الجسد الفرجوي رسالة فنية محملة بالسياسة – عواد علي

 

 

أصبح مفهوم الفرجة في مدونة النقد المسرحي المغربي متجذرا جدا من حيث التداول، مقابل رسوخ مفهوم “العرض المسرحي” في مدونة النقد المسرحي المشرقي وفي جغرافيات عربية أخرى. ومنذ سنوات يسعى النقاد والباحثون في المغرب إلى الارتقاء به كي يصبح مفهوما إجرائيا في الأوساط الأكاديمية، وتنزيل مجال دراسات الفرجة منزلة رفيعة في الجامعة المغربية وهو ما نجده في تجربة الباحث خالد أمين.

تشكّل جهود الباحث والناقد المسرحي المغربي خالد أمين، في إطار المركز الدولي لدراسات الفرجة، ظاهرة لافتة في هذا المجال، فهو يواصل من خلالها تعميق الجهود البحثية، التي بذلها نقاد وباحثون سبقوه، في مقدمتهم الناقد والباحث الراحل حسن المنيعي، الذي بدأ التقعيد النظري للفرجة، وتأسيس حقل دراسات خاصة بها في المغرب، معيدا الاعتبار لها مند كتابه الأول “أبحاث في المسرح المغربي” مرورا بـ”المسرح المغربي من التأسيس إلى صناعة الفرجة”. وقد أصدر أمين كتابين حول الفرجة هما “المسرح ودراسات الفرجة”، و”المسرح والهويات الهاربة: رقص على حدّ السيف”.

في تقديمه للكتاب الأول، يؤكد الناقد حسن يوسفي سعي أمين إلى “تأسيس مفاهيم ثرية ومقولات جديدة، وبلورة خطاب نظري غني بالمفاهيم الجديدة في المجال النقدي من قبيل الهجنة المسرحية، المثاقفة المسرحية، ما بعد الدراما، وتناسج الثقافات الفرجوية، ويقوم بأجرأتها من أجل صياغة مقاربة جديدة ومغايرة في السياقين العربي والمغربي”.

الفرجة والأداء

ويرى الناقد هشام الهاشمي في قراءته لكتاب “المسرح ودراسات الفرجة”، أن أمين يعيد، بنفحات نقدية مستمدة من منطلقات منهجية وتأويلية جديدة في طليعتها النقد الثقافي واستراتيجية التفكيك، النظر في مفهومي “الأصيل” و”الخالص”؛ مستحضرا مفاهيم نقدية من قبيل الحضور والغياب والهجنة.. خاصة أن المشاريع النقدية ما بعد البنيوية تدعونا، في رأيه، إلى التخلي عن ذلك الاطمئنان الذي كنا نتداول به العديد من المصطلحات. فالفرجة تُشق وتفعم بما هو قادم من جغرافيات الآخر، وينصهر فيها الماضي، والحاضر، والمستقبل في بوثقة واحدة ترفض الانشطار.

الناقد يؤسس لمفاهيم ثرية ومقولات جديدة كما يبلور خطابا نظريا غنيا بالمفاهيم الجديدة في المجال النقدي

ويذهب الناقد كريم الفحل الشرقاوي، في قراءته للكتاب الثاني “المسرح والهويات الهاربة: رقص على حدّ السيف”، إلى أن خالد أمين يسائل مفهوم الفرجة ويفكك ثراءها الدلالي، ويرفع الحصانة عن أصالتها الملتبسة، واختراق مساحاتها المبتورة، واجتياح فضاءاتها المغتصبة وحدودها المسيّجة، لكون الفرجة تستوعب المسرح والتمسرح وفنون الأداء وكل التظاهرات الاحتفالية والاحتجاجية، وتتأبى على الانكفاء داخل قمقم الأصالة الخالصة والنقية باعتبارها “تناسجا مضمرا لثقافات فرجوية مختلفة يصعب فرزها جراء انصهار مكوناتها لتعطينا في نهاية المطاف شكلا فرجويا هجينا سوّق على أنه الأصل الخالص”.

ويغدو استعمال كلمة “فرجة” في المغرب كونه مرادفا، وليس بديلا لمفهومي “العرض” و”الأداء” لدى المسرحيين في المشرق العربي، ذلك لأن “الفرجة” كلمة جد متجذرة من حيث التداول نظرا لمكانتها الكبيرة في المتخيل الفرجوي الشعبي المغربي. كما أن “العرض الفرجوي” يؤدي نفس معنى “فرجة” spectacle في اللغة الفرنسية. ومع ذلك، فإن “الأداء” قد يوحي بأحادية الإنجاز خاصة حينما يتعلق الأمر بالمسرح وباقي الفنون الأدائية الأخرى التي لا يكتمل تحققها إلا بحضور الجمهور كطرف ثان في المعادلة.

إن الفرجة بالنسبة لأهل المغرب حسب أمين، هي أشمل من الأداء ومن المسرح، ذلك لكونها تستوعب الاثنين معا، بل وتتجاوزهما لتشمل الشعائر والاحتفالات والمراسيم والسيرك وأشكال الاحتجاج الجماهيرية والسلوكات الفرجوية الشعبية من قبيل الحلقة، إيمعشارن، رقصات أحواش وأحيدوس وبابا عيشور وبوجلود (بيلماون) وسونا، وغيرها.

 وقد اكتسبت كلمة “فرجة” بالتدريج في اللسان العربي المعنى الذي تشير إليه كلمة spectacle، والمتفرج spectateur، وأصبحت اسما جامعا للعديد من السلوكات الفرجوية، لكن مع مراعاة مقتضى الحال. فدلالة التضمين في كلمة “فرجة” تشمل دلالة اللفظ على جزء مسماه باعتبار “مشاهدة ما يتسلى به” الذي يحيل مباشرة لردود فعل المتفرجين أثناء فعل المشاهدة/المشاركة.

 كما أن تداول كلمة “فرجة” في المغرب هو أكثر قوة من المشرق. ويخلص أمين إلى أن “الفرجة” تنطوي على قوة الفعل وردة الفعل، وهي بذلك تظهر المقصود بأبلغ لفظ.

أما كلمة “الأداء” بمعنى Performance، فهي كما يؤكد مارفين كارلسن، متعددة المظاهر ومتشعبة المعاني إلى درجة يصعب حصر كل مجالاتها الدلالية وأوجه استعمالاتها، بالإضافة إلى كون الأداء ظاهرة أميركية بامتياز، من الناحية التاريخية والنظرية، رغم انتشار المفهوم وتداوله عالميا، فكلمة الأداء على سبيل التمثيل، لا تؤدي نفس معنى “فن الأداء” performance art، ذلك أن الأولى قد تحيل أيضا بشموليتها إلى أداء محرك سيارة ما بينما يحيل “فن الأداء” إلى حدث مشهدي استثنائي وعابر قد يعتمد على توليف يجمع بين فنون مختلفة.. كما أن كلمة أداء تطرح مشكلات عديدة حينما تترجم إلى اللغات الأخرى.

ذاكرة مشتركة

Thumbnail

إن الفرجة، كما يقول أمين، وعاء للذاكرة الاجتماعية بدل كونها أحد الأعراض التاريخية. لذلك تحاور الفرجات تاريخ صدمة ما، لكن من دون أن تتحول إلى صدمة هي الأخرى. إذ تمكننا الفرجة من حيث هي بؤرة لخطابات متعارضة من إنتاج وإعادة إنتاج المعاني. وهذا المنحنى من الفرجة إلى الحياة، رغم حفاظه على المسافة المرآتية، يجعل من الفرجة الشكل التعبيري الأكثر حظوة للتعليق على الصراع بشتى تجلياته. وفي السياق ذاته، يمكن اعتبار الفرجة شكلا فنيا مصوغا.

ولعل ما يميز الفرجة عن باقي متاهات الحياة اليومية، وفقا لرأي أمين، هي تلك الخصائص الطقوسية والجمالية التي تسعفها في إيقاف الزمن الذي نحيا فيه لارتياد زمن الفرجة. قد تتضمن الفرجة لغة شعرية، أو حركات تعبيرية رفيعة المستوى، أو عناصر فنية أخرى. كما أنها تعرض أمام جمهور يتكون من أغلبية لها ذاكرة مشتركة مع صانعي الفرجة. وفي هذا الإطار، فإن انفصال الفرجة عن الحياة اليومية لا يصل إلى حدّ القطيعة، ولكنه يجعلها تجربة مكثفة وموسومة.

وعكس اللوحة التشكيلية، التي توجد داخل إطار شيء ملموس، حسب ريتشارد شيكنر، والرواية التي تنبعث من الكلمات، فالفرجة توجد من حيث هي فعل ورد فعل وعلاقة بين طرفين. وأيضا حسب المنظّرة المسرحية الألمانية فيشر ليشته، يكمن جوهر مفهوم الفرجوية/الأدائية في الوجود الجسدي بين المؤدين والجمهور كشرط مسبق لإنجاز فرجة ما.

لا يوجد حدّ فاصل بين الوهم والحقيقة

وحينما تشدد فيشر ليشته على البعد الاجتماعي للقاء المسرحي، فذلك لكونها تريد إبراز دور المتفرج في تحقيق الفرجة من حيث هي حدث استثنائي بيني؛ فالتفاعل المتساوي بين الفاعلين يصبح علامة كل الأحداث الفرجوية “تنجز الفرجة داخل ومن خلال الحضور الجسدي لكل من الممثلين والجمهور؛ ذلك أن كل فرجة تستدعي مجموعتين من الناس: ‘الفاعلون’ و’المتفرجون’، يوجدون في زمن محدد، ومكان معين لأجل تقاسم موقف ما… تنبعث الفرجة من لقائهم وتفاعلهم”.

وإذا كان الجسد المجتمعي في حالة غليان، كما هو شأن الحراك الحالي في ظل وقع التعثرات التي يعيشها الربيع العربي مشرقا ومغربا، فإنه يتيح إمكانية تمظهر شذرات من هذا الغليان من خلال فرجات الاحتجاج، وهي فرجات تفصح عن مواقف سياسية في المجال العمومي. قد تبدو هذه الفرجات عفوية، وغير مخطط لها، لكنها، في واقع الأمر، تعكس خبرة الجسد المنتفض وذاكرته الفرجوية/الطقوسية الجماعية.

ولعل القاسم المشترك بين كل هذه الفرجات، في رأي أمين، هو تقمص الأدوار داخل “المجال العمومي”، كسلوك سياسي مفعم بالباروديا، والغروتيسك، والكرنفالية. والحال، أن الفضاء الذي تشغله الفرجة يتميز ببعده الرمزي؛ فهو لا يقيم القطيعة بين عوالم العام والخاص عبر فصل الممثلين عن الجمهور، بل أكثر من هذا، تستدرج أغلب فرجات “المجال العمومي” جمهورها للمشاركة في صناعة الفرجة عوض الاكتفاء بالتلقي السلبي لها. وهذا يعني، أن جمهور الفرجة سرعان ما يتحوّل إلى صانعها.

لا يوجد حدّ فاصل بين الوهم والحقيقة. وهذا ما يجعلها تراوح بين القدسي والدنيوي، العام والخاص. إنها ببساطة، تتموضع في فضاءات المابينية. فـ”المجال العمومي” بدوره يعبر المجال الخاص، ومجال السلطة العمومية من خلال آلية الرأي العام الذي ينبّه الدولة إلى حاجيات المجتمع. فهو، أي المجال العمومي، مساحة من الحياة الاجتماعية، حيث يتجمع الناس معا لمناقشة القضايا المجتمعية، بما فيها السياسات الحكومية. وفي رحاب هذه المساحة الحرة تتبلور اتجاهات الرأي العام. ومع ذلك، فالمجال العمومي هو أيضا حلبة تتصارع فيها العديد من التجمعات الجماهيرية المتنافسة، كما تؤكد المنظرة السياسية البلجيكية شانتال موف، وسرعان ما يتحول هذا المجال إلى ميدان معارك.

ويستنتج خالد أمين من ذلك أن ثلة من الفنانين الثائرين يستعملون “المجال العمومي” للفت الانتباه إلى وجهات نظرهم السياسية، مثلهم في ذلك مثل المتمردين الذين يتفننون في أساليب الاحتجاج. فمن خلال الجسد الفرجوي يبرزون مواقفهم السياسية علانية، ومن دون مناقشة أو تداول حرّ مع الأطراف الأخرى التي تخالفهم الرأي. وفي هذا السياق، تتشكل فرجة الاحتجاج من حيث هي نموذج للفعل السياسي الذي يقع خارج نطاق توافق الآراء السياسية الحزبية، كما أنه لا يخضع مؤسساتيا للأحزاب، أو للنقابات، أو للمنظمات الأخرى.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح