالت تؤثر فينا حتى يومنا هذا على الرغم من مرور عدة قرون على تأليفها . إذن .   للشعر دور هام وأساسي في التأثير على كتابة النصوص المسرحية , ولنا أمثلة كثيرة على هذا.

بيد أن الشعر العربي في مرحلة الجاهلية الأولى والثانية،  قد أظهر لنا نتاجات شعرية عظيمة لشعراء المعلقات مازالت تؤثر فينا أيضاً حتى يومنا هذا , على أنها نماذج فريدة  للشعر العمودي ( الكلاسيكي ) في عموم الأدب الإنساني.

لكن السؤال المطروح:

لماذا لم يعرف العرب الأقدمون فن المسرح ولم يتعاملوا معه، وهم لديهم هذا الخزين الكبير من الشعر الراقي والمؤثر، ولديهم هذه القدرة الكبيرة في الوصف والتشبيه والتعبير؟

ولماذا لم يتحول الشعر العربي من فن الوصف إلى فن نظم الشعر التمثيلي مثلما حدث في زمن اليونان، ونحن نعلم أن أية قصيدة من تلك القصائد البالغة الروعة تحتوي أبياتاً  فيها صوراً ملحمية نادرة ؟  وللجواب على ذلك، يمكن القول إن كل الدلائل تشير إلى أن الشعر العربي القديم قبل ظهور الإسلام كان يدور في دائرة واحدة لم يستطع الخروج منها، وتلك الدائرة ترتبط أساساً بالبيئة والطبيعة وترتبط بالقبيلة والمفاخرة والبطولة، وهي بحد ذاتها موضوعات بسيطة جداً إذا ما قورنت بتلك التي بلغها السومريون والبابليون والفراعنة وحتى اليونانيون القدماء .

إن الأدب والشعر القديم  قد طرحا موضوعات فلسفية غاية في الأهمية , لأن فيها موقفاً من الحياة والوجود كما ذكرت آنفاً , وتحتوي على  رؤية واضحة لمناقشة موضوعة الموت التي قد نشترك نحن جميعاً في البحث عنها فلسفياً . لكن الأدب والشعر العربي في الجاهلية بمراحلها المختلفة لم يتعمق كثيراً في طرح تلك الأفكار الإنسانية الهامة التي طرحها الأقدمون على الرغم من أنهم يمتلكون لغة أدبية راقية لا تقل رقياً عن تلك اللغة القديمة .

إن الجاهليين تعاملوا مع فن التشبيه من خلال المنحوتات التي كانت ترمز للآلهة هبل والللاة والعزى حتى وإن كانت بدائية وفطرية , وكانت حياتهم مليئة بالروح القبلية التي لا تستند إلا للمآثر والبطولات الفردية ولديهم ميزات وممارسات إجتماعية كانت يمكن أن تشكل حافزاً للتعامل مع أنواع مختلفة من الفنون ومنها المسرح . لكن هذا لم يحدث .

يذهب الباحث جاك بيرك إلى أن السبب هو عدم صلاحية اللغة العربية الكلاسيكية بجزالتها وفخامتها للحوار الدرامي ولا تنسجم مع مستويات التواصل في الخطاب المسرحي ( 5 ). ويذهب الباحث التونسي محمد عزيزة في ذلك، إلى أن العرب  لم يروا في المآسي اليونانية إلا نصوصاً بسيطة موزونة وأشعار حوارية غريبة ( 6 ).

ولمناقشة الرأي الأول يتطلب منا العودة إلى النصوص الكلاسيكية القديمة  ذات البلاغة الشعرية العالية التي كانت أيضاً جزلة وفخمة  في أعمال أسخيلوس ويوربيدوس وسوفوكلس , وحتى في أعمال شكسبير وكرستوفر مارلو التي تعتمد أولاً وأخيراً على دقة الوصف بإستخدام فخامة اللغة وجزالتها . بل أن أحد العناصر الهامة في الكلاسيكية القديمة  هو عنصر اللغة الراقية كأداة أساسية من أدوات التعبير الدرامي أكثر بكثير من الحبكة الدرامية والتسلسل الدرامي للمشاهد . وليس هنالك دليل أكبر من العودة إلى اللغة الراقية التي كتبت بها تلك ( المنولوجات ) الداخلية  للتعبير عما يجول في نفس البطل من أحاسيس ومن صراعات مختلفة بلغة عالية المستوى . ومنها على سبيل المثال لا الحصر ( منولوجات ) شخصية هاملت وشخصية أنتيجونا , التي من الصعب القول أنها حوارات داخلية لم تستخدم فيها لغة شعرية عالية التأثير .

أما الرأي الثاني قد يكون صائباً في حالة وجود بينات وشواهد مكتوبة تؤكد على أن العرب الاقدمين قد إطلعوا على المآسي اليونانية , أو أن تكون هنالك حالة من التواصل الأدبي والمعرفي بين الحضارة اليونانية القديمة وبين العرب قبل ظهور الإسلام أو بعده .

إن العرب القدماء – حسب رأيي – لم يطلعوا على ما يدور حولهم وما قبلهم من أدب وفن مسرحي أو ملحمي سواء كان سومرياً أو بابلياً أوفرعونياً أويونانياً، وليس هنالك من أدلة مقنعة تثبت أنهم تواصلوا مع محيط أبعد من محيطهم الذي لايتعدى الجزيرة العربية واليمن والهلال الخصيب .

حتى أن معتقداتهم الدينية قبل ظهور الإسلام لها خصوصيتها الكاملة . نعم . إنهم كانون يؤمنون بتعدد آلألهة مثل الذين سبقوهم , لكنهم لم يتعاملوا معها على شكل ملحمي أو أسطوري أو طقوسي إحتفالي , ولم ينظموا ألأشعار التي تتناول الآلهة وإنصافها مثلما كان ينظم الشعراء في المراحل الأولى من نشاة الحضارة الإنسانية وأثناء تطورها . إن الطقوس الدينية القديمة والأعياد الموسمية لعبت دوراً هاماً في ظهور المسرح منذ القدم . بيد أنها لم تلعب نفس الدور في ظهور أية بادرة توحي بأن لها علاقة بالمسرح عند العرب القدماء .

إن سوق عكاظ والقصائد الشعرية للشعراء الجاهليين التي علقت على أستار الكعبة قبل ظهور الإسلام، هي الظاهرة الوحيدة التي تؤكد لنا أن هنالك نشاطات شعرية موسمية تدعى لها القبائل من مناطق الجزيرة العربية المختلفة . لكن سوق عكاظ لم يكن فيه أي نشاط غير النشاط الشعري والمباراة الشعرية بين الشعراء التي كانت تقام في تلك الفترة .

من جانب آخر أن الملفت للنظر هو دور – الرواة  – في نقل الحكايات والأساطير الشعبية الكثيرة قبل الإسلام ونشرها من مرحلة إلى أخرى والحفاظ عليها عبر الرواية الشفهية , كان مشابهاً لدور الرواة  في الحفاظ على ملحمة كلكامش والأساطير السومرية والبابلية عبر الرواية الشفهية الشعبية حتى تم تدوينها فيما بعد . لكن الفرق هنا أن العرب في تلك الفترة لم يدونوا تاريخهم وقصصهم وأساطيرهم الكثيرة ولم يفكروا بذلك قط إبان ظهور تلك الحكايات والأساطير الشعبية ولا بعدها بكثير.

لقد كانوا يتناقلون أخبارهم وحوادثهم عن طريق الرواية حتي أصبحت بعض أساطيرهم وحكاياتهم  مليئة بالمبالغات التي يصعب تصديقها , فقد نسبوا إلى أبطالهم طولاً مفرطاً , وأعماراً لم يعشها أي إنسان في الوجود , وبطولات خارقة لا يستطيع أي إنسان القيام بها . إن هذه المبالغات هي نفسها التي كان يستخدمها الرواة في جميع العصور والمراحل , من أجل أعطاء ما يرونه أهمية كبيرة للمستمعين أو لمتتبعين الحكاية الشعبية أو الاسطورة . إن الإضافات للأساطير والحكايات الشعبية لا تنفصل قطعاً عن طبيعة تلك الأقوام الغابرة وعن حبهم لأبطالهم بإعتبارهم رموزاً تاريخية لايمكن قهرها على الإطلاق , مثلما نجد ذلك في قصة عنترة إبن شداد والملك سيف بن ذي يزن التي لعبت فيها المردة والجن والسحرة فصولاً وأدواراً لا يمكن فصلها عن تلك الأساطير .

بالمقابل من تلك الأساطير التي تعتمد على المبالغات , فقط ساهم – الرواة – عبر ذلك التاريخ في الحفاظ على السير والقصص الحقيقية التي حدثت في ذلك الزمن من جيل إلى جيل , ومن بينها سيرة ( الزير ) أبو ليلى المهلهل بن ربيعة وحرب البسوس التي إستمرت من عام 494 – 531 ميلادية ( 7 ) والتي لم تدون قطعاً إلا في كتاب الاغاني لأبي الفرج الاصفهاني نقلاً عن رواة عاشوا في أزمان مختلفة بالغة في القدم مقارنة بالفترة الزمنية لتدوينها من قبل الأصفهاني .

بالإضافة إلى ذلك هنالك العديد من القصص والحكايات التي تلت سيرة ( الزير ) وتم الحفاظ عليها عبر الذاكرة الشعبية حتى تم تدوينها مؤخراً  تحت إسم  ( سيرة بني هلال)  وعددها 31 قصة ورواية مجهولة المؤلف من بينها سيرة أبو زيد الهلالي المحببة كثيراً إلى قلوب عامة العرب منذ تلك الفترة البالغة في القدم إلى فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي .

وفي هذا المجال , لابد أن تتوفر في ( الراوي ) شروط وأدوات فنية تختلف عن غيره من الناس  حتى يكون مقنعاً ومؤثراً في سرد الحكاية , ومن هذه الشروط والأدوات قوة الذاكرة الحافظة للحوادث وتطورها وتسلسلها القصصي , والقوة الصوتية على إيصال ما يرويه للمستمعين من خلال شدة الصوت والتلوين الصوتي وترتيل الأشعار أو غنائها , وإستخدام أحاسيسه ومشاعره الداخلية للتعبير عن المواقف المحزنة أو المفرحة إلى غير ذلك من الأمور .

فهل يمكن إعتبار ( الراوي ) ممثلاً فطرياً عبر مراحل التاريخ المختلفة ومنها تاريخنا العربي القديم ؟ وهل هنالك تشابه بينه وبين ( الحكواتي ) الذي إنتشرت شهرته في سوريا ولبنان والعراق إلى وقت قريب وهو يحكي وينشد الحكايات في المقاهي والأماكن الخاصة ؟ وهل يمكن القول أنه إمتداد للراوي الذي كان يروي الحكايات في السابق ؟

إن الحكايات والسير الشعبية العربية التي كتبت في زمن الجاهلية والتي كان يرويها ( الرواة ) الأقدمون هي ذاتها التي كان يرويها ( الحكواتيون ) على ظهر قلب في العصر الحديث دون أن يستخدموا النص المقروء حتى بعد تدوينه . لكن الذي إختلف هو الزمان والمكان  ,  وإختلفت أسماء أولئك  المبدعين الفطريين المجهولين الذين كانوا ينقلون تلك الحكايات والروايات لعامة الناس ,  وبهذا حافظت  تلك المرويات والحكايات والأساطير على وجودها هي  كما رواها الذين سبقوهم عبر المرحل المختلفة والمتعاقبة من هذا التاريخ الطويل .

2 – بعد ظهور الإسلام :

يمكن القول  أن لا وجود للإدلة والوثائق الواضحة التي تثبت أن العرب القدماء قد تعاملوا مع فن المسرح على الإطلاق , خاصة في المراحل الأولى من ظهور الدعوة الإسلامية في الجزيرة العربية وإنتشارها في مناطق مختلفة من اليمن والهلال الخصيب وبلاد الرافدين . فقد بقي الحال كما هو عليه في السابق على الرغم من إنحسار العادات والتقاليد والممارسات والأفكار الوثنية شيئاً فشيئاً .

لقد رافق هذا التحول الجديد في المجتمع العربي بعد الإسلام الكثير من المعطيات الإنسانية التي توحد بين الناس والمجتمعات بعد أن كانت تعيش الحالة القبلية بكل أشكالها , وتعيش حالة التجزأة بين الأمم والشعوب على إختلاف أنواعها . هذا يعني بروز ظاهرة جديدة لم تكن موجودة في السابق , وظهور حالة من التمازج الحضاري بين تلك الشعوب التي كانت حضاراتها مجزأة وخاصة بها دون غيرها .

لكن هذا لم يحدث على الرغم من أن الظروف أصبحت مهيأة لتقبل ما هو جديد وما هو إيجابي يتناسب مع بناء مجتمع جديد من الناحيتين الأدبية والفنية ومنها المحاولات المسرحية أو بوادرها الأولى . فقد ظل الشعر هو السائد كما كان في السابق , وبقيت الحكايات والأساطير هي التي تروى على الأغلب , وتم التوقف من إستخدام التشخيص عبر المنحوتات وتوقف التعامل مع الرسم الفطري حتى وإن لم يكن في السابق غير مرئي أو سائد على الإطلاق .

وبدلاً من هذا وذاك فقد برزت ظاهرة قل نظيرها إلا وهي الإهتمام بالخط العربي والزخرفة الإسلامية وأصبحت لها مدارسها وروادها ومتعلميها في الكثير من البلدان , وأصبح لها التأثير الواضح عالمياً على إعتبار أن الخط العربي والزخرفة الإسلامية فن بصري على درجة كبيرة من التألق الإبداعي الدائم . لكن السؤال الذي يطرح نفسه مجدداً لماذا لم يتعامل العرب بعد الإسلام مع البواكير الأولى للفن المسرحي وهم يمتلكون  رؤية إبداعية أخرى  في ظل إنتقالهم التدريجي إلى مرحلة حضارية وحياة مدنية لم تكن موجودة في السابق ؟

وبإعتقادي أن هذا يعود إلى تأثير الذهنية السائدة المتوارثة من جيل إلى آخر بالنسبة إلى فن التشبية , فهم ينظرون إليه إلى أنه حالة لا جدوى منها في ظل هذا التطور في فن صياغة الشعر أو الرواية أو حتى الأساطير الخرافية . نعم . لقد كان لديهم هذا الميل الواضح لكل أشكال الدراما الأخرى ولم يكن لهم أي ميل بإتجاه فن المسرح ولو بأشكاله البدائية .

لقد كانوا يتقنون فن الحكاية ويتقنون أيضاً فن المحاورة بين الشخصيات . إن هذا واضح في الكثير من القصص والحكايات القديمة , وهذان الأمران , أي فن الحكاية وفن المحاورة هما ملازمان وجوهريان في كتابة النص المسرحي حتى وإن كان بدائياً . لكنهم حادوا عنه لأسباب كثيرة , لعل أهمها أنهم لم يطلعوا على التجارب المسرحية الأخرى في ذلك الزمان , سواء عن طريق المشاهدة أو القراءة , أو أنهم لم يدركوا بعد تأثير تلك الأعمال المسرحية نصاً وتمثيلاً على بناء شخصية الناس أو المجتمعات وعلى تعميق ونمو وتغيير مداركهما المختلفة .

يذهب بعض الباحثين على أن العرب قد حرموا التعامل مع المسرح بعد الإسلام . وفي الحقيقة لايوجد أي نص ديني يدعو إلى تحريم هذا الفن أو وجود فتوى تمنع مزاولته , وقد إتفقت معظم أراء الدارسين على أن الإسلام قد حال دون إقتباس هذا الفن , لأنه يتعارض مع روح الدين الإسلامي , ولأنه يتعارض مع الطبيعة العربية .

ولمناقشة هذا الرأي لا بد من التأكيد على أن التحريم  يجب أن يقترن بفعل محرم معمول به وموجود في الحياة أو الطبيعة الإنسانية . لكن المسرح أو بواكيره الاولى لم تكن موجودة أساساً في الحياة العربية القديمة قبل الإسلام . فكيف يمكن تحريم شيء لم يكن موجوداً أصلاً ؟ أضف إلى ذلك إن الأقتباس يعني وجود شيء يمكن الأخذ منه أو تحويره وتغييره وفقاً لرؤية جديدة ؟ هذا يعني وجود مقتبس فني قادم من بلدان مختلفة حتى يتم إقتباسه . فأين هي الأدلة العلمية التي تؤكد لنا هذا ؟ وأين هي الوثائق التي تظهر لنا أن العرب في المراحل الأولى من ظهور الديانة الإسلامية بدءاً من الخلافة الراشدية وصولاً إلى الدولة الأموية في الشام ,  قد عرفوا فن المسرح أو بذوره أو إقتبسوهما من غيرهم سواء كانوا يونانيون أو رومانيون ؟ لقد كان التحريم يشمل العبادة الوثنية للأصنام وصناعتها , هذا صحيح وما عدا هذا فإن الأمر يحتاج إلى ألادلة والبراهين المتوبة أو المشهود لها حتى وإن كانت قليلة .

صحيح أن هنالك رأياً  طرحه الحكيم يذهب إلى إن الإسلام لم يكن عسيراً على فن من الفنون , إذ سمح للناقلين أن يترجموا كثيراً من الآثار التي أنتجها( الوثنيون )، ويرى أن صعوبة فهم القصص الشعري التي تدور حول الأساطير اليونانية المتعددة , وغرقها في المثيولوجيا حال دون فهما وإستيعابها ومن ثم ترجمتها  .

ولكن في أي زمان ومكان كان ذلك ؟ وكيف أن غرق المثيولوجيا اليونانية حال دون ترجمتها إذا لم تترجم أصلاً أو أن يترجم بعضها ويتوقف لصعوبة ترجمتها ؟  وما هي الأدلة على الإستحالة التي تثبت هذا الرأي ؟

لقد حرم المسرح بعد ظهور الديانة المسيحية وعطلت جميع النشاطات المسرحية حتى القرن الثاني عشر وبداية القرن الثالث عشر في أوربا قاطبة , وعزف المشاهدون عن متابعة العروض المسرحية لأنها توقفت كلية في أكثر من قرنين من الزمان تقيرباً , إلى أن تهيأت الأرضية المناسبة لمعرفة دور المسرح وتأثيره على الحياة , فتم تقديم مسرحيات عرفت بمسرحيات الأسرار والمعجزات التي تتناول سيرة ومعجزات السيد المسيح كما ذكرت , وتم حصر تقديمها داخل الكنائس والأديرة زمناً طويلاً حتى إنطلقت العروض المسرحية المختلفة من جديد لتقدم إلى عامة الناس بعد ذلك .

إن الأمر عند ظهورالإسلام يختلف تماماً عن منع تداول المسرح مثلما حدث بعد ظهور الديانة المسيحية، لأن المنع قد تم هنا على أساس وجود قاعدة مسرحية كبيرة إنتشرت في اليونان والرومان وفي بلدان أوربية أخرى منذ مطلع القرن الخامس قبل الميلاد حتى ظهور الديانة المسرحية . بيد أن العرب قبل وبعد الإسلام لم يشهدوا وجود قاعدة أو ظواهر أو محاولات مسرحية التي تستوجب المنع على هذا الأساس .

إن الذهاب إلى أبعد من الحالة وعدم تشخيصها تشخيصاً دقيقاً يعطي نتائج بحثية ومردودات عكسية، إذ أن هنالك أسباب أخرى كما ذكرت ومنها عدم وجود حالة معرفية متداولة للمسرح أو وجود تجارب بسيطة مقنعة سواء كانت قبل الإسلام أو بعده .

من مسرح التعزية

لكنا إذا إقتربنا كثيراً في التاريخ العربي الإسلامي نجد أن مسرحيات التعزية التي ظهرت في العراق والتي إعتبرها لاندو  صورة أخرى لمسرحية الأسرار أو مسرحية ألآلام المسيحية التي كانت تقدم خلال العصور الوسطى في أوربا  . نجد أن بوادر نشأة المسرح الجماهيري ظهرت إلى العلن , ومهما يكن من أمر هذا الرأي , فإن مسرح التعزية في العراق يقترن بواقعة كربلاء المعروفة , التي حدثت إبان حكم يزيد إبن معاوية للدولة الأموية. وبهذا كانت ومازالت مأساة الأمام الحسين وذويه وصحبه تمثل عادة في الأيام العشرة الأولى من شهر محرم , وهي تحكي قصة المذبحة التي أحدثت شرخاً كبيراً في الحياة السياسة والدينة في المجتمع الإسلامي لا تزال آثارها باقية إلى اليوم .

إن كرنفال ألأحزان هذا يعاد سنوياً في العراق على شكل صوراً مسرحية حوارية يقوم بأدوارها أناس وممثلون هواة من عامة الشعب , وتمثل في الساحات العامة وفي جميع مدن الوسط والجنوب العراقية في آن واحد , ويحضرها جمهور غفير يعد بالمئات والآف على أبعد تقدير , حيث تنصب الخيام , ويرتدي ( الممثلون ) ملابس قتالية تختلف بألوانها عن الأخرى , والنساء يرتدين الملابس السوداء , والمقاتلون يمتطون الجياد ويحملون السيوف , والراجلة منهم تحمل الرماح , ويبدأ التمثيل الذي يستمر حوالي أكثر من ساعتين في الهواء الطلق على إيقاع الطبول وعلى ما يقرأه قارئ الواقعة ومنشدها  وعلى ما تتحدث به الشخصيات من حوارات محفوظة , التي تسمى    ( المقتل ) لدى العراقيين .

إن هذه المأساة العظيمة قد أثرت تأثيراً كبيراً في أعماق العراقيين , وإن هذه ( التشابيه ) كما يطلقون عليها هذه التسمية , هي إستذكار دائم منهم للواقعة وتعبيراً عن ألامهم  وحزنهم العميق الذي يمتد إلى قرون عدة .

ومهما يكن من تأثير تمثيل الواقعة أمام الناس فإنها قد أدت إلى نشأة وتأصيل مسرح جماهيري فيما بعد , لم يكن يعرف في السابق على مر العصورسواء كان قبل ألإسلام أو بعده  . وهو شبيه بالكرنفالات المسرحية اليونانية القديمة , خاصة تلك التي تعرض فيها التراجيديا اليونانية القديمة لأسخيلوس . بيد أن مأساة الحسين تختلف عن تلك المآسي القديمة بكثير حتى وإن كانت تعرض  أمام عامة الشعب , لأنها مأساة  واقعية لها مردودات دينية بليغة التأثير . وبهذا الخصوص إن أهم الأعمال المسرحية التي كتبت في العصر الحديث هي مسرحية الحسين ثائراً والحسين شهيداً لعبد الرحمن الشرقاوي ,  نظراً لأن فيها لغة ملحمية مكتوبة بلغة شعرية راقية,  تصور الوقائع تصويراً تاريخياً محكماً ودقيقاً وتحاكي الشخصيات والمشاهدين بحوارات مؤثرة لا مجال فيها لأية مبالغة أو إقحام .

إن هذه الحقائق موجودة على الأرض ومتوارثة من جيل إلى جيل على الرغم من موسميتها وأدائها البسيط الذي لايتعدى أكثر من الهواية وليس الإحتراف بمعناه الواضح والشامل , فإنها تعطي إنطباعاً على أن الظواهر المسرحية عند العرب كانت موجودة فعلاً قبل بداية النشأة الحقيقية للمسرح العربي على يد مارون النقاش الذي أخرج المسرحية الأولى عام 1847 . وما عدا ذلك فإن كل المحاولات المسرحية السابق لهذا التاريخ , تندرج في إطار محاولات عامة تهدف إلى إدخال فن المسرح إلى الحياة العربية بطرق مختلفة , بعضها بدائي والبعض الآخر حديث العهد بالصنعة المسرحية , لكنها مع ذلك كانت محاولات إنسانية تستحق الذكر .

وعودة إلى الموضوع الرئيسي الذي يتتبع التسلسل التاريخي لنشأة المسرح العربي , لا يمكن القفز على أهم مرحلة تاريخية حدثت في هذا المجال , وأعني بها مرحلة ظهور مسرح ( خيال الظل ) أيام الخلافة العباسية . إن أقدم إشارة إلى هذا النوع من الفنون وردت في كتاب ( الديارات ) للشابشتي التي يؤكد فيها أن اللعب بخيال الظل كان معروفاً في عصره , وكان يعتمد على الهزل والسخرية والإضحاك  .

