الراحلة ثريا جبران والمسرح .. مبادئ وإرادات خيِّرَة لصناعة الجمال – وائل بورشاشن #المغرب

في قرطاج
من تكريم ثريا جبران في أيام قرطاج المسرحية 2019

الراحلة ثريا جبران والمسرح .. مبادئ وإرادات خيِّرَة لصناعة الجمال – وائل بورشاشن

المسرح فن حقيقة وشكّ، وإيمان بمُثُل وفضائل، وكتيبة كاملة من الإرادات الخَيِّرَة التي تصنع الجمال والمعنى الجميل والفرجة الجميلة، قبل أن يكون نصّا يؤَلَّف ويُخرج ويُلعَب، وفق سيدة المسرح المغربيّ ثريّا جبران.

وفي رسالتها بمناسبة اليوم العربي للمسرح سنة 2013، التي أعادت الهيئة العربية للمسرح نشرها بعد رحيل الفقيدة، كتبت ثريا جبران عن المسرح، وأناسِه، ومسارها معه، ومكنوناتِه.

وترى جبران أنّ المسرح علاقة قائمة على نوع من التعاقد، والتفاوض الدائم، بين الفنان والجمهور “في إطار من التبادل الجميل”، ولا تراه تصفيقا، بل هو “تفاعل صِدْقٍ مع صِدْق”، ثم تزيد ملتمسة من قارئي شهادتها ألا يصفقوا كثيرا إن دعتهم مجاملاتٌ إلى التصفيق، “وإن صفقتم، ولا بد، لا تُصَفِّقوا تصفيقا خاطئا”.

والمسرح، كما تراه ثريا جبران، “إنصاتٌ، وصمتٌ، وتأمّلٌ، وسكينة”، و”فضاء للأمَل، حتى حين ييأس يكون يأسه خلاقا ومدهشا وحيا، وليس عدميّا أو سلبيا”، بل هو “هندسة للأرواح الجديدة”.

ولا خدع سينمائيّة في المسرح يمكنها تمجيد الحروب وتضخيم البطولات الكاذبة؛ وهو ما يجعله وفق شهادة ثريا جبران “يعتني بمعطوبي الحروب، والمهزومين، والمظلومِين، والمكلومين، ويعطي الصّوت لمن لا صوت له، وينتصر للجنون الذي يقول الحكمة، وينطق بالموعظة الحسنة”.

هذا المسرح، أب الفنون، “كائن حي ينتبه إلى التناقضات فيقولها، وإلى التوازنات فيضيئها، وإلى الاعوجاجات فيعرّيها، وإلى الهزائم فيسمّيها”، وتزيد الكاتبة مفصحة عن علاقتها به: “هو نفسه مهنة هزائم صغيرة، ومهنة انتصارات صغيرة أيضا (…) يأتي بالماضي إلى الحاضر، ويذهب بالحاضر إلى الماضي.. إن الزمن كله له. نحن نمضي، ويبقى المسرح دائما، وسيتّجه دائما صوب المستقبل كاشفا الطريق، راسما الخطوة أمام الناس”.

وفي الزمن العربي الجديد، ربيع الانتفاضات، ترى ثريا جبران الحاجة ماسّة إلى “إبداع مسرح عربيّ جديدّ يتجاوب مع الروح العربية الجديدة”، قبل أن تزيد مشترطة “ألا يكون مسرحا سريعا وخطابيا وشعاريا”؛ فـ”لا مجال لمسرح المناسبات والمواسم”.

وحتى قبل الحَراكات العربيّة، تقول جبران: “كان المسرح العربي الحقيقي ثوريا قبل الثورات العربية الجديدة، ولا شك أنه كان مصدرا من مصادر وعيها، فسبق الثورة إلى فكرتها”، وتستحضر في هذا السياق حوارا إذاعيّا لأحد أصدقائها أكّد فيه أن “شباب الربيع العربي لم يخرج إلى الميادين والساحات من فراغ”.

وتسترسل ثريا جبران باسطة رأيها في هذه القراءة: “أظن أن هذا صحيح، فقد خرج شبابنا من معاناته مثلما خرج من مسرح سعد الله ونوس، ومحمد الماغوط، وروجيه عساف، والطيب الصديقي، ويوسف العاني، وقاسم محمد، وفاضل الجعايبي، وشريف زياني، عياد ومحمد بن كطاف، وسميحة أيوب، ونضال الأشقر، وجليلة بكار، وسونيا وسعد أردش، وألفريد فرج، وجواد الأسدي، وغيرهم من كبار المسرح العربي، كما من روايات نجيب محفوظ، وقصص يوسف إدريس، وشعر أبي القاسم الشابي، ومحمود درويش، وأحمد فؤاد نجم، وأمل دنقل، ومظفر النواب… ومن الشعر الشفوي، ومن أغاني أم كلثوم، والأخوين الرحباني، والسيدة فيروز، والشيخ إمام، ومارسيل خليفة، وناس الغيوان، ومن السينما والدراما التلفزيونية العربية الجديدة، ومن عقول المفكرين الأحرار والفاعلين الشرفاء الذين مارسوا التفكير بأخلاق، والسياسة بنقاء وجرأة، وبثقة في التاريخ وفي إرادة الجماهير”.

وبعدما قالت جبران إنّ “المسرح فن حقيقة”، استدركت قائلة إنّه “فنّ الشّكّ أيضا”؛ فهو “تعبير عن الشك بامتياز، الشّكّ الذي يوقظ الوعي والسؤال”.

هذا المسرح هو الذي منحت ثريا جبران عمرها له، وقضت سنوات عمرها على خشباته المغربية والعربية والأجنبية، “أكثر مما قضيته في بيتي وبين أفراد أسرتي الصغيرة”، و”اتخذتُ المسرح مسكنا وأهل المسرح أهلا، وتهت طويلا في النصوص، والشخوص، والأقنعة، والأحلام، والخيال. وكانت سعادتي في كل عمل جديد، وكان الفرح يتجدد مع كل لقاء. وطبعا، كان هناك الكثير من الألم في طريقي”.

وفي ختام شهادة سيدة المسرح المغربي عن أب الفنون، تقول: “هكذا تعلَّمتُ المسرح، وتعلَّمْتُ (…) أن نخدم الحقيقة، وأن نَشُكَّ فيها”.

ثمّ تتوجَّه ثريا جبران إلى المسرحيّين وجمهور المسرح والعاملين من أجل التغيير: “يا حماة الحقيقة اتحدوا، ويا جيل الشك كن بالمرصاد. عاش المسرح العربي جادا وجديدا ومجددا على طريق الوعي، ونبل الرسالة، وحسن المقاصد. والمجد لشهداء وشهيدات الحرية والكرامة في الشارع العربي، لكل تلك المشاعل التي أضاءت وتضيء ساحة مسرحنا العربي الكبير الممتد من ماء الخليج إلى ماء المحيط. عاش مسرحنا العربي لمجد الأمة وأفقها وآمالها. عاش أهل المسرح أينما كانوا، في الأوطان أو في الشتات، صنّاعا للجمال، رعاة للحرية، والحلم، والتّخَيُّل، والفعل الصادق الأمين”.

وائل بوشاشن – المغرب

(هيسبريس)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح