الجاي يستعرض ميلاد وتأثير “المسرح الشعبي” على حركة “أب الفنون” #المغرب

 

استعرض الشاعر والكاتب إدريس الجاي ميلاد “المسرح الشعبي”، معتبرا أنه “أسطورة مسرحية فرجوية باذخة، أسطورة شعبية اجتثت من بين دروب متاهة المدينة القديمة والأزقة الضيقة”.

وأبرز الجاي، في مقال توصلت به هسبريس، أن المسرح الشعبي كان فرقة هاوية بصدى احترافي “أغلب أعضائها لا يفصلهم عن الأمية إلا التهجي بالحروف والكلمات، ومنهم من يحفظ دوره، سواء أكان الدور بالعامية أم بالفصحى، عن طريق السمع”.

واستحضر كاتب المقال عددا من الأسماء التي ساهمت في ميلاد “المسرح الشعبي”، مشددا على أنه كان له الفضل في بروز عدد ممن ساهموا في الدفع بالحركة المسرحية بالمغرب ووصل صيتهم للعالمية.

كانت أسطورة مسرحية فرجوية باذخة، أسطورة شعبية اجتثت من بين دروب متاهة المدينة القديمة والأزقة الضيقة، اسمها المسرح الشعبي.

أسطورة أرخت بظلالها على رقعة مسرح المدينة، فحملت من محيطها الثري بالتنوع وأنجبت أعلاما وأسماء فنية وازنة.. كان مقرها في حي البليدة في سفح وهاد منحدرات فاس القديمة.

كانت حكاية ترعرعت بين إيقاعات مرمات درازات الحياكة، صلوات الأضرحة، طرقات مطارق تشكيل السواني، طربات صناعة البلاغي، روائح الدباغة ونفحات التوابل الصاعدة من نوافذ وكوات مطابخ الدور الفاسية العريقة، حوافر الدواب المحملة بالجلود، الخشب، الصفوف والفواكه الطرية ونظرات الأطفال والمساجد وجوار أكبر دور الدباغة في المدينة.

وكان لهذا المقر فضل على الحركة المسرحية الفاسية في وجوه متعددة، من هنا انطلقت، وعلى دكاته ومسطباته تتلمذت.. كمدرسة بارعة للمسرح الارتجالي في فاس وربما على المستوى الوطني دون منازع.

وقد شكل أعضاؤه الأربعة، الذين هم بدورهم ينتمون إلى أسرة الصناعة التقليدية، فمنهم “الخراز”، كعبد الرحيم الأزرق وحميد عمور، ومنهم “السوايني” و”الكواي” (الذي يلحم ما فك من الأواني) كأحمد البوراشدي، ومنهم صانع أباريق الشاي، كإدريس الفيلالي..وشكل ولسنوات طويلة ركائز هالة هذه الفرقة الخرافية، التي كان يأتيها المنخرطون والعابرون من كل حدب وصوب؛ ففي مناخاتها التي تهوي إليها أفئدة الحالمين والضائعين والمتطلعين والمتمردين والمتوهمين والطائعين والباحثين عن ذواتهم والمدمنين على الفن، الآتين من كل الشرائح الاجتماعية، سكر بنشوة الغد الفني الحالم أفراد ساهموا في الدفع بالحركة المسرحية في المغرب ووصل صيتهم خارج الوطن. من هنا مر الكاتب المسرحي عزيز الجعفري ومحمد لكحل، الإعلامي محمد الشهب، الرسام والسينوغرافي والناشر محمد البوكلي، والمسرحي رائد المسرح الفردي عبد الحق الزروالي، والكاتب المسرحي والشاعر أحمد العراقي، والكاتب أحمد التسولي، والمخرج والحكواتي محمد صوصي علوي، وعدد من الأسماء التي شاركت في الحركة المسرحية والسينمائية المغربية، يضيق الحيز لذكر أسمائها كلها.

لقد كانت لمقر المسرح الشعبي، الذي أسس في سنوات الخمسينيات من القرن الماضي، جاذبية سحرية رغم صغر فضائه، الذي كان في أصله “روة” (إسطبل)، يمارسها على المارة من أمام درب سيدي عمار الصقلي، فيقفون عند شباك نافذته العريضة أو عند بابه مزدحمين، مبهورين في خشوع وكأن على رؤوسهم الطير؛ والمقربون منهم يجلسون على المسطبة الحجرية، ليشاهدوا المجموعة في تداريبها أو ارتجالاتها اليومية. لقد تجاوز سحر المكان المشاهدين العاديين إلى محبي وهواة هذا الفن المسرحي على اختلاف مستوياتهم الفكرية والفنية والاجتماعية.

اللحظة والإبداع

كان المسرح الشعبي أسطورة تمنح ساكنة وحرفي وتجار حي البليدة بدرازاته ووورشاته الحرفية وحوانيت تجاره، وصولا إلى محيطه البعيد، كالعطارين والصفارين والمشاطين، إحساس فخر واعتزاز عفوي غير منطوق بل معاش وممارس.. اعتزازها أنها تحتضن هذه المثابة الفنية وتقف وراءها بكل وسائلها المتاحة، إلى درجة أن هذا المقر لم يكن يؤدى عنه كإيجار إلا خمسون درهما سنويا. وهذه الخمسون درهما لا يحصل عليها المتعهد بالإيجار إلا بعد أخذ ورد، ذهاب وعودة، لمدة شهور، ولا تستقر في كفه إلا ومعها خمسون ألف من السباب واللعنات وهو صابر على قضائه محتسب.

لقد كان المسرح الشعبي فرقة هاوية بصدى احترافي، أغلب أعضائها لا يفصلهم عن الأمية إلا التهجي بالحروف والكلمات، ومنهم من يحفظ دوره، أكان بالعامية أم بالفصحى، عن طريق السمع.

كانت أرواحهم منعتقة من أن ينضبطوا تحت سلطة نص مكتوب، لأنهم لا يحيون إلا للمسرح، يمارسونه فوق الركح وفوق خشبة الحياة اليومية.. كانوا يكرهون الالتزام بالقواعد التي سطرها مؤلفو الأعمال، التي قدموها فوق الركح وتعد بالعشرات، لأنهم كانوا أئمة في الارتجال ولهم خيال خصب، لا يمكن أن يقيده نص أو تعليمات مخرج؛ فكلما قدموا عرضا مسرحيا إلا ويأتي أحدهم بمفاجأة لا هي منصوص عليها في النص المسرحي ولا من مخططات المخرج، وإنما هي وليدة إبداعاتهم اللحظية.

وأثناء العرض تنفلت سيطرة المخرج عليهم، ففوق الركح يكونون هم سادة العرض لا هو؛ ومع ذلك يقدمون وبتفوق فائق وإمتاع كبير فرجة عرض مسرحي تبهر جمهورهم الوفي لمسيرتهم الفنية، المكون في غالبيته الساحقة من صناع حرفيين وسكان حي مقرهم، وتزيدهم حبا إلي حب جم في قلوب هؤلاء.

لقد قدموا أعمالا تميزت بلغة عربية فصحى، حفظوها عن ظهر قلب وقدموها على الرغم من صعوبة صياغتها اللغوية، مثل “اندحار الأوثان” لعزيز الجعفري أو “الذنب والمقصلة” لأحمد التسولي، وأعمالا منحوها صبغة مغربية مثل “الفيل يا ملك الزمان”، لسعد الله ونوس.. كما أنهم شاركوا في أعمال سينمائية عديدة، كان لهم فيها حضور متميز يفصح عن حنكتهم وتمرسهم الفني.

المسرح الشعبي وجان فيلار

لقد كان مقر المسرح الشعبي شعبي مزار مزيج من الملل والنحل، يرتاده العابدون والمعربدون، المتزنون والمتزنات والطائشون والطائشات، الأميون والمتعلمون، العاقلون والحمقى والمجاذيب، ذكورا وإناثا. لم تكن أعمدة هذا المسرح تمثل المسرح بل تمارسه في حياتها كجزء من يومياتها المعاشة.. إنهم يمثلون أمام المؤجر لسكناهم، أمام السلطة، أمام نسائهم، أمام الورعين في النهار وأمام السكارى الذين ينادمونهم في المساء.

كانوا يؤدبون الأبناء العاقين في الحي، يفكون طلاسم التثقيف في ليلة دخلة العروس على العروسة، يقومون بإلقاء الخطب الرنانة نيابة عن مرشحي البرلمان على اختلاف مذاهبهم، في الصباح للأحرار وفي المساء يساندون الاشتراكيين.. يستمعون لمواعظ الفقهاء برؤوس مطأطأة نهارا، ويخلعون العذار ليلا. وكل هذا بشكل تمثيلي.

لقد كانوا يتمتعون باحترام كل أجيال المسرحيين في المدينة والمدن الأخرى، والحرفيين وتجار الحوانيت في كل أسواق الدائرة القريبة منهم وحتى البعيدة..كان مقرهم على الرغم من تواضعه، إذ لا يحتوي إلا على مسطبة حجرية قبالة حيز من ستة أمتار طولا وثلاثة عرضا كركح مسرحي وبيت في الخلفية تعددت مهامه.. أحيانا مأوى سكن أحدهم وأخرى ورشة عمل آخر منهم، ومكتب ليس له من صفات المكتب إلا الاسم، به منضدة لا وظيفة لها.. جاذبية سحرية تشد إليها كل من في دمائه قبس من حب هذه الهواية: المسرح. حتى بعض المرشدين السياحيين يقودون زبائنهم الغربيين إلى باب هذه الجمعية بلافتتها ذات الخطوط العربية الجميلة: “المسرح الشعبي”، ليشرحوا لهم دور هذه الفرقة الثقافي في هذا المحيط.

حين زار المسرحي الفرنسي جان فيلار فاس في سنوات السبعينيات من القرن الماضي، توقف هو الآخر أمام درب سيدي عمر الصقلي، يستمع إلى شروح المرشد السياحي عن هذه الفرقة، وحين اكتشف مصادفة توافق اسم الفرقة مع اسم مسرحه في باريس: “المسرح الوطني الشعبي”، استدعى فرقة المسرح الشعبي الفاسي إلى المساهمة في فعاليات مهرجان أفنيون، الذي أسسه سنة 1947. دب الحماس في الفرقة ونشر أفرادها الخبر في كل محيطهم، وتبرع التجار والحرفيون كل حسب طاقته، واجتمع قدر من المال للقيام بالرحلة إلى مدينة أفنيون، ليحملوا معهم أحلام جمهورهم الداعم بأن تدخل فرقتنا المسرحية بفنها بلاد الغال، كدخول الفاتحين. لكن طبيعة الفرقة التي كانت كخلية بصوفيتها الفنية غير واعية، تعيش حاضرها فقط ولا هم لها بما تحمله الأيام.. وزع المال بينهم وولوا إلى حياتهم العادية وتبخر حلم الجمهور بغزو أفنيون، وبقي حكاية وصدى، لكنه صدى دون عتاب أو لوم؛ بل نظر المشجعون والمساندون إلى الحادثة على أنها فصل من فصول فرقتهم المسرحية.

موت مسرحي في الشارع

كان المسرح الشعبي نفسه حكاية، مسرحية ميلو درامية شخوصها تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، مؤلفها القدر ومخرجها ذوبان الأيام، كانوا مسكونين بهوايتهم يشخصون حكايتهم يوميا بين الأزقة والشوارع بمكر وجنون جميل، لكن بقلوب بيضاء ونية صافية خالية من الضغينة.. يشخصونها حتى في ما بينهم، يكيدون لبعضهم بعضا إن لم يجدوا من يرتبون له مصيدة. مرة استيقظ أحمد البوراشدي الممثل وفي الغالب مخرج المجموعة على تراتيل “لا إله إلا الله والله أكبر” تحت نافذة غرفة بيته مع الجيران في درب جنيارة، وأصوات تترحم عليه.

أخرج البوراشدي رأسه عبر النافذة دون هول ولا فزع بعلم مسبق بمن وراء هذا المقلب، ليرى ما يحمله هذا المشهد الجنائزي، حيث وقف الناس جماعات ومعهم الغسال والصحافون (ناقلو الموتى إلى المدافن)، فقد تطوع الناس وجهزوا كل ما يلزم لجنازته، لأنهم يعلمون أنه معدم فقير.. كان وراء الدعاية أحد أعضاء فرقته، إذ نشر الخبر وجمع من المحبين قدرا من المال لجهاز الجنازة. انقلب المشهد الجنائزي إلى مشهد هزلي ضاحك، وفي المساء، تم توزيع مال الجنازة بالتساوي وبدأ الاشتغال والتدريب على المسرحية الحالية، دون لوم أو عتاب، فمثل هذه الحيل والمشاهد المختلقة هي ملح وجبة المسرح الشعبي المسرحية المتتالية.

لقد كان المسرح الشعبي يشكل مشهدا حيويا من مشاهد الحي اليومية، حلقة من حلقات حياة السكان الاجتماعية، يدمجونه في أعراسهم واحتفالاتهم، أفراحهم وأتراحهم، كجزء لا يتجزأ من أجوائهم العائلية، وكان أعضاؤه دائما جاهزين للمشاركة، غير مترددين مساهمين بكل عفوية، منحتهم صيتا ودرجة وفاء صامت لا يعبر عنه بالكلمات، بل بصفاء محبة متواصلة.

 

 

hespress. com

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح