الشارقة تصل بالمسرح إلى الناس عبر أشكال جديدة للفرجة

 

الشارقة: محمدو لحبيب

تأبى الشارقة من خلال مشروعها المسرحي المتواصل منذ سنوات، أن تترك المسرح محصوراً في إطار فن العلبة الإيطالية، أو بين أربعة جدران تشكل قاعة المسرح التقليدية.
ذلك هو ما يختصر ويصف المحاولات المستمرة لتجريب ورعاية ودعم وتطوير أشكال جديدة من المسرح تخرج به إلى الناس، بدل أن تنتظر الناس ليأتوا إليه.
أشكال مسرحية عدة تنهض في فضاءات مختلفة في الشارقة، قاسمها المشترك هو أنها تكسر النمطية، وتحاول تجسيد قيم جديدة له في علاقته بالمتلقي، وفي هذا الإطار يمكن الحديث هنا عن عدة أنواع مسرحية، من بينها مسرح الفرجان، والمسرح الصحراوي والمسرح المدرسي، وكلها تحرر العرض والمتلقي من حدود قاعات الفرجة الكلاسيكية، وتجعله في فضاء مفتوح يتماهى مع الحياة بكل تنوعاتها وثرائها.

مسرح الفرجان، كمثال أول، هو مسرح ينطلق من عمق التراث الإماراتي، وتعني «الفرجان» الأحياء الشعبية القديمة، التي كان يسكنها أبناء مدن إمارة الشارقة، وكذلك أبناء بقية الإمارات، وبين جوانبها ترتسم ملامح حياتهم الاجتماعية ومناسباتهم وأفراحهم، وحتى أحزانهم، وأهم ما يميّز الفريج هو الحب والتراحم وعلاقات التعاون والجيرة الطيبة التي تجمع بين سكانه، فقد كانت الحياة في السابق أكثر بساطة، كما كانت تخلو من كثير من مظاهر الترف والرفاهية التي يتمتع بها المجتمع الآن، وكان أبناء الفريج يتعاونون على مصاعب الحياة وقسوتها، كما أنهم يعرفون بعضهم بعضاً، وتربطهم علاقات قوية.
هذه الثقافة الحياتية التي تحمل دلالات عدة على عمق وأصالة الإنسان فيها، وعلى الفطرة الطيبة والخلق الكريم، ينقلها ويعيد تجسيدها مهرجان مسرح الفرجان تحت شعار معبر هو «في فريجنا مسرح»، ويتم ذلك عبر عدة مراحل تبدأ بالتسجيل للانضمام للتنافس، وتنقسم الفئات المتنافسة إلى فئتين هما فئة الناشئة من عمر يتراوح بين 13 إلى 18 سنة، والفئة الأخرى تضم كل أطياف المجتمع ممن هم فوق سن 18 سنة، وبعد الترشح يخضع الكل لورشة تدريبية تشرح آلية العمل، ويتم اختيار المشاهد المسرحية وفريق العمل ضمن تلك الورشة، ومن ثم يعرض على اللجنة المختصة لتعتمده ضمن العروض المتنافسة، وفي إشارة هامة على تميز مسرح الفرجان واستغلاله للفضاءات المفتوحة، يَرِدُ في الشروط والأحكام المحددة للمشاركة، أنه يُفضل الاستفادة من فضاءات «الفريج» من مدارس وقاعات وحدائق، وساحات لتقديم العمل المشارك.
إنه إذاً، نموذج مسرحي يعمل على التنافس الإيجابي بين ساكني الأحياء المختلفة (الفرجان) في مدن الشارقة، مستهدفا بذلك استثمار طاقة المشاركين لتوظيفها في صياغة شخصية الناشىء بشكل إيجابي، بحيث يمتلك القدرة على التعبير، وروح العمل الجماعي وقبول الآخر، وهي نفس القيم العامة التي تميز الذاكرة الثقافية لمجتمع «الفرجان».
نفس المنطق والنهج هو ما نراه يتكرر في فكرة المسرح المدرسي، الذي يتجه إلى المدرسة باعتبارها فضاء متنوعاً جامعاً للعديد من المهارات والمعارف، بغية تكريس علاقة التلميذ بقيم التعبير عن النفس، واكتشاف المواهب، والتأسيس عليها وتطويرها، بما يتلاءم مع الأهداف التربوية والكبرى للنظام التعليمي، وبما يخدم حركة الفن والثقافة في المجتمعات.
ولأن الطفل مرتبط بمدرسته ووفق منهاج محدد، كان اتجاه الشارقة إلى إطلاق مهرجان المسرح المدرسي، والتعاون مع عدد من الدول العربية في نفس المجال، وتخصيص مهرجان لذلك الغرض، محاولة واعية للخروج بالمسرح إلى بيئة الطفل وحاضنته الأساسية وهي المدرسة، وتقديمه للتلاميذ باعتباره أحد الأنشطة الهامة التي تنمي فيهم الحاجات الأساسية لهم، كالحاجة إلى اللعب، والحاجة إلى المعرفة، والحاجة إلى تحقيق الذات، وذلك من شأنه أن يسهم في ترقية وتنمية شخصية الطفل.
ويحتفي هذا المهرجان بالمسرحيين «الصغار» في المدارس الابتدائية والثانوية بكل مدن ومناطق الشارقة، وتضم فعالياته العديد من الورش التدريبية والمحاضرات والعروض المسرحية.
وفي السياق نفسه تأتي فكرة مهرجان المسرح الصحراوي الذي تخرج به الشارقة إلى فضاءات الصحراء، وإلى منطقة الكهيف تحديداً، وتقام العروض في مجموعة خيام تحاكي بيئة البادية الصحراوية العربية الأصيلة، ويسعى المهرجان إلى استكشاف الصلات الكائنة والممكنة بين أشكال التعبير الأدائي والسردي التي تعمر الصحراء من جهة، وبين فن المسرح باعتباره تعبيراً راقياً عن تطلعات الإنسان وثقافته، وترتكز فكرة المهرجان التي تمزج الفني والاجتماعي والفولكلوري، على احتفاء وإيمان عميق بغنى وثراء الثقافة الصحراوية التي لطالما ألهمت الرحالة عند كتابة أسفارهم، وقصص الرواة، بفضائها الواسع، وامتداداتها اللامحدودة، وبرمالها وكثبانها ووديانها وعمارتها وناسها وعاداتهم وتقاليدهم في شتى أحوالهم بين الاستقرار والانتقال.
كل تلك الأنماط المسرحية الخارجة عن مألوف العادة والمشار إليها آنفاً، تكتسب أهمية أخرى من الناحية الفنية كذلك، فهي ليست محصورة في أبعادها الفكرية والثقافية التي جرى الحديث عنها، بل إنها تجسد كذلك محاولة ذكية لتجاوز التقاليد الكلاسيكية الفنية التي درج عليها كثير من المسرحيين، والتي تحصر العرض في مكان واحد، وبقيود كثيرة تحدد شكل النص وكيفية كتابته ليلائم تلك الحدود، وتحدد كذلك فضاء العرض، والمؤثرات المستخدمة فيه، ونوع الإضاءة، وكل تقنيات الإخراج، إنها ببساطة محاولة طموحة لإنتاج مفهوم ثوري للمسرح يصل به إلى أهله وهم الناس، من دون حواجز ولا فواصل.-

 

http://www.alkhaleej.ae/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.