أخبار عاجلة

الدورة الثانية عشرة من مهرجان المسرح العربي.. تنوع عروض وتجدد في الندوات – عباس الحايك #مهرجان_المسرح_العربي12

العاشر من يناير، هو الموعد السنوي الذي يرتقبه المسرحيون، وتشير بوصلتهم إلى جهة المسرح، جهة مهرجان المسرح العربي الذي ينظم كل عام في مدينة عربية مختلفة وفي ذات التوقيت، وهذا العام 2020 احتضنت العاصمة الأردنية من العاشر إلى السادس عشر من يناير فعاليات الدورة 12 للمهرجان الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح.

في هذه الدورة اختارت اللجنة المنظمة للمهرجان 15 عرضاً مسرحياً للمشاركة، انقسمت لمسارين، المسار الأول كانت خارج المسابقة وهي خمسة عروض:

  1. (أيام صفراء) مسرح الهناجر – مصر. تأليف دانييلا يانيتش، إعداد عمر توفيق، إخراج أشرف سند.
  2. (ثلاث حكايا) المسرح القومي دمشق – سوريا، تأليف أزوالدو دراغون، إخراج أيمن زيدان.
  3. (رهين) المسرح الجهوي باتنة – الجزائر. تأليف محمد بويش، إخراج شوقي بوزيد.
  4. (سماء أخرى) مسرح أكون – المغرب. عن يرما للوركا، نص محمد الحر، إخراج محمد الحر.
  5. (على قيد الحلم) مسرح الشباب – الكويت. تأليف تغريد الداوود، إخراج يوسف البغلي.
  6. (كيميا) المسرح القومي – دمشق. سوريا. تأليف ألكسندر ابرازتسوف، إعداد عجاج سليم، إخراج عجاج سليم.

أما المسار الثاني فكان للفرق المتنافسة على جائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة وكانت تسعة عروض هي:

  1. (الجنة تفتح أبوابها متأخرة) الأردن. تأليف فلاح شاكر، إعداد يحيى البشتاوي، إخراج يحيى البشتاوي.
  2. (الصبخة) مسرح الخليج العربي – الكويت. تأليف وإخراج عبد الله العابر.
  3. (النمس) المسرح المفتوح – المغرب. تأليف عبد الإله بنهدار. إخراج أمين ناسور.
  4. (بحر ورمال) مسرح الشمس – الأردن. تأليف ياسر قبيلات، إخراج عبد السلام قبيلات
  5. (جي بي إس) المسرح الوطني – الجزائر. تأليف وإخراج محمد شرشال.
  6. (خرافة) كرنف آر للإنتاج – تونس. تأليف علي عبد النبي الزيدي، إعداد رضوان عويساوي، إخراج أيمن النخيلي.
  7. (سماء بيضاء) كلندستينو – تونس. تأليف وإخراج وليد الدغسني.
  8. (قاعة الانتظار 1). شارع الفن للإبداع – المغرب. تأليف وإخراج أيوب أبو نصر.
  9. (مجاريح) مسرح الشارقة الوطني – الإمارات. تأليف اسماعيل عبد الله. إخراج محمد العامري.

عروض تنوعت وتباينت في المستوى وفي مضامين الطرح، الفكري والبصري. ولكن جميعها بدت مشغولة بهموم الانسان بعيداً عن ارتباطه المكاني وحتى الزماني، فهو الشغل الشاغل لكل المسرحيين المشاركين الذين تناوبوا على طرح رؤاهم وتبايناتها لهذه الهموم.

لم تخرج هذه الدورة بعروض مدهشة، ذات حلول إخراجية أو بصرية مبتكرة، ولا حتى على مستوى النص، الدهشة تلك التي تتجاوز المتعة الآنية والتي تأخذك إلى عوالم العرض، وهذا لا يعني عدم تميز بعض العروض التي اختارت الخروج من القوالب العادية. في اليوم الأول من المهرجان، شاهد الجمهور ثلاثة عروض (رهين)، (سماء بيضاء) و(الصبخة)،  ففي (رهين) يبدو النص حاضراً رغم محاولات المخرج تجاوزه بصرياً أو الإضافة إليه، إلا أن طرح النص لقضايا تبدو أكثر تماساً مع الحالة السياسية في الجزائر كانت طاغية أكثر، وقد اجتهد الممثلون بالتعاضد مع رؤية المخرج للخروج بعرض لا يشوبه الترهل خاصة وهو قائم على الحوارات أكثر، نجح العرض لكنه لم يحقق الدهشة المبتغاة. أما عرض (سماء بيضاء) ففيه يجرب المخرج دغسني قدرته على الكتابة، خاصة بالفصحى، فالفرقة اعتادت على المحكية في عروضها التي قدمتها وشاهدها جمهور المسرح العربي، هنا يقدم دغسني نفسه بشكل مختلف، في الموضوع المنطلق من رؤية فلسفية للحياة، والشكل أيضاً في مقترحاته البصرية، أما عرض (الصبخة) الكويتي فقد تمكن أن يعالج موضوعة تراثية تقليدية بمقترح بصري تميز به، حيث تظافرت العناصر المسرحية لتقدم وجبة مسرحية ماتعة، رغم ما شاب العرض من حوارات وأداءات تلفزيونية قد لا تتسق وطبيعة المسرح، لكن هذا لم يمنع الجمهور من التأكيد على تميز العرض.

سماء بيضاء -تونس

سماء بيضاء -تونس

في اليوم الثاني من عروض المهرجان، شاهد الجمهور ثلاثة عروض توزعت على ثلاثة مسارح، العرض الأول كان عرض (كيميا) السوري، الذي ركز على موضوعة الحب، وكيف يكون هو الخلاص من الألم، العرض لم يتعمد الثرثرة البصرية بل اعتمد على الفضاء المفتوح، مسرح تقريباً فارغ، أثثه المخرج بالأداء المسرحي وبالحكايات التي حملها شخصيات عمله، كان العرض ممتعاً واستطاع أن يقنع جمهوره، والعرض الثاني كان بعنوان (خرافة)، ورغم أن فضاء النص كان مقبرة لكن المخرج استبدلها بفضاء غرائبي، اعتمد على القماش الأبيض فيه، وصعد من الأداء المسرحي والحواريات، لكن العرض وقع في تكرار الصورة وأفقيتها ولم يكن هناك ثمة تصاعد درامي، ما أوقعه في الرتابة. أما ثالث عروض اليوم الثاني فكان العرض المغربي (النمس) الذي أدهش وأمتع، ورغم أن العرض كان متخماً بالكوميديا، لكن الكوميديا اللطيفة، الكوميديا السوداء التي تمكن الممثلون من تقديمها بوعي، إضافة لتظافر العناصر المسرحية، فالنص يبدو واعياً وذي منطلقات فكرية والسينوغراف قدم مقترحات بصرية جمالية وأداء مسرحي متمكن وإخراج كان أوركسترا قادر على ضبط إيقاع العرض دون تفلت. عرض مدهش وكان مرشحاً للظفر بجائزة المهرجان لأن ثمة اتفاق من كل من حضره على تميزه.

ثالث أيام المهرجان، قدم المخرج أيمن زيدان مسرحيته (ثلاث حكايات) بأسلوب الكوميديا دي لارتي، حيث كان الممثلون بأقنعة المهرجين قدموا ثلاث حكايات، لكل حكاية وجعها الإنساني، حكايات تتشابه مع حكايات الكثيرين في هذا العالم، خاصة في سوريا التي ترزح تحت وطأة الحرب، استطاع زيدان أن يتلامس مع الوضع الراهن عبر حكاياته الثلاثة ومقترحه الجمالي الذي قدمه بتمكن، حيث تنوعت المدارس المسرحية التي قدمها زيدان في عرضه، الحكواتي والمسرح داخل مسرح وشكل المسرح البريختي، وكان ثمة تجانس بين هذه المدارس عبر هذا العمل، بالتظافر مع سينوغرافيا حركية اتسقت مع الحكايات الثلاث.

العرض الثاني كان المصري (أيام صفراء) والذي تناول بعض مفردات الحرب والتعايش بين الطوائف والفرق، فالنص الذي كتبته السويسرية دانيلا يانيتش، قدمه المخرج محاولاً تقديم مقترح جمالي بصري يوحي بالصراع الدائر، حيث تدلت الشباك في المسرح وجسد الصراع عبر التنافر اللوني بين المتصارعين، ورغم اجتهاد المخرج لتقديم عرض متفرد إلا أن الحوارات وعدم تمكن الممثلين منها حيث تبدى ثقل الفصحى على أداء الممثلين، أوقع العرض في الرتابة رغم أهمية طرحه وتناوله قضية حساسة تبدو قريبة من قضايانا العربية.

العرض الاماراتي (مجاريح) كان آخر عروض اليوم الثالث من عمر المهرجان، الذي تناول قضية كثيراً ما طرقت في المسرح، وهي قضية العبودية التي كانت سائدة في المنطقة الخليجية حتى وقت قريب، قصة الحب الذي لا يمكن أن يكتمل بين عبد وفتاة حرة، هي حكاية عصرية عن حكاية عنترة بن شداد وحبيبته عبلة، وحكاية حب لا تكتمل إلا بالتضحيات كحكاية روميو وجولييت، ففيروز الذي تحرر من عبوديته وتزوج رغماً عن أبي حبيبته والهارب من تسلط الأسياد، يجد نفسه متسلطاً على ابنته، يفرض عليها رأيه، ويختار لها من تتزوج، لكنها تتمرد على سلطته لتؤكد له أنها تملك الخيار لتكون حرة بشكل حقيقي، وليس التحرر الزائف. العرض كان ممتعاً كعادة العروض الشعبية الإماراتية في مزجها الدراما التي يقدمها النص بلغته الشاعرية اللطيفة، مع الفلكلور الغنائي. مع اجتهادات المخرج العامري السينوغرافية التي دائماً ما تتميز بها عروضه، ففي كل مرة يفاجئ الجمهور بمقترح سينوغرافي ليس في الحسبان، وهذا ما فعله أيضا في مسرحيته هذه.

الصبخة - الكويت
الصبخة – الكويت

أما رابع أيام المهرجان فقد شاهد الجمهور أيضاً ثلاثة عروض، أولها (على قيد الحلم)، وفي هذا العرض ثمة كاتبة واعية متمكنة، استطاعت تقديم نص مدهش، حيث تعقد محاكمة افتراضية للأحلام عبر شخصية البطل الذي يجد نفسه تحت قيد المحكمة، فالأحلام لا يد لنا فيها فكيف نحاكم عليها. قدم المخرج عملاً مسرحياً تفرد فيه سينوغرافياً بمقترحاته الجمالية، ومغايرته للسائد، فمنذ بداية العرض بشرنا بعرض ممتع، أخذنا معه في عالم أحلامه بتمكن. أما العرض الثاني فكان (قاعة الانتظار1) الذي اقترب من البوح والسرد الواقعي لقصص أربع شخصيات لا تختلف عن شخصيات قد تمر علينا كل يوم، بكل همومها وأوجاعها، عبد الفتاح المتدين الذي جرب السجن، وحسن السائق الذي يواجه أزمته الوجودية، وزهرة التي تواجه مجتمعاً ذكورياً يقصيها، وميلودة المهووسة بحالة حب. قصص واقعية لكنه اختار أن يقدمها بقالب حديث بعيد عن كلاسيكية الطرح، قدم المخرج عرضاً مسرحياً تميز بسينوغرافيته رغم واقعية الموضوعات التي طرحها. عرض متميز لمخرج وكاتب متميزان. واختتم اليوم بعرض (الجنة تفتح أبوابها متأخرة) عن نص فلاح شاكر، النص المزدحم بالشاعرية، حول حكاية زوجة أنهكها انتظار الزوج الذي ذهب للحرب ولم يعد، وعاد بروح مهشمة، وبشخصية لم تتقبلها. العرض يتناول ما تفعله الحرب بالأرواح قبل الأجساد، كتبه فلاح شاكر عن الحرب العراقية الإيرانية وقدم بأكثر من رؤية، ووجد يحيى بشتاوي تقاطعاً بين طروحات النص والقضية الفلسطينية، فحمل النص بإعداده الهم الفلسطيني واثر الاحتلال والعمليات الفدائية على الناس، فامتزجت اللغة العربية لغة النص باللهجة والأهازيج الفلسطينية، لكنه لم يقدم معادلاً بصرياً لشعرية النص، فبدا العرض محملاً بالكلام أكثر من الفعل واكثر من الصورة، فلم يكن ثمة مقترحات جمالية تعضد جمالية النص وطروحاته، وحتى اجتهادات الممثلين في أدائهم لم يمكنهم من تقديم عرض متفرد يلتصق بذاكرة جمهور المهرجان.

وآخر عروض المهرجان على التوالي فكانت، (سماء أخرى)، (بحر ورمال) و (جي بي إس)، وفي (سماء أخرى) يعيد المخرج محمد الحر تقديم مسرحية لوركا (يرما) ولكن في بيئة مغربية، فتبدو الحكاية عربية السمة، فتحكي عن مصورة فوتوغرافية تعاني من أزمات عدة، فهي تعيش مع زوج كل همه اسمه وشهرته كمهندس معروف، بينما هي تعاني من رغبتها في الأمومة، الرغبة الفطرية التي تلازمها وهي قابعة بين جدران بيتها، تمارس عملها كفوتوغرافية من البيت وتحاول أن تبث الحياة في سكون صورها، تعيد لها الذكريات حبها الأول، صديقها الأول فتعوض برود علاقتها مع زوجها في علاقة مع صديقها. عرض يناقش عبثية الوجود والحياة بكل تفاصيلها، رغباتنا ونزواتنا، وواقعنا وانهزاماتنا. تمكن المخرج أن يقدم النص متكئاً على رؤية سينوغرافية باهرة، حيث كان لمفرداتها دلالات تبث في الحياة، حيث لم تكن المفردات ساكنة بلا روح، لكنها فعلت ما يفعل الحدث، ما تفعل الكلمات، وما تفعل أجساد الممثلين على الخشبة.

العرض الثاني (بحر ورمال) قدم رؤية عبثية لواقع العالم العربي، والصراع على السلطة، دون مباشرة، ولكن برمزية عالية، فالحكاية تدور حول مجموعة من البحارة وجدوا أنفسهم غير قادرين على الرسو في ميناء وغير قادرين على الإبحار، فيندلع صراع على سلطة السفينة بين القبطان ومساعده، ليكتشف البحارة لاحقاً أن تغيير الأشخاص لا يحدث فرقاً، فمن نختاره قد يكون اسوء مما قبله وأكثر استبداداً. ولأن المسرحية تدور في جو عبثي، فإن المخرج قدمه ضمن إطار بصري عبثي حيث لا ملامح واضحة لمكان ولا لزمان، تلك العبثية التي صورتها سينوغرافيا العرض، واتكأ عليها المخرج لبث رسالة عرضه. إضافة لأداء ممثليه المتمكن الذي أكمل الهارموني مع عناصر العرض.

آخر عروض اليوم الأخير وعروض المهرجان، هو العرض الذي حصد جائزة الشيخ سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض في مهرجان المسرح العربي في دورته الثانية عشرة، (جي بي إس) للجزائري محمد شرشال، إذ كان عرضاً متفرداً في شكله المسرحي، فليس ثمة لغة منطوقة تحمل حوارات المسرحية، بل كان اللاكلام هو اللغة، الصمت، الهمهمات، الحركة، واللغة الاشارية التي يتقنها ممثلوه هي لغة العرض. المسرحية تدور حول مجموعة من التماثيل التي يراد لها أن تتلف بسبب سوء التصنيع، لكنها تتمرد على صانعها وتدخل مدار البشرية، حيث تطحنهم الخطايا والتخلف الفكري، ويضيعون بين الأفكار والمبادئ. العرض محمل بالدلالات والرموز، فالقطار له دلالة والمحطة لها دلالة والوقت الذي يمر دون أن يشعروا به دلالة أخرى. العرض ولأنه صامت فقد كان متمكناً في انتزاع دهشة من شاهده، من اتفق معه ومن اختلف، فالعرض يحمل فرجة رغم غياب الكلام، ورغم الابتعاد عن ثرثرة السينوغرافيا التي اعتمد فيها المخرج على التبسيط، ولم تكون سكونية بل متحركة متغيرة، تملك فعلها ومبررها الدرامي.

مخرج (جي بي إس) انتزع الجائزة التي اتفق الجميع عليها، اتفق على فرادة العرض واختلافه. وهي المرة الأولى التي تتحصل الجزائر على هذه الجائزة التي ينتظرها المسرحيون كل عام، ينتظرون المشاركة والفوز.

النمس - المغرب
النمس – المغرب

دورة هذا العام أيضاً حملت شكلاً مغايراً في الندوات الفكرية اليومية، حيث تجاوزت تقليدية الندوات المألوفة، فالندوات كانت أقرب للورش العملية، فمن الندوات كامن هناك ندوة تستعرض السخرية و«الغروتيسك» في مشروع المخرج والممثل المسرحي خالد الطريفي والذي قدم تجارب عملية للحضور وشركهم في هذه التجارب، كما قدمت فرقة الفوانيس شهادات عن تجربتها بمشاركة عدد من أعضائها، وقدّم المخرج المصري خالد جلال رؤية مركز الإبداع في القاهرة حول الارتجال والعمل الجماعي في بناء العروض، بالإضافة لندوات عن (الصورة والأسطورة في تجربة مسرح الرحالة)، و(لشأن النسوي في فرقة المسرح الحر)، و(الموسيقى في تجربة فرقة على الخشب)، و(فيزياء الجسد عند فرقة المسرح الحديث)، و(مسرحة المكان في تجربة انتصار عبد الفتاح)، و(تطبيقات في البايوميكانيك من خلال تجربة فاضل الجاف).

وبالإضافة لهذه الندوات، فقد توج المهرجان الفائزين في مسابقة التأليف المسرحي للكبار والصغار، والفائزين بمسابقة البحث العلمي.

دورة كانت حافلة بالفعاليات والعروض والضيوف الذين جاءوا من كل مكان لمتابعة الفعاليات، وتفاعلوا معها. وبانتظار الدورة القادمة 2021 التي ستقام في المغرب، وفي ذات التوقيت 10 يناير.

يمكن مشاهدة العروض المسرحية والندوات كاملة على قناة الهيئة العربية للمسرح على اليويتوب

عباس الحايك – السعودية

(سماورد)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح