أخبار عاجلة

التفكك العائلي الأميركي في مسرحية “بيت الشغف” السورية – سامر محمد إسماعيل

مسرحية الشغف
من مسرحية بيت الشغف

التفكك العائلي الأميركي في مسرحية “بيت الشغف” السورية

“رغبة تحت شجرة الدردار” ليوجين أونيل في صيغة مختصرة تلائم المأساة الراهنة

استعاد هشام كفارنة رائعة الكاتب الأميركي يوجين أونيل “رغبة تحت شجر الدردار” ليقدمها في إعداد جديد مع فرقة المسرح القومي بدمشق، موقّعاً هذه المرة على ثلاث مهمات عبر الاقتباس والسينوغرافيا والإخراج. جاء العرض تحت عنوان “بيت الشغف” وعمل الفنان السوري على توضيبه ضمن مونتاجية حركية ودرامية مغايرة، مكثّفاً النص الأصلي الذي كتبه أونيل عام 1924 في اثني عشر منظراً، إلى فصلٍ واحد امتد قرابة خمسين دقيقة. وعمد إلى حذف حوارات مطوّلة لشخصيات من النص الأصلي منها “بيتر” و”سيمون” ولدي السيد “أفرايم كابوت” الرجل العجوز الذي يخشى الموت وذهاب ثروته ومزرعته وأبقاره ميراثاً لأبنائه من بعده. وهو الرجل الذي آثر العمل في الأرض الصخرية الصعبة لمقاطعة “نيو إنجلند” على الذهاب وراء “كنوز سليمان” في كاليفورنيا “أرض الميعاد” آنذاك للأميركيين، مما يدفعه إلى الزواج من “آبي” المرأة الشابة التي تصغره في السن بثلاثين عاماً، والتي سرعان ما تقع في غرام ابنه الأصغر “آيبن” فيتورط هذا الأخير في أحابيل إغوائها له، مقيماً علاقة سِفاح معها، لتنجح في إقناعه بإنجاب طفلٍ منه، وليفتضح أمرهما بعد أن ينجح الأب في إيقاع الشك والريب في نفسِ الشاب.

وهذا ما يدفع “آيبن” إلى مكاشفة زوجة الأب، وأنها لم تكن تحبه كما ادعت، بل نجحت في إنجاب طفل ينافسه على ميراث أبيه، ومنازعته حقه في حصة والدته الميتة من المزرعة.ويتضح لاحقاً أن زوجة أبيه وقعت في غرامه فعلاً، ولم تعد تأبه لميراث زوجها المتصابي، ولتثبت ذلك تقوم بقتل ابنها الرضيع، فما بدأ بينها وبين ابن زوجها جسدياً شهوانياً قد تحول مع الوقت إلى حبٍ مجنون جارف، أودى بحياة الطفل، ووضع “العاشقين الشابين” في قفص الاتهام. وهذا ما دفع “آبي” للاعتراف بخيانتها لزوجها، وهو الإعتراف الذي دفع الزوج الكهل على الانتحار في نهاية العرض، بعد اكتشافه لخديعة زوجته وخيانة ابنه له.

“بيت الشغف”

هذه الأحداث لجأ مُعِدّ ومخرج “بيت الشغف” إلى تخفيف نبرتها وصراحتها الجنسية في النسخة السورية، جاعلاً شخصية “آيبن” في النص الجديد ابناً لزوجته الأولى المتوفاة (أدت دور طيف الأم الميتة الفنانة أمانة والي) وذلك ربما تجنباً لحساسية سِفاح المحارم، وبالتأكيد على علاقة الابن بأمه الراحلة، وزيارة طيفها له عند المقبرة، ليجد الابن نفسه نهباً لاتهامات أبيه من جهة، وتأنيب الضمير بعد إقامة علاقة غير شرعية مع زوجة أبيه وإنجابه طفلاً منها من جهة أخرى.

العرض محاولة لتقديم ما يشبه مقاربة للنص الأصلي وفقاً لحساسية المجتمعات الشرقية، وموقفها الصارم من مسألة زنا المحارم. فالعرض في نسخته الأصلية كان قد لقي هو أيضاً معارضةً وهجوماً كبيرين في أميركا بدايات القرن العشرين، ففي عام 1926 قبضت شرطة لوس أنجليس على كل ممثلي هذه المسرحية بتهمة الإخلال بالآداب العامة، وفي عام 1940 منع الرقيب في إنجلترا عرض مسرحية “رغبة تحت شجر الدردار” لاتسام شخصياتها بالدناءة والفحشاء، إلى أن تحولت عام 1957 إلى فيلمٍ سينمائي. جاء هذا بعد دفاع طائفة من النقاد عن نص أونيل لكونه جاء برأيهم ضمن النمط الكلاسيكي، ومحاولة لتقديم مأساة برؤية معاصرة، إذ كان فيه محاكاة لمسرحيتي سوفوكليس الشهيرتين “أوديب ملكاً” و”ميديا” حيث يقتل الابن أباه ويتزوج أمه وينجب منها في الأولى، وفي الثانية تقتل الأم أبناءها رغبة في الانتقام بأبشع الصور وأفظعها.

مجال رمزي

عبر مخرج العرض حقل الألغام هذا كله نحو صياغة رشيقة ومتصاعدة منذ اللحظات الأولى للمسرحية، ووفقاً لأداء جماعي لافت لكلٍ من الممثلين: يوسف المقبل (جائزة أفضل ممثل- قرطاج 2018) وصفاء رقماني ومجدي المقبل في لازمة موسيقية تمكن الفنان رامي الضللي من تأليفها عبر مقطوعات موسيقية ظللت جسد العرض بحرفية واضحة تعليقاً على الحدث، أو محاولة التمهيد له، جنباً إلى جنب مع إضاءة الفنان بسام حميدي التي حجبت تعابير وجوه الممثلين وجعلهم أقرب إلى أشباح تغيب وتظهر من يمين ويسار الخشبة وعمقها، وهذا تبعاً لتعاقب الحدث واضطرامه. فعلى الرغم من كتل الديكور التي بقيت هامشية بأحجامها المشوشة، ودرجها الضيق، وشجرتها المحايدة؛ استعار المخرج من نص “أونيل” ملامح المكان لا حذافيره، تاركاً الكتل المتراكمة في وسط الخشبة مجالاً رمزياً محدداً لحركة الممثلين وانتقالهم بينها، مُركّزاً أكثر فأكثر على إعتامات متتالية لمفصلة تعاقب الأحداث، وجعلها تبدو متناقضة في الأجواء التي تحدث بين داخل البيت وخارجه. وهكذا تنمو الخطيئة ويزدهر الجشع وحب التسلط والتملك في أحضان بيت تحيط به الطبيعة الساحرة من كل صوب، فيما ترتفع الجدران الحجرية بين قاطنيه، فتتابع الشخصيات حتمية سقوطها في الخطأ التراجيدي، وصولاً إلى مصائر مأساوية عنيفة وصادمة. وقد تمكن كفارنة هذه المرة من الإمساك بخيوطها، منتصراً لشكل من الأداء المفخّم عبر لغة شعرية لا تخلو من البرجزة، لكنها أحكمت قبضتها لاسترجاع زمن كتابة “رغبة تحت شجر الدردار السوري”. فالورثة المرتقبون هنا يظلون في صراع مميت وقاسٍ، مرةً مع قوى الغيب، ومرةً مع قوى الطبيعة التي اعتقد الأب أنه بإمكانه السيطرة عليها، وترويضها لصالحه في تحدٍ لعوامل الزمن والتقدم في السن.

من هنا جاء العرض الذي أنتجته مديرية المسارح والموسيقى بمثابة قراءة درامية للموت كحقيقة كل ما عداها نسبي وزائف، وكتصوير لمآلات أبطال مسرحية “أونيل” الذين ذهبوا مثلاً في خطورة حب الاستحواذ والعبث بنواميس الطبيعة ومناكفتها، لتحافظ هذه الشخوص على ديمومتها من خلال المشترك الإنساني بين الشعوب. وهذا على رغم اختلاف الظروف وتباعدها زمنياً، وربما هذا ما راهن عليه كفارنة في استعادة النص الأميركي، طارحاً ثنائية الآباء والأبناء، جنباً إلى جنب مع الحفيد المقتول في المهد. ابن الخطيئة والحب في آنٍ واحد، والذي يجسد قناعة الكاتب الأميركي المشتقة من الإنجيل. فالإنسان كائن ضعيف في مواجهة وجوده ورغباته الجامحة. وعلى هذا تبرز في “بيت الشغف” رغبة أخرى لتشريح واقع العائلة السورية، وما طاولها اليوم من انهيارات في ظل الحرب، وكذلك تصدع هذه العائلة بين الأب والأبناء والأم الميتة. فالجميع أمسى محاط بمناخ من الكراهية والضغينة واقتراف المآثم، فيما تمضي الحياة بالقرب منهم من دون أن يستطيعوا إليها سبيلاً تحت شجر الدمار السوري!

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح