“الخادمتان” لجواد الأسدي عرض بحجم لحظاتنا و صرخاتنا ومأساتنا / أمين بنيوب

 

الخادمات صرخات عارية ضد سلطة الاستبداد و التسلط والاستعباد..
السفر الثاني: حرف الجيم يسطع عاليا علي خشبة المسرح الوطني محمد الخامس:[جواد الأسدي. عبد الجبار خمران. جان جنيه. رجاء خرماز. جليلة التلمسي. لرشيد برومي و يوسف العرقوبي لحن الإبداع]

عندما يبتعد العرض المسرحي عن إحساسك لمدة تفوق الشهرين، فعليك أن تتسلح بالصدق وحسن الحرف، وإلا عليك الصوم والقنوت وإطعام جوع فكرك وتحيين ذاكرتك، حتى لا تصاب بالبهتان وكتابة حرف لا يستقيم. احرص ألا تصيب قوم المسرحيين بالجهل و الضلالة. وظيفة الناقد بين مطرقة العرض و سندان إحساسه الصادق و بقايا صور سكنت الذاكرة ويصعب القبض عليها وبعثها من جديد.

لقد كتبت أكثر من ست محاولات لقراءة عرض الخادمات لفرقة “دوز تمسرح”.. فشلت لأن الكأس لا تسعفني [الشاعر الراحل المجاطي]. لاترحلوا بعيدا.كأس الكتابة. الكتابة.. طقوس و إشارات [سعد الله ونوس] .. أوعلى الأصح تقاسم المعاني و الدلالات والرموز وتوصيف و تحليل أحلام وتوجعات أختين خادمتين فرضا عليهما أن يتقمصتا لعبة السيدة وتابعتها..

منذ الوهلة الأولى يضعنا المخرج جواد الأسدي أمام سلط قاهرة ودنيئة.. الخادمات عند جنيه.. القديس الساحر و الثائر.. سبر أغوار تاريخ دام يدعى تاريخ أركيولوجيا العبودية والسخرة و ازدراء الجنس البشري.. والدراما منذ تواجدها كانت محرابا نقديا حقيقيا لا مزيفا لكشف و تعرية مآل الإنسان وهو يخوض مواجهة فعلية لا مقنعة اتجاه كل أصناف السلط الإلاهية و السياسية والرمزية وحتى الإنسانية..

شخصية السيدة الغائبة وصورتها الاستبدادية الحاضرة في العرض، كلير الخادمة/ المقنعة المستبدة في جلباب سيدة من مستوى طبقي رفيع، لايتسع لمقاسها المريض ولا يتناغم مع ألوانها الشاحبة [جليلةالتلمسي] وتابعتها المهزومة صولانج [رجاء خرماز]..خادمة نائحة.. مذعورة حتى القرف .. الخادمتان مختبر للوعي الشقي، للمجانين و الحمقى وذوي العاهات .. عاهات نفسية و جنسية و طبقية. ليستا على قدر من الجمال المفرط في جماليته.. بل أناقتهما تبزغ في جمال تقمصهما لدوري الخدم وإتقانه تدريجيا.. حسب آنكسارات و انهيارات وصرخات.

نحن نعرف عبر تطور الأحداث ونكتشف كمتلقين أننا نلج لعبة خادمتين جريئتين، لصتين محترفتين، لهوية وموقع وهندام سيدة نجهلها وتنتظر بشغف عاشقا هو الآخر خريج سجون بامتياز. يطلب منا أن نشارك معهم لعبة السرقة، نحن في جدلية مركبة موزعة مابين ثنائيتي التجلي [خادمتان] والكمون [سيدة و عشيق في مهب الرياح].

وضعنا صناع حرف الجيم [أغلب فربق الخادمات اسمه يتوفر على حرف الجيم] في تواطىء. جعلوا منا عصابة إجرام مسرحي متخيل.. بل حولونا إلى دليل علني مساهم في لعبة مركبة على شكل متواليات.. الواقع الفعلي/الواقع المتخيل.. سلطة فعلية/سلطة متخيلة.. أسياد/رعايا.. قتل سلطة السيدة/ توهم في قتل السلطة..تقمص/وهم… في نهاية الرحلة.. حرب وهمية و مصطنعة من أجل إزاحة سيدة من النبلاء .. النتيجة، صراع يومي جريح و فتك و تطاحن من أجل تمرين يرنو اقتعاد كرسي الاخر و محوه .. فقط لاكتساب سلطة مزيفة..مادام الخدم يثورون على أسيادهم ويطردونهم بإيعاز من سلطة الخيال و التخيل..

بعد حين يعودون للإنحناء والسخرة في نظام و انتظام واستقامة…الخدم خدم ..النبلاء نبلاء..الركح يمنح للأشقياء والعبيد سلطة مؤقتة للبوح واعتلاء أمكنة السلط الفوقية..يمكن لك أن تكون هاملت أوأوديب..في رحلة الخيال ..زادك حوار وأسلحة بلا دخان.. وثياب قياصرة وملوك وأميرات.. لكنك لن تحكم قصور إليزابيت ولا عروش أثينا ولا حتى عوالم بؤس وعجز الإنسان [بيكيت] و لا يتم وتصدع لغة الفكر [يونسكو] ولا محنة وتيهان الإنسان المغترب[كافكا]…

خادمات جونيه.. مع إعادة تقديمها من طرف المبدع جواد الأسدي، المتيم بعوالم جنيه المستفزة. تقديم يدعونا لفهم عوالم ماهية المسرح في الألفية الثالثة .. وفي عصر الانحطاط العربي. ماهيته و.جوهره تكمن في اختراق سلطنا المتعفنة و المرتكزة على القوة و العنف وإرساء لعبة حكم مبنية على الإجبار و التساكن وقبول الصمت …

الخادمات تدعونا لإزاحة هوامش الصمت المريب والتكلم بقوة وهدم مملكات، قناعها بلاستيكي يخنق الأفق ويبعثر الأنفاس.. أنفاسي.. ربما سينوغرافية الفنان يوسف العرقوبي كتمت أنفاسي و عطلت حروفي [سينوغرافيا مشحونة بروائح مادة “الميكا” التي تعدم و جودك وحريتك]. أما موسيقي العرض [الفنان رشيد برومي] أشبه بطائر جريح.. يصدر آهات وأصوات أليمة متقطعة لتبليغ جروحه وآلامه.. بنىي العرض المسرحي على تركيبات مقفلة وصعبة الحل .. ربما فريق العمل الفني..أراد أن يدخلنا لعبة صرخات غير مكتملة الملامح.. صرخة الخادمات للبوح و التصريح العنيف.. صرخة المخرج في تسليط الضوء على أوجاع وآلام الطبقة المستضعفة.. صرخة سينوغراف في توصيل عالم مسيج بالفحم والغبار والبلاستيك.. صرخة موسيقي.. ألف لحنا متقطعا، أشبة برقصة أخيرة لطير مجروح..

عرض بحجم لحظاتنا و صرخاتنا ومأساتنا.. وآمالنا وآلامنا و تطلعاتنا.. عرض يزيح الستار عن جمالياتنا البئيسة و المتعثرة.. جمالية أشبه بقطع الشطرنج.. من السلطة؟ من البيدق؟ قلعة من؟ من السيد ؟ من الخادم الاخرس [هارود بنتر].. استوقفتني مقدمة جنيه في وصف الخادمات…[عجيبات..فضيعتان..ليستا شريرتين..وناكرتين للجميل..لا يجب أن تكون جميلتين..عيناهما صافية..] أتدرون لماذا عيونهما مفرطة في الصفاء ..والنشوة… لأنهما يمارسان العادة السرية مع حلول ظلمة الليل..تستفرغ الخادمة الأولى في الثانية حقدها وعنفها الطبقي والاستغلالي في جوف ورحم ونشوة السيدة…

أفعال وطرق خدم ناقم ..يزيح كل الأقنعة و الستائر عن فضاعاتنا الآدمية المغلفة و المعلبة باسم الإنسانية ومعرفة الذوات ومعرفة الآخر. جنيه كعادته و في معظم نصوصه المسرحية و السرذية، يعري كل الخطابات الوهمية عن المجتمع وممنوعاته و أهمها السلط السياسية و الجنسية و نظم الديمقراطية الوهمية . يضع جنيه الجميع عاريا، يتيما أمام إطار خشبي بلازجاج.. حتى يرى عاريا من كلا الزوايا وأمام الجميع..

أمين بنيوب
باحث ومسرحي مغربي
(الفوانيس المسرحية)

عن عبد الجبار خمران

تعليق واحد

  1. الخادمتان اكثر من عمل فني تستحق رفعها فوق رؤوسنا شاهدته اليوم بمدينة اكادير la belle de belle و تحية للفنانتين تشخيص اكثر من رائع خصوصا صاحبة سلسلة رمانة و برطال توبب و الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.