“الشيخ”.. مسرحية بين المساحة الدلالية والرموز المكشوفة #العراق

319

قدم الناقد المسرحي العراقي الدكتور دلشاد مصطفی، قراءة نقدية بعنوان “مسرحية “الشيخ” بين المساحة الدلالية والرموز المكشوفة”، عن العرض المسرحي للعرائس “الشيخ” لدولة الجزائر، وإخراج بوخضرة سهيل، وذلك ضمن فعاليات مهرجان الشباب الدولى لمسرح الدمى بالعراق “أون لاين”.
قال مصطفى، إنها قوة المسرح وهیمنتە الإبداعیة ونزعتە الإنسانیة، التي تدفعنا إلی التفکیر بما نراە وما نسمعە من خلال العرض، تبدو في الوهلة الأولی کانها مدارات تعصف الوجدان وتتحول تدریجیا إلی حزمة من المعاني تفوق تصورنا، الذي بنيناه مسبقا حول ما يمكن أن يفعله هذا الفن العتيق، یحصل هذا بالطبع عندما يضيف المبدع المسرحي تجلیاتە لیبدد مخاوفنا ویقودنا إلی آفاق أخری ملیئة بالطمانينة والمتعة الجمالية.
وتابع: مسرح الدمی ذلك المجهول الذي لا نراە دائما، والذي يجعلنا نفکر قبل خوض التجربة والاقتراب منە، وأن الصورة السائدة لهذا النوع من المسرح في مجتمعاتنا هي تجارب بسيطة ومحددة داخل مفهوم مسرح الأطفال أو ما يسمی بالمسرح التربوي ولم یذهب بعیدا عن ذلك لیخوض تجربة مغايرة كما جرت في الغرب أو في شرق آسيا “اليابان نموذجا”، ولكن في الآونة الأخيرة بدأت تجارب جديدة في بعض البلدان الشرق أوسطية للدخول إلی عالم مسرح الدمی والعرائس من خلال العمل الدؤب علی مناهج مغایرة واقتحام مساحات أخری تهم المشهد الحیاتي الیومي للناس، همومهم وتساؤلاتهم الدائمة، الغور في هذا المضمار المبهم نوعا ما يحبذ توفير وعي قصدي متكامل بالأدوات التي تتوفر أمام الفنان في هذا الشكل المسرحي، لتكون بمثابة قوة دافعة لإيجاد أشكال جديدة للتعبير عن ما يجول داخل الإنسان من هموم.
اذا أخذنا بتعريف الدكتورة زينب عبدالأمیر، لمسرح الدمی بالهيئة العربية للمسرح 2019، یجب أن نراه “کفن فرجوي قائم بذاته تتسیده الدمی المتحرکة بوصفها عنصرا أساسيا باثا بشتی أنواعه وأشکاله وأحجامه یغلب علیها طابع الفكاهة والامتاع والتشويق وموجه لكل الشرائح العمرية من المتلقين وفقا لمستوى مدرکاتهم العقلية في التأليف والإخراج”.
من هنا یجب أن نقف ونفکر مرة أخری بما نراه في العرض المسرحي المبهر “الشيخ” للمخرج بوخضرة سهيل، هذا العرض تخطی مفهوم المتعة والتشويق ودخل في حيز اخر وهو اظهار وعي قصدي لتحليل حالة الإنسان في هذا الزمن المليء بالتحديات، ما يحفزها هذا العرض في دواخلنا من أسئلة لا يمكن تجاوزها والتخلي عن معطياتها، بسبب العمل في مساحة مليئة بالإشارات لذا نقف امام سؤال مهم وهو، هل یمکن للفنان أو المخرج إضافة مساحات دلالية للعرض المسرحي في مسرح الدمی؟ أو يمكننا أن نعتبر رموزه إشارات اعتباطية انتجت من خلال ارتطام عناصر العرض المسرحي مع بعضها البعض؟ هل من الممكن أن اضع العرض امام الأسس التي رسخها “تاديوش كافزان”، حيث أشار بأننا يمكن ان نقرأ العرض علی أساسه المرئي والمسموع ونستطيع تأويل الدلالات علی هذا الأساس السیمیائي؟ لنراقب ما حاول العمل الوصول إليه ونری إمکانیة الدخول إلی هذا العالم علی تلك الأسس، ولکن بحذر وتروي شديدين.
وأضاف مصطفى، أنه منذ الوهلة الأولی للعرض، یحاول المخرج أن یستغل عنصر الابهار فی مسرح الدمی لیدفعنا إلی التمعن والتفکیر حول ما یجری حول الشخصية التي تظهر أمامنا، لأن عروض الدمی بطبيعتها تعتمد علی هذا العنصر الفعال ولأنها منذ نشاتها “كانت تستحوذ على نفوس المشاهدين وعقولهم وتجعلهم أكثر حساسية للتأثر بالعرض”، مختار السويفي: خيال الظل والعرائس في العالم، القاهرة.. الكتاب العربي1967.
الشيخ منهمك بذاته يدخل داخل نفسه ليجد نصفه الآخر ويحاول الوصول إلی نوع من الوئام معە، یبدأ بطلب اللعب معە لتکون اشارة المصالحة مع الآخر، ولكن بعد وهلة تظهر الحيلة والمكر البشري في استغلال الآخر ومحاولة انتهاز أية فرصة للأخذ ببساطة الآخر وقلب طاولة اللعب لما يطابق مصلحته، هذا ما يفعله الشيخ مع نصفه الآخر، ما يمكن أن يشغلنا طوال العرض هو من يكن العجوز المنشطر إلی نصفين؟ هل هو الوحيد الذي دفعته وحشة الحياة إلی أن يغرد خارج السرب ويترك مأواه ليبحث عن خليل يجعله يحس بأنه مازال علی قید الحیاة؟ أم أنه نحن الذین حولتنا مرارة الحياة وقسوة المعيشة إلی شخصيات هامشية تعيش في نوع من الوهم، وهم الحياة وابتكار النصف الآخر ليساعدنا في الخروج من الوحدة، التي فرضتها ظروف المعيشة في مجتمعاتنا.
هنا يجب أن نشير إلی أن الحالة التي تعیشها الشخصية لاتقتصر علی مجتمعاتنا الشرقیة فقط بل أنها تنتمی إلی البشریة جمعاء، لأن الشيخوخة واضطراباتها تتشابه علی وجه البسيطة والاستبداد، الذي تتبناه السلطات القمعية لطمس الهوية الإنسانية للفرد هو نفسه في كل ارجاء المعمورة، تأتي السلطة لتؤکد لنا باننا لا نساوي شيئا خارج العلاقات الزمكانية التي تصيغها بمعرفتها ومن أجل مصالحها متناسية البعد الإنساني الكامن في دواخلنا.
ما یبهر المشاهد في هذا العرض بعیدا عن الخطاب الإنساني المبطن بشتی أنواع المعاني، هي تقنية الأداء ومحاولات الممثلین لایصال الفكرة – التي تبدوا غريبة في البداية لتتضح في نهاية العرض – دون اللجوء إلی الکلمات، أبدع الممثلان فی تجسیدهما للشخصيات واتقنوا حرکات الدمی دون تکلف واضح في أشكال تميل إلی تناسقية وأداء محترف بخبرة ودراية عالية في التحريك والتحرك، أنهم علی درایة تامة بادواتهم وابدعوا في محاولة ایصال المعاني واظهار امكانية التواصل مع المتلقي عن طريق نظرة الشخصيات وحركاتهاالمتقنة وابتكار اشارات أيقونية واضحة بعيدة عن الغموض المتقصد لايصال فكرة العرض والخطاب الإنساني البحت، الذي يحاول الكاتب أو صاحب الفكرة “طارق عراب” من خلالها التطرق إلی ما وصلت اليها الإنسانية في زمن محو الترابط الاجتماعي.
حاول المخرج من خلال أدواته وسياق العرض خلق انتقالات حركية صادمة وابتكار صورة مشهدية مليئة بالاحتدام ليقول لنا في نهاية المطاف ما شاهدتمه الآن من صراع محتدم بين الذات وقرينه وتفاعلتم معه كان محض خيال، عجوز شارد الذهن خرج من مأواه وابتعد قليلا عن المراقبة وابتکر قصة ليحكیها لنا وانتهت القصة بدخول شخصية الممرضة كأشارة واضحة علی وضع العجوز الصحي والعقلي اذ وضح بعد ذلك ما سوف تذهب الیە مجريات الأحداث وكان داعما مهما لتوضيح فکرة العرض برمتها.
وأوضح مصطفى، أن مسرحية “الشيخ” تعتبر من وجهة نظره هي محاولة جادة لابتكار نوع آخر من استخدام الدمی فی المسرح العربي، وعملية خلق خطاب إنساني شمولي لمخاطبة العام والفئات العمرية الأخری بعيدا عن السائد الذي عودنا علی استخدام الدمی لمخاطبة الطفل، تعتبر خطوة إيجابية تحسب لصالح العرض والمبدعين الذين شاركوا في تأسيس هذا الخطاب وبثه، وأن قدرة العمل في کسب المشاهد کبیرة جدا عبر خطاب العرض وتقنية التواصل وما إلی ذلك من جهود مضنية تقوم بها كادر العمل بشكل عام، مشيرا إلى نقطة وحيدة لا تدخل ضمن التقيم الإجمالي للعرض المسرحي وهي أن تقنية التصوير لم ترتقي لمستوی العمل، کان من المفروض استخدام تقنیة أفضل واستغلال امكانيات الكاميرا لابهار المتلقي أكثر، بخلق جو يدفع بالمشاهد إلی التمعن والدخول إلی عالم العرض بشکل أفضل.
أخیرا وليس آخرا، ما یثیر دهشتي ولا أستطيع غض النظر عنه هو ذلك التشابه الغريب بين مشهد العجوز في لعب الشطرنج وما يمكن أن نراه في فلم كارتون “العجوز والشطرنج” المتوفر علی الیوتیوب، یستطيع القارئ أن يشاهده ليقارن بينه وبين العرض، مع هذا أشد علی ید جمیع العاملین في هذا العمل الشيق لما قاموا به من أجل امتاعنا، موجها الشكر لإبداعهم ومحاولتهم الجریئة في الفات نظرنا إلی مصيرنا المحتوم الذي سوف نراه غدا أو بعد غد.
يذكر أن فعاليات دورة الفنان الرائد طارق الربيعي، لمهرجان الشباب الدولي لمسرح الدمى بالعراق “أون لاين”، انطلقت الخميس الماضي، وتستمر حتى 17 أغسطس الجاري، والتي تنظمها دائرة ثقافة وفنون الشباب قسم السينما والمسرح بالتعاون مع المركز الثقافي العراقي للطفولة وفنون الدمى، ورعاية وزارة الشباب والرياضة بالعراق، بمشاركة مجموعة من الدول العربية وهي “العراق، مصر، سوريا، الجزائر، عمان”، كما يشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان 12 عرضا مسرحيا، بالإضافة إلى 8 عروض أخرى مشاركة على هامش المهرجان.
كما يهدف المهرجان إلى تفعيل فنون مسرح الدمى محليا ودوليا من خلال اتاحة الفرصة للشباب واشراكهم في تقديم عروض مسرحية بالدمى ونشر ثقافة فنون الدمى من خلال إقامة ورش ومحاضرات تثقيفية.
حسن مختار
albawabhnews.com

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح