الدلالات الدرامية للنظم الطقسية في الدراما التجريبية – عبد الغني داوود

الدرامية للنظم الطقسية في الدراما التجريبية
الدلالات الدرامية للنظم الطقسية في الدراما التجريبية – إصدار الهيئة العربية للمسرح 2019

يقدم (د.مصطفي سليم) الشاعر ورئيس قسم النقد بالمعهد العالي للفنون المسرحية دراسته الأكاديمية “الدلالات الدرامية للنظم الطقسية في الدراما التجريبية. مطبوعات الهيئة العربية للمسرح -2019 في 323 ص تحت إشراف الدكتور (مصطفي يوسف) ومناقشة الاستاذين د.عصام عبد العزيز ، د. نادية كامل )والذي يتناول بعض العروض التي تم تناولها في مهرجان المسرح التجريبي منذ عام 1988، ويقرر  الباحث في مقدمته أنه لم يجد سوى عدد ضئيل من المقالات النقدية التي تتعرض لقضايا الطقس والمسرح كما وجد العديد من التصورات الخاصة بنقاء المسرح المعاصرين لا تخضع بشكل كامل للنقد الحديث ، وتتحدد مشكلة البحث في ضوء عنوانه للعروض المقدمة في مصر منذ عام (1962 – 2003) أي علي مدى واحد واربعين عاما (41سنه)، واختار خمسة عشر عرضا تم تقديمها في الفترة من 1962 حتي عام 2002، وهي ( ياطالع الشجرة  لتوفيق الحكيم – ياسين وبهية لنجيب سرور 1962-الفرافير ليوسف ادريس 1964- ليالي الحصاد  لمحمود دياب 1980- قطة بسبع ترواح لرأفت الدويري 1980- درب عسكر لمحسن مصيلحى 1985 – دقة زار” لمحمد الفيل” 1987 – أحدب توتردام إعداد شريف صبحي 1993- الطوق والاسورة إعداد سامح مهران 1966 – حورس والصمت لعصام عبدالعزيز 2000- المولوية للسيد محمد علي 2001 – “الرقص علي جدار الموت” لأحمد سخسوخ 2002 .
وقد تم تقسيم هذا الكتاب (الدراسة) الي مدخل وبابين، ويتعرض الكاتب في المدخل لمفاهيم الأنثروبولوجيا والطقس والمسرح التجريبي ونقاط التماس والتعارض والتماثل والتناقض بينهما  – حيث يشير إلي أن الانثروبولوجيا تتكئ في أحد أبعادها الحادة علي الطقس عند الإنسان من خلال أفعاله التي تتحول الي فعل عادة، ويصعب التخلي عنها بسهولة، ويستشهد في تناوله لهذا الموضوع  بدراسات العلماء  في هذا المجال مثل (كلودليفي شتراوس) وكتابه “الانثروبولوجيا البنائية” ويستغرقه البحث في الاثار القديمة والتي يتماشي مع الاركيولوجيا وعلم الوراثة وعلم اللغة، وتتكامل مع العلوم الاخري مثل (السوسيولوجيا وعلم النفس ) مُستشهداً باراء فلاسفة مثل (ايمانويل كانت) للانثروبولوجيا، وكذلك(هيدجز)، وينتقل لدراسه (انثروبولوجيا الفولكلور) وأراء (فريذر)و(تايلور) حول الفولكلور، ونفور الانثروبولوجين من مصطلح الفولكلور. ويتعمق الكاتب في مفهوم الطقس مُستعرضاً كافة الاراء حول تعريف الطقس من فلاسفة وباحثين، وكذلك علاقة الطقس والأسطورة مُستطرداً ومُستعرضاً أفكار منظرين من امثال (رولان بارت ) حول معني الأسطورة بل ويعود مرة أخري إلي ابحاث (جيمس فريزر ) مُستخلصاً في بحثه أن الأسطورة نشات عن الطقوس، وأخيرا يعود إلي المسرح في فصل الطقوس كمادة للتجريب في المسرح، ويشير الي ان التجريب في المسرح المصري مر بثلاث مراحل اختلفت فيها دوافع التجريب وأهدافه حسب الظروف والمواصفات السياسية والاجتماعية والاقتصادية – (فالمرحلة الاولي ) تبدأ مع افتتاح (مسرح الجيب) 1962 ، وهي مرحلة  تعكس أزمة الازدواجية الثقافية بين (الأصالة )متمثلة في دعوات التأصيل، وانعكست علي المنظرين (يوسف ادريس وتوفيق الحكيم وعلي الراعي) وبين المعاصرة متمثلة في الترجمات والإقتباسات والدراسات والبعثات، والتي تمثلت في ابداعات المخرجين ( سعد اردش ، جلال الشرقاوي ، كرم مطاوع،احمد زكي ) وغيرهم . و(المرحلة الثانية ) تبدا مع الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات حيث استمر تيار التأصيل في جهاده لتأسيس مسرح مصري الهوية.. لكنه معارض للنظام هذه المرة ومعزول عنه  ونجد انعاكسات هذه المرحلة في أعمال كتاب الجيل الثاني امثال ( رافت الدويري ومحمد الفيل) ومخرجين من أمثال ( صالح سعد وعبدالرحمن عرنوسي) و(المرحلة الثالثة ) وتبدأ مع تأسيس مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجربي عام 1988 ( حيث ساهم في إحياء التجريب في المسرح علي نطاق أوسع وأشمل بخاصة علي مستوى الشباب والأجيال التي لم تعرف التجريب، وتنوع التجريب في هذه المرحلة ليصبح هدفا في ذاته كما في اعمال المخرجين امثال ( انتصار عبدالفتاح ،ناصر عبدالمنعم ، حسن الجريتلي، ووليد عوني  وكتاب من امثال ( محسن مصيلحي ، واحمد سخسوخ ، عصام عبدالعزيز ، سيد محمد علي  ، سامح مهران ) كما ساهم الباحث بعملين هما “بانوراما فرعونية ، “ومحطة هاملت”) ويري الباحث انه قد سبقت كل مرحلة تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية أثرت في بنية المجتمع وعدلت من الأنظمة التعبيرية داخل المجتمع حتي ولم يكن بنظرية الانعكاس.. في الفنان نفسه تتأثر رؤيته حين تتغير الحياة ففي كل مرحلة من مراحل التجريب تغيرت أهداف النظم الطقسية في المسرح وتعدل وضعها ).
وأتصور أن الباحث قد تناول المراحل الثلاث بشكل آلي غير منتبه لقضية هوية المسرح المصري والمسرح العربي وان التجارب في المراحل الثلاث لم يتح لها التعبير عن هويتها لانها في الغالب تظل تبحث عن شكل وعن هوية مع مراعاة أنها غالبا ما تتكيف مع شعارات السلطة في كل مرحلة فيما عدا بعض التجارب القليلة التي كانت تسبح ضد التيار، ولا تلتزم بترويح وتبرير شعارات كل سلطة .
وفي الفصل الاول وعنوانه (الدلالات الدرامية لطقوس التطهير الجسدي في الدراما  التجريبية) ويقصد بالتطهير الجسدي أي تلك التي تقوم علي الاداء الجسدي الإيقاعي، ويستفيض الباحث  في تقديم دراسة فلسفية سوسيولوجية الطقس عموما وإشكاله ( كالطقوس الحرة ، والطقوس المقيدة ، وعبادة السلف ) مُستشهداً بنظريات الباحثين في هذا المجال من امثال (دور كايم) وان طقوس التطهير الجسدي تنقسم الي قسمين : طقوس الاستشهاد والتأثير الجسدي مثل (التعازي الشيعية ) وطقوس التسامي والتفريغ النفسي مثل (الذكر والزار وطقوس عبدة الشيطان) ويعود الباحث الي الاستغراق في دراسة التاريخ الإسلامي بين (النحل والملل) والسنة والشيعة ، والشعائر الحسينية وتاريخها، وان الحسين هو نموذج البطل الشهيد، ويتابع نشأة وتطور الشعائر الحسينية ويرجع الي المراجع العربية القديمة عند (ابن الجوزي) وغيره من المؤرخين، ويرجع الي تعريف (التراجيديا) عند (أرسطو) وعلاقة هذه الشعائر الحسينية بالتراجيديا الأرسطية، ويري ان الشعائر الحسينية المقدسة في العاشر من محرم كل عام والتي يطلق عليها (التشابيه) تقترب من المفهوم الأكاديمي للتراجيديا الأرسطية رغم ما ظهر في الأيام الأخيرة من دراسات حول دوره كما في كتاب أرسطو “مصاص دماء الدراما الغربية” والذي توقفت دراساته اي ارسطو عند النص فقط دون العرض وتحت عنوان (اللطميات ومشهد الاستشهاد) عند الحسين بن علي.. يتوقف عند نص (عبدالرحمن الشرقاوي) “الحسين شهيدا “ فيري ان المسرحية تكاد ان تكون اقتباسا رائعا لمشهد التعازي الرئيسي الذي يُقام في الليلة العاشرة  من شهر المحرم الهجري لينتهي إليها الموكب الحسيني الذي يعج بأشكال التعذيب والتنكيل بالنفس عبر اراقة الدماء التي تصل بالمنتشي الي الموت وان الكاتب (عبدالرحمن الشرقاوي) يقيم هنا نوعا من العدالة والتشفي ممن قتلوا الحسين، وهو بذلك يحد من طاقة التعذيب وجلد الذات / الجسد عند الممارسين للطقس، وانه يخفف بالتشفي طاقة العنف، وانه بخلاف (المنظرين الخامس والسادس) فان مسرحية ( الحسين شهيدا ) تلتزم الي حد ما بالنسق السردي لملحمة مقتل الحسين في (الحوارية) كما يرويها الرواة،  وان المناظر الأربعة الاولي تلتزم بتنظيرات (الشيرازي) شكلا ونص التعازي كما ورد عند (محمد عزيزة) في كتابه “المسرح الاسلامي “ وان (الشرقاوي) ملأ النص بمفردات (الوحدة ، الظلم، الحرية ، المساواة وغيرها من الافكار الحديثة مُحاولاً أن يتجه بالنص نحو ملفات عصرية تحيلنا الي الواقع العربي، ويعود (د.مصطفي سليم) الي تفاصيل التعازي الشيعية كما وردت في كتاب “المسرح الإسلامي” لمحمد عزيزة ويبحث عن (الخطأ التراجيدي ) الذي ارتكبه الحسين وانه كان يقوم (بتكليف رباني) لضمان نقاء التشريع والإسلام الكامل.. لذا فهو يري ان مفهوم البطل الاستشهادي الديني ادق من البطل التراجيدي ويشير أن (الشرقاوي) استخدم حيلة الشبح ليعود بالبنية للشكل الأوربي، ويري الحسين في مسرحية الشرقاوي يمثل الحكم العربي المستحيل، وهذه الاستحالة يدل عليها الاستشهاد البطولي الذي قام به رغم ان الكاتب في المنظر الاخير يتحرر تماما من البنية الطقسية لمشهد  التعازي ويرتمي في احضان التراجيديا والنهايات الشكسبرية، ويتساءل الباحث في النهاية هل (الحسين شهيدا) نموذج للدراما الخلاصية كما يسميها (روبرت بوستاين) في كتابه “المسرح الثوري ، وينتهي الي ان مسرحيه “الحسين شهيدا” تقدم لنا نموذجا جديدا للبطولة لم يكن في حاجة لأية مدخلات فكرية غريبة لأنه قادر علي الحياة في قلب المسرح، ويملك امكانية التجريد والتعبير عن الموقف الإنساني ومع ذلك فتجريبية النص تتيح للكاتب الاستعانة باي حل فني ينتمي لتراث المسرح في اي زمان ومكان ونسأل الباحث  هنا هل يقصد (تراث) المسرح الغربي ام تراث مسرح اخر؟
والفصل الثاني من هذا الكتاب عنوانه ( النفس والروح والجسد في الدراما التجريبية )
وطقوسه(الذكر واشكاله) ويستفيض الباحث في متابعة نشأة الحركات الصوفية وطبقاتهم وينتقل الي التصورات والمعتقدات الصوفية والاولياء وطبقات الصوفية في المقامات والاحوال ويشير الي البعد التراجيدي للتصوف بمسرحية “مأساة الحلاج” للشاعر صلاح عبدالصبور في مسرحيته”مأساة الحلاج” وهي في رأي الباحث: (تحليلا فلسفيا شعريا لموقف الحلاج والشبلي بشكل مطول، ويري ان نموذج الخلاص الصوفي يختلف عن نموذج الخلاص الشيعي لأن الحلاج لا يستمد قوته من مورث النبوة بصلة الدم، والتي تلعب دورا في تأكيد الخطأ التراجيدي الذي أكد عليه (عبدالصبور) في محاولة (الشبلي)، ويري ان الاضافة الهامة التي اضافها (عبدالصبور) لنظام الخلاص الصوفي ليعبر عن رؤيته فالنموذج الاستشهادي هنا يذهب بنا لنموذج التقبل الخلاصي في دراما القرن العشرين في اوروبا، وانه قد ركز علي الموقف السياسي للصوفية ليعرض غموض الموقف العقائدي، وينتقل الي مسرحة الذكر في (المولوية) لسيد محمد على  لجماعه الصوفية التي تنتمي الي (جلال الدين الرومي)، ويتطرق الي الموسيقي الصوفية وآلات (الناي والدف والعود)…

ويستطرد الباحث في وصف حلقاتهم واشعار الرومي الصوفية وحركات الذكر لديهم، ويضرب مثالا بالعرض الذي كتبه (سيد محمد علي) بعنوان المولوية الذي يري الباحث ان المؤلف كتب شعائر المولوية  كما هي.. حيث تضعنا نهاية المسرحية  امام حيرة كبيرة.. فهي لا تؤدي الي نتائج محددة أو أثر جمالي مفهوم، وينتقل الكتاب الي (طقوس الزار) فيضيف تفاصيل هذا الطقس مستعينا بآراء الباحثين العلميين في هذا الموضوع، ويطبق هذا العرض علي عرضي “عروسة الزار” لعادل العليمي  و”دقة زار” لمحمد الفيل.. اما “عروسة الزار” فتتناول مريضة نفسية تحتاج لتفريغ الكبت لعلاج نفسي فبعد دخول المريضة حالة من اللاوعي بسبب الحالة الطقسية الخاصة في حفلات الزار.. إذ توجد إضاءة ذات وقع خاص وتشعل أعواد البخور، وحين تدق الدفوف يترنح الجميع يمينا ويسارا، ويري الباحث ان العليمي قدم حفلة الزار كما هي .. فيقدم عرضا طقسيا فيه من القسوة والبدائية ما يجعل المسرح قادرا علي ان يحل محل الطقس مما جعل العرض يلغي المسافة بين الفن والطقس فإذا بالمتفرجين يصدقون ما يرونه ويؤمنوا  به..  اما في معالجة محمد الفيل “دقة زار” فالأمر كان مختلفا فالمسرحية مالت ناحية التحليل النفسي والتفسيرات الاجتماعية والاقتصادية لمجموعة من المشكلات النسائية ذات المردود النفسي والاجتماعي والاقتصادي في المجتمع المصري المعاصر ،وأشار إلي أن محمد الفيل قد قدم بنية درامية مترابطة غير متناقضة مع التراث المسرحي.. فنحن أمام شخصيات واضحة يبرر المكان وجودها داخل الحفلة، وان كان قد ارتد للبنية الغربية حين جسد بعض مشاهد من ماضي كل شخصية (كفلاش باك).

وينتقل الباحث إلي (طقوس عبده الشيطان ) فيتعرض نشأة هذه الطقوس وتكوين احد أعمدتها (انطون لافي) لجماعته عام 1996 ، ومبادئها التسع وتقسيم طقوسها الي (طقوس جنسية ،وطقوس عنيفة وطقوس الرحمة ) ولعباد الشيطان أربعة أعياد في السنة ويتناول الباحث عرض “الرقص علي جدار الموت “ (لاحمد سخسوخ) الذي حاول تضمينها ما بين المسرح الوثائقي والمسرح السوريالي، ويري ان الخطأ التاريخي للعرض يمثل التيار الأول داخل النص وينتقد النظرة النقدية لعبده الشيطان والتي يفرضها الشكل الوثائقي الذي يفرغ الجانب الطقسي من محتواه، وتشكك فيه باعتباره زائفا ولا يعبر عن دين معين، ويستطرد الباحث طويلا في سرد تاريخ وأسرار هذا الطقس مشيرا إلي أن المؤلف (احمد سخسوخ) قد تعرض لعدد ستة طقوس هي طقوس القربان والدم والرحمة والجنس والغضب) واستدعاء الأرواح أو إحيائها والتمثيل بالجثث وتحللها) وان كانت قد استهلت لغة النص بعض (التعازيم) التي تخلط بين أسماء أسياد الجن وبين إبليس / الشيطان مثل (شمورش والملك الأحمر) وهذه الأسماء نفسها هي التي تُستخدم في التعاويز (الكودية) التي تعالج المرضي الذين تلبسهم الشيطان أو احد أسياد الجن في حفلات الزار .

ونأتي الي الباب الثاني من هذه الدراسة وعنوانها ( الدلالات الدرامية للطقوس الاجتماعية في الدراما التجريبية) ويعود فيه الي كتابات (يوسف ادريس وتوفيق وعلي الراعي) والتي ظلت تتناسخ وتتطور في ذهنية المبدعين طوال فترة السبعينات، ويري الباحث انهم جميعا – رغم اختلافاتهم- قد قاموا بعمل متشابه في هدفه وصيغته.. فقد بحثوا جميعا عن هوية المسرح وانهم عادوا جميعا للطقوس والنظم التعبيرية الجماعية ذات الشكل الكرنفالي وعلاقته بالطقوس وبالدراما والنقد الادبي .

وفي الفصل الاول من الباب الثاني يتناول الباحث الطقوس الكرنفالية العامة في الدراما التجريبية ، واتصور .. كما في كتابي “حفريات فى المادة المسرحية الخام “ 20210 –  المجلس الاعلى للثقافة – ومن قبلها فى مجلة المسرح في الثمانينيات – ان ( رأفت الدويري) هو ابرز كاتب مسرحي مصرى كرس نفسه لهذا المنحي الطقسي في اعمالة المسرحية منذ اوائل الثمانينات . ويتناول الباحث فى هذا مفهوم الكرنفالية والكرنفالية كمفهوم اداء جماعي، والكرنفالية كمادة فنية درامية، والكرنفالية كمفهوم اداء اجتماعي، والكرنفالية كمفهوم نقدي، ويكشف كيف استفاد (محمود دياب) و(رافت الدويري) من الصيغه الكرنفالية التي تشبه المولد وأعياد الحصاد وأسطورة ايزيس واوززريس، ويستشهد بكتاب “المسرح المصري القديم” تاليف (اتيتن دريوتون) واسطورة الخصب، ويطبق كل هذا علي نص الدوري” قطة بسبع ترواح” حيث يمزج بين العقائد الاوزيرية والمسيحية والاسلامية، وان هذه المسرحية تشبه معرضا للطقوس التي تمثل ثقافات مختلفة متناقضة عقائديا، وان النص يتحرك في مسارات غامضة غموض الطقوس نفسها، ويري اننا يمكن ان نطلق علي بنية هذه المسرحية الطقسية بنية كرنفالية.. حيث ان الهدف واحد وهو تفريغ الهم الجمعي.. اما (محمود دياب) فيقيم عمله علي غرار (ليالي الحصاد) وان الأحداث تصور في مجملها القهر المتبادل بين القوي المتضاربة علي الري والاراضي والمحصول.. كما يتحول  الباحث الي نص “الفرافير” ليوسف ادريس وما به من مظاهر تمثيلية ساخرة..

وفي نص “ بلدي يا بلدي” لرشاد رشدي، و” المخبطاتية “ لسيد محمد علي، وفي “ درب عسكر” لمحسن مصيلحي.. حيث نجد العديد من المظاهر الكرنفالية  متعددة المنابع والأصول والأزمنة أيضا.. ويقرر ان الكتاب التجريبيين كانوا في الاغلب في حالة تصالح عقائدي مع الأديان والعقائد المختلفة، ويستفيض في شرح انواع الكارنفالات ذات الاصول الفرعونية والموالد الاسلامية والفداء والصيام ويتناول بالتفصيل البنية الكارنفالية للأعياد ذات الاصول الفرعونية وامتدادها الي اليهودية والمسيحية، وكذا كرنفالات الموالد وتطور دلالتها الثقافية وموالد الاولياء المسلمين وتعددها في مصر وكذلك أعياد الغذاء وأشهر الصيام .ويتناول بنية الكرنفال (النص التجريبي ) ويقسمهم الي أجيال بسبب اختلافهم وتباينهم (فالجيل الاول) تعامل مع الطقس الكرنفالي  كخلفية اسقاطيه بإزاحة الكرنفال مثل (محمود دياب) في “ليالي الحصاد”، وعن جيل المجربين الثاني يشير الي تعاملهم مع الكرنفال كمادة أدائية وأسلوب كتابة فيخضعه للإغراض الدرامية كما فعل (رافت الدويري) في “قطة بسبع ترواح” حين يقيم عالما من النظم الطقسية تقوم هي بطرح معادلات الصراع في محاولة للتحرر الكامل من اثر البنيات الأوربية، ويري ان (جيل المجربين الثالث) يتعامل مع المادة الطقسية والأسطورية معا ويفرغهما ليوجه الدلالة ناحية المدلولات الاجتماعية والسياسية والوجودية مثل ( د.عصام عبدالعزيز في “حورس والصمت” ) ، وسيد محمد علي في “المحبظاتية”  الذي يتعامل مع المادة الدرامية التي يحتويها الكرنفال.. بغض النظر عن مضمون الكرنفال ومناسبته .

اما (محسن مصيلحي) فهو يحاول مثل كتاب الجيل التاني لتحقيق اصالته بعيداً عن تطبيقات جيل الرواد من المجربين مثل (دياب الشرقاوي وادريس والحكيم وعبدالصبور) ويقرر الباحث ان المراحل التي تم الإشارة اليها وتناولها بالدراسه فانه حولها الي نص مسرحي تجريبي عام 1995 بعنوان “بانوراما فرعونية”  فانه اضاف بعض النصوص الدرامية الطقسية السحرية الفرعونية التي جمعها (دريتون) بعد ترميمها وانه لم يكتفي بتمثل البنية الدرامية بكرنفالات الحصاد-  حتي تقوم كل شخصية بتجسيد همومها وهموم الشخصيات الأخري في تبادل مستمر يختلط فيه الوهم بالواقع، ويتطرق في نهاية الفصل الي وظيفة (الإرتجال) في عرض “المحبظين”، “ودرب عسكري” وان الجمهور في كلا العرضين لم يشارك مشاركة فعالة معهما رغم انهما يعتمدان علي الشكل الكرنفالي للارتجال .

وفي الفصل الثاني والأخير وعنوانه ( طقوس الميلاد والزواج والموت في الدراما التجريبية ) فيقوم بتقديم دراسة تاريخية (تصنيفات الطقوس العائلية) يستعرض فيه احتفاليات (ليلة السبوع والختان وغيرهما)، ويرجع فيه إلي “معجم الفولكلور” بإشراف د. عبد الحميد يونس، ويستعرض طقوس الميلاد في مسرحية  “ياطالع الشجرة” لتوفيق الحكيم، ويري أن أسطورة  (يا طالع الشجرة هاتلي معاك بقرة) حيلة درامية يلجأ لها (الحكيم) ليقيم عبثيته أو معاصرته الشعبية فهي تعطي الفرصة لتجاوز حواجز الزمان والمكان ومن ثم الجمع بين المتعارضات وفي تصوري ان (الحكيم) في هذا النص قد اتخذ مسارا (صوفيا) وليس(عبثيا) موظفا فيه مفردات صوفية، وهو ما اشرت اليه في كتابي “ الاداء السياسي في مسرح الستينيات “ 1996 –  هيئة قصور الثقافة ، بينما يري (الباحث) انه رغم التشكيك في أصالة هذا النص وعبثيته حين أخرجه الأستاذ سعد أردش بطريقة واقعية.. إلا أن التحليل يؤكد أن النص يطرح نموذجا فريدا لتوظيف طقوس الميلاد المحلية في الدراما التجريبية في مصر ويعود من دراساته الداعية إلي المسرح حين يستعرض طقوس الزواج في مسرحية ( ياسين وبهية) لنجيب سرور، وأن الأم في هذا النص قد أحالت عناصر طقوس الزواج ، ومراحله إلي رموز داخل الحلم ، ولكن بقي من حلم ( بهية) الريح العاتية ، والشال الأحمر دون تفسير ؛ وينتقل إلي (الأسطورة / النبؤة وهو ما يفسر اغتيال ياسمين في نهاية المسرحية  لنتامل الأسطورة ورموزها / وتتحقق النبؤة أي( ياسين/ حلم بهية/ الوطن الضائع / الفردس المفقود/ بهوت مصر ) ، وأخيرا طقوس الموت وما يصاحبها من ( عديد ) أي البكاء علي الميت ، وألوان العديد ، ويستشهد الباحث بمشهد الجنازة في مسرحية “ الفرافير” ، وأن (ميت) يوسف ادريس هنا ميت خامل الفكر، فالسيد والفرفور – سخرا منه في بداية المسرحية ، وها هما الآن (عبدان) عنده ..بعد أن ماتا…

وتظهر الدلالة الدرامية المركزية في المشهد الأخير حين يختلف السيد والفرفور علي الأدوار من سيمارس دور العبد ، ويفشلان طبعا في الإتفاق ، و(يرفدهما) (الميت) ، ويرحل، ويظل المشهد بين السيد والفرفور في هذا الدوران اللامنتهي “بجنازته الفنتازية ليكون فجأة  (الميت “ الحادي عشر) الذي يرفدهما ، وفي هذا الفصل يستشهد بمسرحية “ سفر المطرودين “ إعداد وإخراج : انتصار عبدالفتاح ، ويري أن المسرحية عبارة عن طقوس حركية موسيقية تصور غواية الإنسان ورحلة الحياة نحو الموت / الحقيقة الوحيدة ، ويشير إلي أن الكفن هو العلامة الطقسية المركزية التي تمر بمجموعة من التحولات التي تعدل دلالتها – لتشمل ( الحياة ، الغواية ، الشيطان ، والإنسان ومراحل وجوده ) ، وأن المفردات الأساسية لهذا العرض تقوم علي علامات الموت والحداد التي تولد مع الإنسان / الشاعر ، أما ممثل دور قرينة ، فيرتدي الأسود ، ملابس الحداد ، ويستمد ( انتصار عبد الفتاح) علاقة الإنسان بالحياة من الإنجيل ، فالمرأة هي الحياة وهي الغواية ، ويعود إلي (العديد ) مرة اخرى في مسرحية “ الطوق والأسورة “ عن الطاهر عبدالله ، وإعداد : سامح مهران ، وأن هذا العرض حصل علي اهتمام النقاد بما فيه من معرض للطقوس الشعبية بخاصة طقوس الموت في الصعيد التي عالجها (المعد) بأمانة شديدة مع وقائعها والتقط أجواءها الغامضة…

أما المخرج فقد استفاد من تكنيك السينما في الإنتقال السريع بين المشاهد بأماكنها ووقائعها المختلفة، وقد تعانق حدث مقتل (حورية) الإبنة مع حدث موت (هنادي) عبر ظهور “ صوت الكروان في خلفية مشهد فيلم “دعاء الكروان” بحيث أوحي للمشاهد وكأن هناك خيطا بين كل اللواتي يفقدن حياتهن في البيئات الفقيرة بسبب فقرهن وجهلهن التابع له ، وأن المسرحية تعالج حكاية (فهيمة ) النص / المجتمع / الكاتب، وتبدأ بالعجز ، ورحيل العائل ، ( البشاري) ، الذي أصيب بالعجز قبل الفناء ، فهو ميت منذ أن توقف دوره الإجتماعي ، الذي تقوم به (الام) سلطة القهر البديلة داخل الأسرة ، ومع موت (البشاري) تبدأ أولي المشاهد الطقسية في المسرحية ، لتلقي بظلالها علي العرض كله . فقد استخدم المخرج طقوس الحداد ، وعلي رأسها مشهد (العديد ) الذي يبرز النفاق الديني لدي رجال الدين من ناحية ، والجهل بالدين لدي العامة من ناحية أخري ، فالشيخ (فاضل ) يرفض .. مستشهدا بالنص الديني هذا النواح والندب ، بينما يقبل النذور ، مقابل البركة التي يمنحها للنسوة بخاصة ؛ ويختم رؤيته للعرض (وهكذا يقدم العرض ، تنويعة جديدة علي أشكال الكبت ، التي تصنع الأسطورة ، وتعبر عن انتصارها من  خلال الممارسات الطقسية ، رغبة في استعادة الرغبة في الحياة ، التي تمثلت في المرأة الراقصة في عرض “سفر المطرودين” ، وتمثلت هنا في ( خويمة) نفسها ، التي تجسد الطبيعة والحرية والانطلاق المقموع بلا هوادة ..

ويستعرض الباحث في خاتمة الكتاب كل القضايا التي أثارها متمنيا أن يكون قد وفق في كشف أفاقا جديدة في المسرح التجريبي والطقس كمادة فعالة لكتاب المسرح، والكتاب جهد مشكور للدكتور ( مصطفي سليم ) فهو يفتح طريقا اكاديميا في الدراسات الأنتروبولوجية  الاكاديمية في المسرح المصري ، وقام بالبحث في حفريات قديمة في التراث العربي والشعبي.. خاصة وأن دراسات المسرح والأنتروبولوجيا لم تبدأ فى العالم إلا منذ السبعينيات إذ قام ( بيتر بروك) في (مركزه الدولي بباريس) بتكوين فرقة تضم مؤدين من أفريقيا وأسيا وأوروبا وأمريكا ، وقدم من خلالها عروضا مثل : “ جبل ايك “ المأخوذ من مسرحية كولن بيريستول “ شعب الجبل”   لتقدم المفاجئة في فنون الأداء وإلي تنشيط التفكير النظري والبحث الذي بدأ يدرك أن الأداء الفعال يلعب دورا اجتماعيا أساسيا في منح المادة الثقافية معني ، كذلك  تقديم عرض “منطق الطيور” المأخوذ من كتاب الفارسي الصوفي  (جلال الدين العطار) وهي حكاية صوفية، وعرض “ المهابهارتا” الملحمة الهندية القديمة ،وكان قد سبق هذا دراسات في هذا المجال ، ولقد استخدمت أعمال (تيرنر) في بنية الطقس باعتبارها مناظرة لتحليل احداث (الأداء)…

وأثرت اراء المنظر الحداثي  (باختين ) في العلاقات التحولية بين الفن وعالم الحياة العادية علي (بحوث الأداء) ، كما ركز علماء الفولكور علي الجوانب الأدائية للمواد الفو لكلورية أيضا، فضلا عن الجوانب النصية ، وقد استلهم العديد عن علماء المسرح والمتخصصين مثل ( ريتشارد سيشنر وجاي ماكولي وجيرزي جروتوفسكي وبيتر بروك ، وفيليب زاريللي) من الإستفسارات الأنتروبولوجية في ذلك الوقت ، ودمجوا السيميوطيقا مع الطقوس في أعمالهم خاصة (سيشنير) الذي طور سلسلة من المناهج التي جمعت بين الجماليات والاسس المعرفية للعروض التقليدية مع المسرح الأوروبي ، كما قامت الإيرانية (فوزية فضال خان) بالإنتقال إلي المعالجة عن طريق تحليل بحوث العلماء الأخرين حول الأداء والأدائية في البينات الكولونيالية وما يعد الكولوينالية من خلال وضع مفاهيم الزمن والتغير والفاعلية البشرية في تكوين الأداء المسرحي كممارسة جمالية واجتماعية.

ونشير إلي أن هناك مخرجين عرب تشاركوا في هذا الشكل من المسرح –  اشارت اليهم الباحثة البريطانية (الكسندرا دونوفريو) المترجمة في جريدة مسرحنا العدد 666 ترجمة احمد عبد الفتاح ، وهي الدراسات المعروفة من السبعينيات على يدي (فيكتور تيرنر) تنظيريا ، وتطبيقيا على يدي (ريتشترد سيشنر ) كما في كتابه “ ما بين المسرح والانثروبولوجيا “ -1985 مطبوعات جامعه بنسيلفينيا – والعرب هم: (عصام أبو خالد من لبنان ، وعمر أبو سعادة ، ومحمد العطار من سوريا ، و مريم بو سليمي من تونس) بالتعبير الإبداعي والمتجدد في أعمالهم الفنية.. فالمسرح بالنسبة لهم أصبح وسيطا لتصدير لغة سياسية جديدة للتعبير عن مخاوفهم فيما يتعلق بالحالة المضطربة والمتأثرة بالحرب التي تعيشها بلادهم.

وفى النهاية نود أن نشير إلي أن الجهد الكبير الذي بذلة الباحث والشاعر والناقد د . مصطفى سليم –  الذي بذلة في هذه الرسالة التي أضاءت الكثير والكثير من جوانب هذا الموضوع الجديد في دراستنا المسرحية.

عبد الغنى داوود – مصر

(مسرحنا – العدد 674 صدر بتاريخ 27 يوليو2020)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح