السينوغرافيا كحامل معاصر للنص الملحمي التاريخي في ” الزير سالم” – سوزان المحمود

سالم
صورة من عرض مسرحية الزير سالم

ينتظر الجمهور الدمشقي كل عام عرض تخرج طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية بشغف كبير، إذ أن هؤلاء الطلاب هم الممثلون المرتقبون لرفد الدراما السورية والعربية بمواهب وخبرات جديدة، في (المسرح، والسينما، والتلفزيون) ومنهم سيُكرس البعض كنجوم، قدم المعهد هذا العام عرضاً مسرحياً تحت عنوان “الزير سالم” وهو عرض الفصل الأول لطلاب دفعة التخرج لعام 2020. اعتمد الأستاذ المشرف حسن عويتي في هذا العرض على نص الكاتب المسرحي الفرد فرج بشكل أساسي، كما استعان بنص العمل الدرامي الذي كتبه الراحل ممدوح عدوان للتلفزيون، قدم العرض على خشبة القاعة المتعددة الاستعمالات في دار أوبرا دمشق، لم يقدم العرض على صعيد النص أي جديد رغم محاولته اسقاط القصة التاريخية على الزمن الحاضر واستحضار الصراع القديم ليقدم أمثولة أخلاقية ترمي إلى أن دائرة العنف والانتقام لا طائل منها، ليقدم شخصية الهجرس كمعادل عقلاني للصراع الدموي اللاعقلاني وكشاهد على الماضي يريد الانتقال للحاضر دون حمل وزر دم أهله.

لكن الرؤية المعاصرة للنص أتت من خلال السينوغرافيا التي قام بها الأستاذ في المعهد العالي للفنون المسرحية غيث المحمود والمعيد بقسم السينوغرافيا غيث المرزوقي. قامت السينوغرافيا باستيعاب النص الدرامي التاريخي القائم على الصراع الدموي بين أبناء العمومة وجردته من زمنه الأصلي لترتقي به إلى مستوى التجريد خارج الزمن التاريخي، وذلك عن طريق تأسيس فضاء دائري مغلق على نفسه ومتعدد. مثلا استخدمت الحبال بشكل تجريدي يوحي بأكثر من أمر أحدها (الخيمة) فالحبال التي تمسك بأطراف الخيمة كأحد تجريدات الصحراء، والخيمة، في رمزها الأول سكن العربي، ورمز متعدد الدلالات لقيمه، ونفسيته الصحراوية، وشدته، وما تأطره من حراكه الاجتماعي، وصراعه مع الطبيعة، ومع أبناء جلدته، ومكانته الاجتماعية، وغيرها، أيضاً الحبال الثلاثة ذاتها تدل على عقارب الساعة أي الزمن والزمن في سيرة الزير سالم عامل مهم في الصراع الذي استمر أربعين عاماً والذي اصبح متوارثاً ولايزال مستمرا بصور أخرى، صراع أبناء العمومة أبناء الوطن الواحد(وجميع أنواع الصراعات التي لا مبرر لها ،صراع الطوائف والأديان وغيرها…) وهو ما أريد اسقاطه على الزمن الحاضر الأكثر تعقيداً.

ننتقل إلى الخشبة حيث صمم المكان بحيث ينقسم إلى دائرتين دائرة الروي ودارة التشخيص الذي تدور فيه أحداث الماضي صمم لها لوحات شفافة بيضاء كبيرة وسوداء صغيرة لكل منها وظيفة تؤديها، حيث كانت تقطع المشاهد بتدوير اللوحات البيضاء أمام المشاهدين من قبل الممثلين ليتم تحريك قطع الديكور للمشهد التالي والتي صممت بشكل تجريدي لتستعمل لأكثر من غرض مسرحي، فهي قطع تتحول بحسب تموضعها إلى أغراض متعددة الاستخدامات من طاولة الى مقاعد للجلوس إلى صخرة او إلى نبات صحراوي أو إلى قبر إلى عرش إلى الخ في كل مشهد كانت تدور وتقوم بدور مختلف عن المشهد الذي قبله أما القطع السوداء الشفافة فكانت تحجب خلفها إحدى الشخصيات كناية عن الذواكر القديمة التي لا تموت كالظلال التي تلاحق الاحياء وأيضاً تشف عن الشخصيات التي تقوم برواية الحكاية.

أيضا أُطر الفضاء المسرحي على شكل دائرة ليعطي انطباع الساعة (الزمن) وأيضاً (دائرة العنف الذي لا ينتهي)، وأيضاً (الضريح المسكون بأشباح الماضي)، لذلك كان خيار إخراج شخصية الهجرس من هذه الدائرة وتقدمه من الجمهور ومخاطبته له كناية عن محاولة خروجه من هذا الصراع نحو (الحاضر) الآن، وكأنه يميل إلى استيعاب الماضي ومحاكمته ثم تجاوزه، ليؤثث مساحة حوار مع الجمهورليقدم رسالته نحو الحاضر وليقطع مع الماضي وينظر للمستقبل، بينما حبست جميع الشخصيات الأخرى داخل دائرة (الماضي)حيث قامت الاضاءة بتسليط الضوء الأحمر ليغمر كل هذا الفضاء المغلق على نفسه بالدم.

في هذا العرض كان على السينوغرافيا أن تجد حلا لتسعة وخمسين مشهداً مسرحياً في عرض واحد، وأن تأخذ النص الدرامي والحكاية القديمة نحو الحاضر لكي لا يشعر الجمهور بالاغتراب والملل وهو يتابع حكاية صراع قبلي قديم يعرفه من منذ نعومة أظافره وهو إحدى السير الشعبية الأكثر شهرة في المقاهي الدمشقية الشعبية حيث كان يرويها الرواة بأسلوب تمثيلي، كما قدمت على المسرح والتلفزيون عشرات المرات، وربما كانت هذه فرصة للعب قليلا على النص لو توفرت له كتابة دراماتوجية “اقتطاعية” جيدة كان من الممكن تقديم رؤية مختلفة وجديدة وأكثر معاصرة، وكان بإمكان الممثلين الطلاب أن يقدموا أكثر مما قُدم إذ تفاوت الأداء بين الشخصيات على الرغم من أن المشرف قام بتصميم بعض المشاهد ليعطي حيزا أكبر للطلاب لإبراز قدراتهم على حساب السياق العام للعرض مما أطال مدة العرض لتتجاوز الثلاث ساعات، لقد كان عدد الطلاب كبيراً، أربعة عشر طالباً من السنة الأخيرة بالإضافة إلى أكثر من ستة عشر طالباً من السنوات الأخرى.

الطلاب المرشحون لنيل الإجازة في فن التمثيل المسرحي لدفعة عام 2020 : إلين عيسى في دور (الزهراء)، إياد عيسى في دور (كليب)، آية محمود في دور (الجليلة)، حسن خليل في دور (جسّاس)، حسناء سالم في دور (أسماء)، دُجانة عيسى في دور (اليمامة)، راما زين العابدين في دور (فاطمة)، ريموندا عبّود في دور (سُعاد)، علاء زهر الدين في دور (الهجرس)، علي إسماعيل في دور (همام)، كنان حاتم في دور (مُرّة)، ملهم بشر في دور (سالم)، يوشع محمود في دور (عجيب)، يزن الريشاني في دور (التُبّع حسّان).

فريق العمل
إعداد: حسن عويتي – رنا كرم، بالاستفادة من نص الزيرسالم لممدوح عدوان، سينوغرافيا: غيث المحمود، غيث مرزوقي، أزياء: سهى حيدرمساعد: أنس شحيبر، إضاءة: أوس رستم – جواد أبو كرم ، مكياج: منّور عقاد- مساعد: خولة ونّوس، أفيش وبرشور: غيث مرزوقي، الموسيقيون: عدي أبو عاصي (ناي)، عمران أبو يحيى (دف) بهجت أنطاكي (طبل) الأساتذة المساعدون: رنا كرم- أسامة تيناوي، المتبعة الفنية والإدارية: رئيسة قسم التمثيل: د. ميسون علي الإشراف العام: عميد المعهد العالي للفنون المسرحية ماهر الخولي.

——————————————————–

 سوزان المحمود

(مجلة الفنون المسرحية)

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية