الدلالة والعلامة في النص المسرحي – سعاد خليل

سعاد خليل

لعلنا عندما نتناول النص المسرحي نطرحه او نتحدث عنه بمعناه الصحيح نجد انه يرتكز علي قوته ومعناه كنص .يقول عزيز خيون : نص الكاتب  عندما يغادر مرحلة الكتابة يبدأ انفتاحه علي افق اخر  مليء بالتوقعات التي تدفع بعلمية تطوره باتجاه الاجود ، وبما تمليه فرضية وواجب التجربة المسرحية من خلال البروفات لأننا بتجريبينا النص تنطلق محاولاتنا ليس  من رغبة او عبث  انما لتكون اجابات مفروضة علينا من منطق الحياة علي الخشبة في فضاء العرض .

ولكن هناك توسع في تحليل ودراسة النصوص المسرحية قام بها العديد من المختصين في هذا المجال والكل يقدم بحوثه ودراسته وفلسفته عن النص المسرحي واهميته ومواكبته لكافة التحولات والتغيرات التي تطرأ علي المجتمع .

في هذا المقال سنأخذ دراسة بقلم سوزان ملروز  عن علامة التجدد المسرحي

وهي تحليل النص المسرحي من منظور جديد هو علم العلامة .وهي دراسة في دلالة النص المسرحي او بالأحرى دراسة في التحول من الدلالة الي العلامة . والفرق بين ا لدلالة والعلامة ان الدلالة علي النص المسرحي ما يمكن كل ناظر فيها ان يستدل بها عليه . كالعالم لما كان دلالة علي الخالق كان دالا عليه لكل مستدل به . وعلامة النص المسرحي ما يعرف به المعلم له ومن مشاركة في معرفته دون كل واحد كالحجر تجعله علامة لدفين تدفنه . فيكون لك دون غيرك ، ولا يمكن  لغيرك ان يستدل به علي الأداء موافقته .علي ذلك كالتصفيق تجعله علامة لمجي زيد. فلا يكون ذلك دلالة الا لمن يوافقك عليه . ثم يجوز ان تزيل علامة النص المسرحي بينك وبين صاحبك . فتخرج من ان تكون علامة له . ولا يجوز ان تخرج الدلالة علي النص من ان تكون دلالة عليه . فالعلامة تكون بالوضع والدلالة بالاقتضاء .

هي دراسة لسوزان ملروز. تتناول علاقة علم العلامات بالتجدد المسرحي  ولا تقتصر علي ربط المسرح بالعلم الجديد . تقول الدراسة ان المواقف التي تبناها رولان بارت وجون كارول قد استقرت في موضع من النظر الذي مر في هدوء وذلك مع ان وجوده  النظر حقيقي في جدول ألأعمال المبكرة التي اسسها علم العلامات البنائية وقد ظهر هذا النظر في اطار التطبيق الثقافي ، ذاتيا اكثر منه اجتماعيا . وبذلك اصبح غير ذي جدوي للمشروعات الاكثر اهتماما بتحديد الحالات التطبيقية العامة . من جهة اخري ، فقد تحدد اجتماعيا ظهور جلي لاختلاف الطبقات او التميز الطبقي حيث اصبح الذوق السليم مسألة يحددها المستوي الاقتصادي او راس المال الرمزي كما يعبر بيير بورديو فهو – أي الذوق ينطوي علي قيم غير فطرية تقرها التقاليد المحافظة ، وفي الوقت نفسه يفرض الممارسون الذين قاموا بتجارب في المسرح الطقسي والامكانات الأسطورية للمسرح تنظيما للنص الدرامي في بعض اتجاهات مسرح المقهورين وفي ضوء ذوق الطبقة السائدة

ان الفرضية الذاتية مثلها كمثل الفرضية الطبقية ، هي سيناريو يمكن معالجته دراميا للحكم علي الذوق . والمعالجة الاولي تتمثل في تعارض الموضوعية والذاتية في تشكيل النسيج الدرامي . والعبارة الاولي مثبته والعبارة الثانية ملتبسة . واما العبارة الثانية فهي تعمل من خلال علاقة الطبقة المستغلة والطبقة المستغلة. وذلك في تطورها لاحتواء انظمة اخري للقيم المتعرضة : مثل مرتفع ومنخفض،  ونادر ومتوفر بكثرة ، والصحوة والعامة ..وهي تطورات مماثلة تماما كتلك التطورات التي حدثت في الثمانينيات كما تجلت في مجموعة بعنوان تكوين المتعة فقد اشار ف. ديمسون الي ما كان يعتبر اخراجا مسرحيا حديث في ذلك الوقت او حوار النظريات في مجال الخطاب بانه يبدو ان هناك سلسلة كاملة من المواقف اليسارية والايديولوجية من المتعة ومذهب المتعة في ماضينا القريب . وتحتاج الي مواجهة كل احدي هذه الأيدولوجيات القديمة . كيف تميز بين المتعة الحقيقية والاقتصار علي التسلية او انحدار وقت الفراغ لتمتصه هذه السلعة المختلة تماما والتي تسمي المتعة ؟ فان الشكل الاستهلاكي يغلب علي معظم اشكال المتاع الحميمية القديمة من الجنس الي القراءة اذا كان ما يتخيله الناس اليوم معه ليس سواء سلعة ثابته . فكيف نتعام مع هذا الشكل من الادمان ؟ من الذي سيبلغهم بان متعتهم الاستهلاكية تقتصر في الواقع علي كونها وعيا زائفا ؟ تقول الكاتبة ان الفقرة السابقة اعدها استاذ في لعبة الاعتراض. وذلك حول عدة نقاط منها :

ماذا نفكر حقـــــــا               مقابل               اعتماد بقايا ايديولوجيات قديمــة

متاع حقيقيــــــــــــــة               مقابل                تسلية مجــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــردة

وقت فـــــــــــــــــــــــراغ               مقابل                سلعة للترفيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه

متاع حميمـــــــــة                مقابل               استهلاك سلعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة

تخيل ان تكون                مقابل               لا شيء ســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوي

متعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة                مقابل               سلعة ثابتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة

متعة واعيــــــــــة                 مقابل               وعي زائــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــف

ولكن الي أي مدي ؟ ان الهدف هذا هو احد تلك الاهداف التي تقبلها الدراما البريختية :

ان هناك متعة سياسية وتاريخية تبدو واضحة . وضوح  غموضها الاساسي في التجربة الاجتماعية والرمزية . والاستخدام السياسي الامثل للمتعة يجب ان يكون دائما مجازيا. وتضمين اية متعة يستوجب وضعها في موضع سياسي . ويجب ان يشتمل دائما علي بؤرة اهتمام ثنائية الحق في متعة محددة في استمتاع محدد باحتماليات الجسم المادي .. وذلك حتي لا يظل. كما هو واذا كان لها ان تبطل الرضا الذاتي لمذهب المتعة فيجب ان تكون دائما بطريقة او اخري قادرة علي ان تمثل شكلا لتحول العلاقات الاجتماعية ككل.

فالحق في المتعة. كعامل مختلف عن الوسائل الأخرى لتحقيق المتعة ( اذ كان لنا ان نبطل الرضا الذاتي في مذهب المتعة والتي قذ جذرنا منها بافز  في نقده لتطبيق ما بعد الحداثة قد وفقنا من خلال تحويل المحلي الي مجازي ؟ وذلك للمجتمع ككل . ونذكر فكر الغموض الاساسي للمتعة كخبرة اجتماعية رمزية ويظل المسرح ذا مغزي بالنسبة للممارسة الجمعية وذلك في ظل المناخ السائد في التسعينيات والذي تحولت الممارسة الجمعية فيه تحديدا واحدة بعد الأخرى امام اعيننا ويجب ان نفحص مجددا مقترح ديمسون الاخير:

الحق في المتعة  التي يجب ان تكون بطريقة او اخري ، قادرة علي تمثيل تحول العلاقات الاجتماعية . وهذا الغرض يؤكد بدرجة اقل علي التحول المثالي للعلاقات الاجتماعية . ويؤكد بدرجة اكبر علي غموض العناصر الأخرى : يمثل شيئا او اخر بطريقة او اخري.

واذا لم يكن من اجل التغيرات الحداثية في بنية اوروبا   وسياساتها. فان هذا التأكيد الجديد ما يضع بحثنا  داخل الأطر غير المحددة للصور الزائفة  . فيمكن هنا للمتعة الحقيقية ان تثبت نفسها شريطة ان تنتج اشارات وان تظهر شكلا مجازيا. ولكن اين ظهرت هذه الاشارات ؟ في الاخراج او في تفسيرها بواسطة المشاهد؟ اذا كان هذا أي الاخراج لا يحتاج الي ذاك ، أي المشاهد كنوع من ممارسة السلطة الذي يؤكد علي الوضوح في الاخراج المسرحي والذي اكده بافز في مثل هذه الحالة ذات الدلالة . فان الفائدة العظمي يمكن ان يقال انها تقدم في اطار متعة مكثفة اكثر . لكن هذا يستدعي تساؤلا مزدوجا: اولا : اليس هذا هو ما تفوق المسرح فيه دائما ؟ وثانيا ، ماذا يمكن ان يضمن في التسعينيات مشروعا من هذه المتعة المكثفة بالمجاز ، في اطار الواقع اليومي ؟ بالنسبة لبافز ، فان هذا السؤال يسخر من  عدم مبالاة ما بعد الحداثة ، ولكن هل يقود الطموح البريختي المشاهدين البريطانيين علي الاقل لشيء مثل عامل الشعور الجيد ” الواقعي ؟ ان الطموح الي الوعي استبقاء وانشاء المقابل للتطهر يعمل في توظيف مختلف للطاقة. لكنه يبقي مع كل ذلك، داخل المجال المغلق للمتعة الجمالية حسبما يذهب ماكس ويبر وفان ارفين من الجنس المبدع الي سياسية بلا عمل . هل يستطيع البعد الجمالي – وهو عامل هام في انتاج كاثاكالي لجورد روزا وهي متعة اكثر امتاعا بالتحديد في انفصالها عن الحالات اليومية للواقع – ان تنتج للمسرح الاوروبي ، لمشاهد بريخت ، في الفترة ما بعد بريخت ، العلاقة المضادة تماما لفائض العالم المسرحي ؟

وما دام البعض يعمل في العمل المسرحي في مساحة الوحدات المنفصلة كالممثل والشخصية والممثل المتفرج والواقع والخيال فإنها أي هذه الوحدات تنسجم مع العمق المسرحي ولا تتضاد معه . ويبدو لنا ان المتعة في المسرح والامتاع قد ارتبطتا معا في عمل مغلق . وذلك مع ان المشاهد يثري وينوع استجاباته . هل تشكل هذه الملاحظة افتراضا نظريا ؟ اوضح اشتيجل الرؤية الاوروبية البديلة المعاصرة في محيط الثورة في تشكوسلوفاكيا . لجا الي الأدوار المختلفة التي ظهرت في الدراما لتمثل الحياة اليومية الواقعية في التليفزيون . وذلك لتكون قادرة علي العمل في التغيرات السياسية الحديثة في روسيا السابقة .

تري هل يمكننا ان نفترض ان كل قطعة من الكتابة الدرامية التي توجه الينا وكل مثل من الاخراج المسرحي الذي يقيدنا داخله ويجذب انتباهنا لفترة مؤقت. وبالأسلوب ينتج اعتقادا من خلال البراعة الفنية . البراعة في مجتمع تسيطر عليه وسائل الاعلام هو الشيء المعتاد. وبذلك  يفقد التميز او الكلية او الحقائق الكلية القادمة من ماضي مثالي . وتواجه الفنون المؤثرة وفي تناقض الان من خلال تطبيق عملي عال المطلق السابق غير القابلة للشك. هذا التحول اذا قبلناه يتطلب من صانعي الكلمة نظاما جديدا للخطاب لتحديد التطبيقات المتغيرة ، في هذا النظام الخاص بالخطاب يصبح العرض الفعال هدفا عمليا.

ان وجود انفصالية النماذج الخاصة بتطبيقات الحياة اليومية لها صدي بين عدد من المجالات الغير مترابطة لمتطلبات العلم الانساني في الثمانينيات ، فنحن نحتاج الي نظرية للمواقف الجسدانية الانسانية التي هي نفسها فكر جسداني يقتصر علي التوازي او علي تكملة الفكر الذي حدده الاستراتيجيات المرغوبة والمدروسة دراسة جيدة .

وهذا التداخل بين العلامات الذي بذاته فكر، لم يأخذ شكلا منطقيا سببيا او توليدينا، لكن يمكن من خلال القرار ذاته: الفعل والوسيلة أتههما ان ننتهز الفرصة، انه الفكر نفسه الذي اختبره حقا المؤدي الدرامي مثل المصمم ، والرسام ،والمصور الفوتوغرافي ، والموسيقي والكاتب ايضا العالم . ليس فقط في اثناء البروفة لكن ايضا في اثناء العرض، ويقف المشاهد مواقف متشابهة للذكاء الادائي في اثناء العرض .والتي لا تتناسب مع التحضيرات الثانوية في الانثروبولوجيا..

هناك عنصر اخر هام للعلامات المسرحية من دي سيرتو. يشتق من تحليل التحولات التاريخية داخل المناهج المؤقتة وهو يكون ويحتوي ما يمكن ان نطلق عليه معلومات ملائمة وتكون فيها مواضع علم العلامات نفسها رائعة في عملها . ولفهم مغزي هذا الاقتراح نحتاج الي اقرار مدي تقبلنا، القبول الفطري السليم لهذه المواقف الناتجة او التي لابد ان تنتج من الفكر ، والا فستكون مواقف غريزية وتفتقد للفكر. وتتحكم فيها المشاعر والرغبات ، ومن ثم فهي خطرة تنشط ازدواجية الاولي ، وتقيم عقلانية في مقابل اللاعقلانية، وتنخرط في سلسلة من الازدواجية. وتشتمل علي الاحكام الاخلاقية واحكام التذوق . اما التقاليد الاستطرادية التي من خلالها يكون الفكر فعلا فهي تعتمد علي المؤدي في اندفاعه الواضح لا يوحي بفعل لفظي ، ولكن بدل ذلك فهو يرسم مشهدا مسرحيا هزليا بواسطة الصوت او اليد او التفاتة الجسد او التواء ، انه اختيار علامي معقد في اطار مضمون معقد بالقدر نفسه وهو يتكون من المكان وخشبة المسرح والجانب الخيالي والاطار التوجيهي والمركب الدرامي المكتوب .جلب المؤدي فعلا رمزيا علاميا تظل عوامله المحددة محجوبة بأسلوب معقد ، وليس تكرار لفعل علامي لمعطي استطرادي. ورغ م ان الخطاب ليس هو المسيطر هنا فان القبول المرضي للفعل الاستطرادي يكون بقدر ما يمكن ان يقال عن الممثل انه يشعر ببداهة تلك الاستجابة  اكثر من معرفته بالمساحة التي يمكن ان يشغلها الجسد داخل النسيج المعقد. أن العرف الاستطرادي الراسخ يجعل الممثل يعيد تنشيط نفسه وحسب بل يستجيب ولا يبادر ، وهو بديهي اكثر منه فكريا . وهو رقيق في خداعه ومهاراته الجسدية وهو ماهر بصرف النظر عن جنسه.

وما ما نستطيع ان ندعي انه غير خيال علامي يمكن تغريبه ، بواسطة الدعم الاسلوبي. يبدو اننا نحتاج ان نحول تفاصيل الحياة اليومية الي عرض مسرحي .

حقيقة ان هذه الدراسة عميقة وطويلة لا يمكن اختصارها تناولت منها اهم ما ورد فيها من تعمق وفلسفة التجدد المسرحي وعلاماته .  وسنحاول في مقالات قادمة ان نأخذ بعضا اخر من صفحاتها  .

كتاب الفن المعاصر : مقال سوزان ملروز ؟ ترجمة ايمان حجازي .

home

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح