(التلفة) … مشاهد تلفزيونية وإيقاع مترهل !

ضمن عروض مهرجان المسرح العربي في دورته الثامنة التي أقيمت في الكويت، قدمت فرقة الأكواريوم المغربية العرض المسرحي (التلفة) للمخرجة نعيمة زيطان، عن نص لرشيد امحجور، عبر فضاء قمعي تشكل من عمق دهاليز السجن الذي يحتضن جانبا من الحياة اليومية لأربع سجينات، يحملن معهن ماضيهن المشوه.

بدأت المخرجة عرضها بإضاءة خافتة، وممثلات قررن الاستعداد للدخول إلى جسد الشخصيات أمام المتلقي، حيث ارتدين ملابسهن، وجهزن أدواتهن، واتخذن أماكنهن استعدادًا لأداء الدور، ضمن خشبة شبه فارغة من الزوائد التي غالبا ما تثقل العروض المسرحية بلا توظيف .

**  أفق التوقع …

أمام تلك المشهدية التي استهلت بها (زيطان) عرضها، لابد أن يعلو سقف التوقعات لدى المتلقي، في ظل معرفته المسبقة بموضوع المسرحية الذي يلعب على وتر حسّاس وحرج، وبناء على المؤشرات الفنية غير التقليدية (في بداية العرض). وبما أن (أفق التوقع) حقٌ أصيل للمتلقي المحمّل بتراكم فكري، فني وجمالي ، فيأتي للعرض مأملا ذاته بما يخالف توقعاته كما يرى (ياوس). فإن تلك اللحظات في بداية كل عمل فني تشكل عبئا على المرسِل والمستقبل على حد سواء، كونها تحدد العلاقة بين الطرفين إلى نهاية العمل. لأن البدايات المغايرة لا تعني دائما أننا أمام عمل مغاير، وهذا ما حدث في عرض (التلفة) ، فما أن بدأت النساء بالعمل في ورشة الحدادة التي هي جزء من متطلبات التواجد في السجن، ورغم محاولات الخروج من هذا الإطار عبر اللعب على وتر الأصوات (أصوات الأدوات في الورشة )، إلا أن العرض بعد ذلك بدأ يسير باتجاه واقعي، على جميع الأصعدة! من خلال استعراض تفاصيل تتعلق بحياة تلك النساء، ففي المشهد الأول تعرفنا على بعض ملامح شخصيتين، وفي المشهد الثاني تعرفنا على ملامح بقية الشخصيات، عبر حواريات طويلة تعرفنا بجزء من ماضي كل شخصية ، حيث للرجل فيه مساحة كبرىن  باعتباره الأب والزوج والحبيب. ومن ثم جزء من حاضرها بين جدران السجن ، ومستقبلها وطموحاتها .

** الواقع الموازي:

أثناء ذلك، لم تنحُ المخرجة باتجاه الميلودرامية المشحونة بالبكائية في عرضها للشخصيات، خاصة عند تناول الماضي بما فيه من معاناة، بل تم طرح تلك الآلام بصورة شبه خالية من المشاعر، وأحيانا تهكمية، كمن اعتاد على المأساة. مستعيضة عن ذلك بعالم موازٍ تم من خلاله محاكاة كل ما يرغب به السجين ويشتاق إليه ضمن الواقع الخارجي، دون التباكي عليه. وهو ما أخرج العرض من عباءة العويل والنحيب، رغم ما تمتلكه الشخصيات من مبررات لذلك.

ذلك المنحى أنقذ العرض من الوقوع في البكائية، لكنه لم ينقذ الإيقاع العام للعرض من (الترهل الشديد) بسبب الحوارية الطويلة، والتي لم تضف تصاعدا للخط الدرامي أو عمقا للإطار الفكري الذي ينطلق منه العرض، حيث استغرق المشهد الأول ما يقارب ثلث الساعة ليمنحنا عدد محدود من المعلومات التي تخص شخصيتين فقط، ضمن إطار خال من الاشتغال الفني على المستوى المرئي الذي ساهم في غيابه موات الجسد (الذي لم يتم توظيفه بما يتسق وأبعاد كل شخصية من جهة وباعتباره مكون من مكونات العرض المسرحي من جهة أخرى)، ساهم في هبوط الإيقاع أحادية التون، فبدت الممثلات متقاربات بالصوت وآلية الأداء، وهذا ما تم أيضا في المشهد الثاني (مشهد الاستحمام) حيث استمرت الحوارية تلتهم فضاء الخشبة دون فاعلية للعناصر الأخرى. خاصة وأن معظم تلك الحوارات كانت عبارة عن زوائد لا تضيف على المستوى الدرامي، وبالتالي فإن تكثيفها لن يخل بالسياق العام.

** سينوغرافيا موظفة:

إذا كانت الزوائد قد وجدت طريقها لنص العرض (المنطوق)، فنجدهاقد تقلصت إلى حد كبير على المستوى المرئي له، حيث تم توظيف معظم القطع الموجودة على الخشبة بما يتسق والمشهدية المسرحية، فتحولت الطاولات في مشهد (ورشة الحدادة) إلى أسرّة في مشهد (الغرفة) ضمن استخدام فاعل وذكي ومكثف للقطع الساكنة. وإن أصيبت بعض تلك القطع بحالة موات فني (مؤقت) بعد ذلك، كما حدث مع الشخصية الرابعة التي غادرت الخشبة وبقي سريرها مهملا للمحافظة على الصورة الكلية للغرفة، دون أن تُستحدث له وظيفة درامية. وهكذا بالنسبة للقضبان الحديدية في المشهد ذاته (الغرفة)، حيث وضعتها المخرجة في الجزء الأمامي للخشبة لتغلق بهاالمساحة بين المتلقي وبين الشخصيات بكل ما تحمله تلك الدلالة من معنى، وهي الإشارة لذلك الجدار الذي يحول بين المجتمع / المتلقي، وبين هذه الفئة من النساء، لتبقى منغلقة في بيئتها، منبوذة على جميع المستويات، ورغم أهمية تلك القضبان ضمن المنظومة الدلالية للعرض، إلا أن ثباتها طوال المشهد الأخير – وإن كان مقصودًا من المخرجة لتبقى تلك القضبان جاثمة على قلب المتلقي – إلا أنها حجزت مستوى الرؤية من جانب، وساهمت في الحد من الحركة التي انحصرت في الجزء الخلفي من الخشبة من جانب آخر، بالإضافة إلى كونها فقدت وهجها بعد اللحظات الأولى، وما استمراريتها إلا مساهمة في وقوعها في دائرة الاعتياد على مستوى الرؤية لدى المتلقي ! مع الأخذ بعين الاعتبار أن تلك القضبان تواجدت على جانبي الخشبة منذ بداية العرض في وضعية متماثلة (سمترية) دون أن يكون لها دلالة عدا الإشارة للسجن !! مما يؤكد اعتياد المتلقي على وجودها منذ البداية.

** عاش الشعب .. والشرح اللاحق:

أما النهاية والمتمثلة في جملة (عاش الشعب)، فقد حملتها لنا الشخصية التي تميزت بالسذاجة من بين الشخصيات، تشرح من خلالها جانبا مما يحدث في السجن مع سجينات الرأي والتوجه السياسي، لكنها على المستوى الفكري بدت مقحمة خاصة وأن عجز المتلقي عن استيعاب اللغة المنطوقة أضاع المغزى من الجملة، هكذا جاءت حركة اليد (قبضة اليد الثورية) والتي تحيلنا مباشرة إلى كل ما تحمله ذاكرتنا عن المعنى الآني لمفردة (الشعب). ولعل محاولة المخرجة (في الندوة التطبيقية) شرح ما تم في المشهد الأخير خير دليل على ذلك،  فالعمل الإبداعي لابد أن يكون قائما بذاته، دون الحاجة للشروحات التفسيرية التي جاءت على لسان صناعه!.

حاول عرض (التلفة) أن يقدم معاناة نساء الخطيئة، لكنه  أغرقهن بحكايا ويوميات لم تمس المتلقي بسبب الإفراط اللغوي الذي لم تجرؤ المخرجة على تكثيفه، والأداء الواقعي الذي سيطر على قدرات الممثلات، حيث ظلت قدراتهن الأدائية مكبلة بقيود الواقعية. ورغم المحاولات السينوغرافية على المستوى الجمالي والدرامي، إلا أننا وبعد الدقائق الأولى وجدنا أنفسنا وكأننا أمام مشاهد تلفزيونية احتضنتها خشبة مسرح ! أشبعتها المخرجة بالأداء الواقعي المباشر، الذي أثر على الإيقاع العام للعرض وسرّب الملل والرتابة إلى المتلقي.

 

عن: د. سعداء الدعاس

 

 

عن بشرى عمور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.