الشخصية المسرحية.. رافعة البناء الدرامي

إن بناء الشخصية في المسرح، هو عمل مهم يحتاج إلى كاتب متمرس، يخرج هذه الشخصية من إطارها الواقعي، لتكون منسجمة مع الأحداث التي تقدم على خشبة المسرح، وفي هذا السياق، فإن بناء الشخصية المسرحية، هو بناء فني، يراعي تطور هذه الشخصية، مع عناصر المسرح نفسه من زمن وحدث، الزمن هنا، يختلف عن الزمن الواقعي، كما أن الحدث مختلف ومكثف لجهة توتير الفعل الدرامي أو لنقل ضخه بالشحنة الفنية والفكرية في حدود الزمن المقترح على الخشبة، وكل ذلك هو مقدمة لتفسير هذه الشخصية لا سيما إذا كانت محورية في العرض المسرحي، وفي علاقتها مع الشخصيات الثانوية ومقدار ما تحمله من شحنة درامية وطاقة حيوية وتعبيرية على غير ما هي في الحياة الواقعية، وهو الذي يقود بحسب المختصين إلى مفهوم بناء الشخصية على نحو درامي، مع مراعاة ما لهذا البعد من مفاهيم وارتكازات، وصفات تتطلبها هذه الشخصية سواء كانت صفات جسمانية أو مزاجية أو سلوكية أو غير ذلك.
لا بد من الإشارة هنا إلى مجموعة من العناصر التي لابد مراعاتها في بناء الشخصية المسرحية، والتي تشتمل على عناصر مهمة تتضمن الكيان المادى، لهذه الشخصية وأيضاً الكيان الاجتماعي وثالثاً الكيان النفسي.
قدمت الكثير من الأعمال العالمية، التي تعتبر نماذج مهمة على صعيد بناء الشخصية المسرحية، ولعل ذاكرة المسرح العربي تدين لهذه النماذج بالكثير على صعيد بناء الشخصية، وكلنا يذكر من المسرح الإنجليزي على سبيل المثال، تلك الشخصيات الرئيسية مثل «الليدي ماكبث» و«عطيل» و«تاجر البندقية» و«الملك لير» وسواها الكثير، غير ناسين بالطبع الأسماء المهمة في تاريخ المسرح المعاصر الذي شكل ثورة على صعيد نمو المسرح وتطوره.
في المسرح الإماراتي، كانت هناك نماذج من أعمال كثيرة، مستلهمة من التراث والبيئة الإماراتية، والتي شكلت في مجموعها حالة مسرحية كان هدفها الاهتمام بالتراث، بوصفه اهتماماً بالهوية.
الدكتور هيثم الخواجة يرصد لنماذج من بناء الشخصية في التراث والبيئة الإماراتية فيذكر شخصية «النوخذة» التي تكررت بوصفها شخصية تراثية متفاعلة في بيئتها، وواحدة من الشخصيات المحورية التي لعبت عليها كثير من الأعمال ومنها على سبيل المثال: مسرحية «الضرير» لسعيد إسماعيل مبارك، حيث إن فيروز النوخذة القوي يبلغ من العمر عتياً، فإذا به يغدو بحاجة إلى أبنائه وإلى الناس فيعيش زمناً رديئاً لا يحسد عليه.
سالم الحتاوي اهتم بتوظيف التراث الشعبي في أعمال كثيرة منها «زمزمية» التي رسم من خلالها صورة جلية للعادات والتقاليد السائدة في مرحلة ما قبل النفط في الإمارات، ومن أعماله مسرحية «ليلة زفاف» وشخصية «عبيدان» وهو ابن نوخذة معروف، يرفض السير على هدي والده وامتهان مهنته لأنه يخاف البحر، وهذا الأمر لم يرض والده لاعتقاد بأن ولده لا يصير رجلاً إلا إذا كان نوخذة، وهناك عبدالله صالح وأعماله «لا» التي ناقشت صور الحب والكره والزواج وغير ذلك، وهناك «صمت القبور» التي تناقش قضايا مثل الشعوذة وغيرها، وكلها من خلال الارتكاز على الشخصية. هناك الكاتب والمخرج جمال مطر الذي استلهم التراث وقدم عملاً مسرحياً تحت عنوان «قبر الولي» وتحدثت عن أثر الخرافة في المجتمع الإماراتي، من خلال توظيف درامي مميز للشخصية.
أما الوقوف عند تجربة إسماعيل عبدالله، فهي مهمة لجهة قدرة عبدالله على بناء شخصية محورية، انتبه من خلالها المؤلف للبنية الدرامية ومآلات التأويل والوعي، في معظم نصوصه، وهو ما جاء في رصد الكاتب أحمد الماجد لكثير من النماذج التي كتبها عبدالله فأصدر كتابا بعنوان «أسئلة الرمل» وصدر عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، عبدالله في هذا الكتاب برع في كتابة الشخصيات من خلال وعيه بحركة الناس ومعرفته لسلوكياتهم وملاحظته القوية لكل ما يدور في تلك البيئة التي عاصر قسطاً من أحداثها وتجاربها.
في الفصل الثالث من الكتاب يسلط الماجد الضوء على بناء الشخصية في نصوص إسماعيل عبدالله المسرحية، التي لها مكانة أصلية في نصوصه، التي ميزتها عن غيرها من الأعمال. –

 

عثمان حسن:

http://www.alkhaleej.ae/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.