ربما يكون مسرح خيال الظل ليس معروفاً لدى البعض من الناحية الفنية وطريقة العمل به. فهو يعتمد على تصوير الشخصيات , أي رسمها على قطع من الجلد وقصها وتسليط الظلال على شاشة بيضاء لكي تظهر أشكال الشخصيات أمام المشاهدين , من أجل خلق حالة من التسلية والإضحاك لدى المشاهدين , لكنها أخذت فيما بعد طابعاً سياسياً وإجتماعياً أخر , حيث يقوم الممثلون بتمثيل أصوات الشخصيات المرسومة على الصور دون ان يراها الجمهور المشاهد , وغالباً ما يقوم بذلك ممثل واحد أو ممثلان يغيرون اصواتهم حسب ظهور وحوارات الشخصيات المختلفة . بعد تطورت صناعة هذه الرسوم وتحولت إلى دمى تصور شخصيات مختلفة حسب أهميتها وشهرتها وتأثيرها في الحياة العامة للناس .

ومن المعروف أن هذه العروض هي ثلاثة أنواع :

1 – الدمى التي تحرك بأيدي الممثلين .

2 – الدمى التي تحرك بالأسلاك .

3 – الصور التي تعتمد على الرسوم وعلى خيال الظل.

من مسرح خيال الظل

على العموم، فإن ظهورمسرح خيال الظل قد مهد الطريق للتعامل مع فن التمثيل. ويقول الباحث المسرحي شريف خازندار أن الخليفة – المتوكل – كان أول خليفة يدخل الألعاب والمسليات ولموسيقى والرقص إلى البلاط , ومن ثم اصبحت قصور الخلفاء مكاناً للتجمع والتبادل الثقافي مع البلدان الأجنبية , وكان ثمة ممثلون ياتون من الشرق الأدنى والاقصى ليقدموا تمثيلياتهم في قصور الخلفاء .

لكن فن خيال الظل قد تطورت اشكاله الإبداعية شيئاً فشيئاً بمرور الأزمان , ولم يعد كما كان إبان ظهوره في الخلافة العباسية يعتمد على التسلية وعلى الحوارات والقصص الإرتجالية . وفي هذا المجال أن أقدم النصوص المكتوبة في خيال الظل المصري يرجع تاريخها إلى الستينات أو السبعينات من القرن الثالث عشر وتعود إلى محمد بن دانيال وهو طبيب مصري عاش من سنة 1248 إلى سنة 1311 , وهي عبارة عن ثلاث مسرحيات كتبت شعراً ونثراً مسجوعاً ووجدت فيها بعض الشرحات والملاحظات لمساعدة العاملين في هذا النوع  من التمثيل أو أصحاب المسارح , وهي كالتالي : طيف الخيال , وعجيب وغريب , والمقيم والضائع واليتيم .

غير أنني أعطي لمقامات بديع الزمان الهمداني المتوفي سنة 398 للهجرة أهمية كبرى للتأكيد على أن بوادر المسرح العربي عميقة الجذور على ضوء ما كان يعرف  بالشيء القليل من فن التأليف المسرحي آنذاك . وعند العودة إلى الهوامش والملاحظات ألتي أوردها محمد محي الدين عبد الحميد الذي جمع المقامات في كتاب أسماه شرح مقامات بديع الزمان الهمداني وردت الملاحظات التالية في شرح المقامة ( العريضية )  :

1 – المقامة في أصل اللغة تعني المجلس الذي يجتمع فيه الناس , ثم إستخدمها الأدباء في الخطبة أو العظة , وكأنهم أرادوا أن الشأن في هذين إلقاؤهما في الأندية والمحافل , ثم خصوها بالقصص التي يتحدثون بها عن ألسنة قوم يسمونهم رواة – إن حقيقة أو خيالاً – ويجيئون فيها بالأغراض المختلفة  .

2 – إعتاد أصحاب المقامات أن يتخذوا راوياً يتحدثون بإسمه – كما ذكرنا – , وقد جعل البديع راوية عيسى إبن هشام , كما إتخذ الحريري الحارث إبن همام و وإصطلحوا على أن تكون ملحهم ونوادرهم عن رجل آخر , وهو هنا أبو الفتح الإسكندري , وفي المقامات الحريرية أبو الزيد السروجي  .

إن هذه الشروحات تدل على أن هذه المقامات تأخذ شكلاً من أشكال المسرحية التي يمتزج فيها الشعر بالنثر والرواية بالأداء , وتدل أيضاً على وجود جمهور يتابع ويحضر تلك المقامات .

إن وجود الجمهور يعتبر من شروط إستمرار ونجاح أنواع العروض ومنها العروض المسرحية , وهو شرط أساسي لتطورها وديمومتها , وعليه فإن إرتياد الجمهور يدل على أن هنالك نهضة روائية . كما أن وجود المقامات للهمداني  وللحريري إقترن أيضاً بوجود رواة في ذلك الزمان  كما ورد اعلاه , هذا يعني وجود رواة مختصين يمكن الإعتماد عليهم في تقديم المقامات . وإلا لإندثرت وتحولت إلى قطع أدبية كتبت في زمان غابر وإنتهى زمانها . كما يحدث اليوم في العصر الحديث عندما يكتب المؤلف مسرحية ما ولا تمثل قط فيقل تأثيرها وقدرتها على الديمومة والبقاء وستنسى بمرور الوقت .

لكن الذي إستوقفتني في تلك الشروحات هو ماورد فيها من جملة :  ويجيئون فيها بالأغراض المختلفة , والجملة السابقة : ثم خصوها بالقصص بالقصص التي يتحدثون بها عن ألسنة قوم يسمونهم رواة – إن حقيقة أم خيالاً – .

وعند التوقف عند ما جاء بالجملة الأولى والثانية وتحليلهما تحليلاً مهنياً نجد أن الأغراض المختلفة التي يحتاجها الراوي في أي عرض هي ( الإكسسوارات ) وقع المواد المصنوعة التي تساعدهم في توصيل الفكرة للناس , خاصة أن ما يرونه هو أما حقيقة أو خيال , والخيال من الناحية الفنية يتوجب فيه إستخدام أكثر المواد الفنية المصنعة من ملابس وإكسسوارت وقطع مكملة . فإذا كانت الإغراض المختلفة تعني شيئاً آخر كطرح مادة المقامة مثلاً , أو تقديمها لغرض التسلية , أو أن تكون مادة ثرية بمعانيها وفيها فائدة للمشاهدين , فإن هذا الأامور مجتمعة تحتاج إلى راوٍ يتملك أدوات صوتية ومهارة في التلوين الصوتي وقدرة على التأثير والتوصيل ويحتاج أيضاً إلى عناصر مكملة كما ذكرت . 

لقد إعتمدت تلك المقامات على ممثل واحد كما ذكرت في تشبيه الرواي بالممثل الفردي الذي حافظ على ديمومة الآثار الإبداعية من ملاحم وقصص وسير وحكايات ومقامات , كما يحدث اليوم في عصرنا الراهن , من دور هام لممثل ( الموندراما ) , أو مسرحية الممثل الواحد , الذي يحتاج هذا النوع من التمثيل ممثلاً على درجة كبيرة القدرة والمرونة الجسدية والصوتية أكثر من غيره من الممثلين , نظراً لوجوده وحيداً على خشبة المسرح طيلة عرض قد يستمر إلى ساعة أوساعتين .

ومع أن الوطن العربي شهد الكثير من المآسي والويلات والحروب والغزوات , ومنها غزوات هولاكو المعروفة , فإن مسرح خيال الظل بقي معمولاً به في مصر وسوريا والعراق وغيرها من البلدان لفترات طويلة , كانت أهمها الفترات التي أعقبت إنتهاء الحكم العثماني على البلدان العربية وبدء الإستعمار البريطاني والفرنسي وغيره . وهنا لعب مسرح خيال الظل دورأً سياسياً هاماً في توعية الجماهير وتسليتها وأحبه الصغر والكبار معاً  على إمتداد تاريخ طويل وصل إلى منتصف القرن العشرين , وكان معمولاً به إلى وقت قريب في العديد من الفرق المسرحية الرسمية في بعض البلدان العربية.

د.راجي عبد الله – العراق

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح