«الجدار الخامس» مصطلح جديد في الفن المسرحي فرضته التكنولوجيا – د. هشام زين الدين #لبنان

 

يعاني المسرح كما غيره من الفنون والعلوم من تداعيات وباء كورونا، وقد كان من المتضررين الأوائل منذ بداية الأزمة بحيث تم إقفال المسارح في جميع الدول خوفاً من تفشي الفيروس، وعلى الرغم من ظهور حملات مطلبية في غالبية الدول التي ينشط فيها الفن المسرحي لإعادة فتح المسارح أسوة بغيرها من المؤسسات، لكن السياسات الوقائية الصحية لهذه الدول لا تزال تعتبر المسرح مصدراً للخطر ومكاناً محتملاً لتفشي العدوى.
أمام هذا الواقع انطلقت مجموعات كبيرة من المسرحيين في كل دول العالم باتجاه التكنولوجيا والتواصل الإلكتروني كبديل مؤقت عن اللقاء الحي في صالات المسارح، وتنوّعت أشكال هذه الطفرة الإلكترونية بين إعادة عرض عروض مسرحية مصورة وتنظيم ندوات ولقاءات وورش عمل حول مواضيع مسرحية، وصولاً الى إقامة مهرجانات عبر شبكة الانترنت وتوزيع جوائز وشهادات مشاركة وتكريمات.
هذا التحوّل الدراماتيكي في أسلوب التواصل بين المسرحي وجمهوره، أحدث خللاً كبيراً في مفهوم الفن المسرحي ودوره ووظيفته وطرائق عرضه وتلقيه، مما أوقع العديد من المسرحيين في حيرة من أمرهم، هل يستسلمون للتغيير المفروض عليهم بقوة الفيروس أم ينتظرون الى حين زواله ويعودون الى خشباتهم وجمهورهم؟
كأحد المسرحيين العاملين في مجال المسرح الأكاديمي والبحثي من جهة والتطبيقي من جهة أخرى، شعرت بخطورة الموقف الذي وقعنا فيه، ومن هذه الخطورة انبثقت فكرة وجود الجدار الخامس في المسرح، هذا الجدار الذي فُرض علينا وبات حاضراً في يومياتنا وفي كافة أنشطتنا المسرحية «الإلكترونية».
فلماذا سميته «الجدار الخامس»؟..
منذ منتصف القرن العشرين بدأت جهود المنظّرين والعاملين في المسرح العالمي وخصوصاً الأوروبي على تحطيم الجدار الرابع الذي يفصل بين خشبة المسرح وصالة الجمهور والذي كان يمنع حدوث التفاعل الفكري بين العرض والمتلقي لأن المسرح التقليدي قام خلال قرون طويلة على مبدأ الإيهام المسرحي وإن خرقت هذا المبدأ محاولات محدودة خرجت عن السائد والمألوف كالكوميديا ديلارتيه على سبيل المثال لا الحصر.
نعتقد أن طرح فكرة وجود «الجدار الخامس» في المسرح اليوم تستوجب التوقف عندها وبدء التفكير بكيفية هدمه والتخلص منه تماماً كما أفرزت التجارب الحداثية والطليعية في مسرح القرن العشرين أفكاراً وممارسات عملية أدّت إلى هدم الجدار الرابع والخروج من زمن التقليد إلى زمن التجديد في المسرح العالمي على أيدي ميير خولد وبريخت وغروتوفسكي والكثيرين غيرهم.
إن مصطلح «الجدار الخامس» في المسرح مستجد ولا يوجد توصيف نظري له بعد، وقد تناولته في خلال ندوتين افتراضيتين بمناسبة اليوم العالمي للمسرح ضمن فعالية لملتقى القاهرة الدولي للمسرح الجامعي، وفعالية للمسرحيين الناطقين باللغة الروسية حول العالم، حيث كنا نناقش تداعيات فيروس كورونا وأثره على مستقبل المسرح في العالم، فكانت مداخلتي حول التحدي الذي سنواجهه في المستقبل والمتمثل بضرورة هدم «الجدار الخامس» في المسرح، وهو الجدار الإلكتروني الذي هبط على المسرحيين كالقدر، وهو حاضر اليوم في كل أدبياتنا وحواراتنا الافتراضية، وهو يمثل مشكلة برأيي الخاص على الرغم من كل محاولات بعض المسرحيين التكيّف مع الواقع المفروض علينا نتيجة لتفشي كورونا.
إن «الجدار الخامس» المتمثل بالأجهزة الإلكترونية وشاشاتها الزجاجية الذكية (الكمبيوتر، اللابتوب، التلفون، الألواح الإلكترونية) التي نشاهد من خلالها المسرح الافتراضي، هو أخطر على عملية التلقي وعلى جماليات العرض المسرحي وعلى جدلية التأثر والتأثير الفكري والحسي في المسرح من الجدار الرابع الوهمي الذي كان يفصل بين المشاهد والممثل على الخشبة، إن هذا الجدار الجديد أشد خطورة، لأنه يقضي على مبرر وجود المسرح في الحياة، أي الشعور الحي التفاعلي بين كائنات حية تجهد جمالياً وفكرياً وجسدياً من أجل تبادل شيفرات وعلامات وحركات وأصوات وكلمات وأحاسيس إنسانية بالدرجة الأولى كانت موجودة قبل التكنولوجيا وستبقى بعدها، إن الرضوخ والقبول بوجود الجدار الخامس هو بمثابة إطلاق رصاصة الرحمة على المسرح الحي، وكما قام طليعيو المسرح في القرن العشرين بتكسير وهدم الجدار الرابع علينا أن نتصدّى بكل امكاناتنا الفكرية والجمالية والجسدية والنضالية حتى، لكي نمنع هذا الجدار من الترسخ والتشبت بخشبة المسرح كجزء أساسي منها في المستقبل.
أطلق هذه العبارة أو هذا المصطلح «الجدار الخامس» في المسرح للتنبيه من خطورته فهذا الوحش التكنولوجي لا يرحم.
عبّرت عن خوفي من خلال هذا المصطلح وأنا لا أملك أجوبة على تساؤلاتي حوله، ولا أعرف إذا كنا في السنوات القادمة سنتمكن من الانتصار للمسرح الإنساني الحي الشفاف الصادق العفوي، والإبقاء عليه من دون أي حواجز، إلكترونية وغيرها، ولا أستطيع التكهن بمفاجآت التطور التكنولوجي الذي يجتاحنا بذكائه الاصطناعي بسرعة هائلة، لكني كفنان مسرحي يحق لي التمسّك بحقي والدفاع عنه والتصدّي لكل محاولات انتزاعه مني، وأدعو كل المسرحيين إلى هذه المقاومة، وسلاحنا في هذه المعركة بسيط جداً، الخشبة والصالة والجمهور، ورفض عرض الاعمال المسرحية على الشاشات الإلكترونية، ورفض تحويلها الى فن آخر يستمدّ حضوره من الكاميرا والشاشة والكهرباء، لأن ذلك سيشكّل بداية مرحلة الانقراض للفن المسرحي.
د. هشام زين الدين
مسرحي وأستاذ في الجامعة اللبنانية

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح