أخبار عاجلة

التجريب والمنطلقات الأساسية لولادة النص المسرحي – د.راجي عبد الله

د.دراجي عبد الله

رؤية حديثة لكتابة نص مسرحي جديد : التجريب والمنطلقات الأساسية لولادة النص المسرحي – د.راجي عبد الله   

1 – مدخل البحث :

الموضوعة الأساسية التي سيتناولها هذا البحث بالتحليل والمعالجة بجميع تفصيلاته الواسعة هي سلطة المؤلف و حالة التلاشي التدريجي التي وصل إليها  النص المسرحي في الوقت الراهن , بعد أن كان النص يشكل الركيزة الأساسية لأي عمل مسرحي إعتماداً على الحوارات وعلى البناء الدرامي التصاعدي كما هو معروف , لكن الولادة الجديدة للمسرح البصري قد أصبحت اليوم منهجاً واضحاً للكثير من المسرحيين في العالم، ومنهم المسرحيون العرب الذين بدأوا يقدمون أعمالاً لا تعتمد على المفردة السمعية بل على الصورة التعبيرية في عروضهم , أضف إلى ذلك إن التطور الهائل في المؤثرات البصرية قد ساهم  كثيراً في ظهور مسرح الصورة  وفي إنحسار تأثير المسرحيات الحوارية على المشاهدين , مما أدى إلى  ضعف سلطة النص المسرحي المكتوب وتلاشيها تدريجياً مقارنة بالماضي , ومقارنة بالحاضر الذي تطورت فيه عناصر الإتصال الجماهيري بشكل متسارع , مما سبب ذلك إلى تراجع تأثير النصوص المسرحية المكتوبة في مراحل زمنية مختلفة ووصولها إلى الحد الذي يتوجب فيه البحث عن صيغ جديدة لحل هذه المشكلة التي تواجه المسرح العالمي بشكل عام  والمسرح العربي بشكل خاص .

ومثلما هو معروف أن هنالك طرقاً وأساليب مختلفة للتعامل مع المسرح إنطلاقاً من تجارب أنتونين آرتو في إلغاء النص والتركيز فقط على الصورة المرئية , أو تجارب بيتر بروك التي أراد فيها أن يحقق فيها تأثير الصورة المسرحية على الجمهور المستمدة  من النص الحواري , لكن هنالك طريقة أخرى لحل هذه المشكلة الهامة في التعامل مع النص المسرحي تختلف كلياً عن الطريقة المتبعة في النصوص المكتوبة والجاهزة , هي تلك التي لايكتبها مؤلف واحد بل فريق العمل بكامله , وهي التي لا تلغي المفردة الحوارية أو الصورة المسرحية , بل هي التي تجمع بين الإثنين بطريقة منسجمة جداً تعتمد على عملية الخلق الإبداعي على خشبة المسرح فقط .

2 – المنطلقات الأساسية لولادة النص الجديد :

إن المنطلق الأساسي الأول هو القائم على المنحى التجريبي على الأعمال السائدة في هذه المدرسة الفنية أو تلك. وهنالك من الأمثلة ما يكفي لاعتبار النصوص المسرحية والتجارب القديمة هي منطلق أولي للتجريب الآني . وكيفية التعامل معها على أساس تجريبي حديث سواء كانت عالمية أو عربية، ومنها مسرحيات سعد الله ونوس , الفريد فرج , عبد الكريم برشيد , عادل كاظم… وآخرون .

3 – التجريب خارج النص :

وأعني به التجريب خارج النص الذي لا يعتمد قطعاً على نص مكتوب أساساً، والذي يمكن الإشارة إليه بصورة أدق طبقاً للمراحل التطبيقية التي يمر بها العمل المسرحي الجديد منذ مرحلته الأولى بشيء من التفصيل كما يلي :

أ – الفكرة : وهي المنبع الأول لهذا النوع من العروض المسرحية , وهي فكرة مجردة أصلاً وغير مكتملة الملامح في البداية , وهي عبارة مشروع للتجريب المنظم الذي بدونه لايمكن تحقيق هذه التجربة , وهي تجربة على درجة عالية من المعرفة .

ب – التنفيذ :وكما تم ذكره فإن الفكرة ومراحلها المتتالية تطرح على فريق العمل من قبل المؤلف أو المخرج  دون وجود أي نص مكتوب , ويستمر التوضيح والنقاش بينهم لفترة طويلة من الوقت . وما أن تتكامل ملامح تلك الفكرة جزئياً أو كلياً  في أذهان الجميع , حتى يبدأ الشروع بالتدريب على المشهد الأول من هذا العمل ,   وتبدأ كتابة الحوار في تلك اللحظة ليس على الورق , بل عن طريق النطق به من خلال تلك الأحاسيس الصادقة التي يشعر بها الممثلون وهم يؤدون الحالة سمعياً أو بصرياً , ومن خلال تلك الأفكار المنظمة التي يتم تحقيقها تدريجياً أثناء التدريب على المشاهد واحداً تلو الآخر من أجل أن يتم بناء العمل المسرحي بناء درامياً وفنياً صحيحاً . وبإعتقادي أن أفضل النصوص هي التي تكتب على خشبة المسرح وليس خارجها , وليس كما كان يحدث في النصوص التي كانت تكتب سابقاً  .

 وبالتالي ستكون هذه المسرحية ليست مجهولة المؤلف كما يظن البعض , و لن تكون مسرحية غير متجانسة الأفكار والحوارات نظراً لابتكارها من مجموعة أشخاص , بل أنها مسرحية تكتبها الحالة التي يعيشها المؤلف والمخرج والممثل معاً , وفقاً لظروف عمل احترافية يراد منها تحقيق محاولات مسرحية  جديدة خارج المألوف . لتحقيق عمل مسرحي جديد ليس فيه إلغاء لدور المؤلف المسرحي , بل  أنه سيؤكد أحقية بقاء النص بعيداً عن سلطة النص التقليدي الذي وصل إلى مرحلة التلاشي , بإعتبار هذا العمل الجديد عملاً إبداعياً يجمع بين المفردة الحوارية وبين الصورة الحركية المرئية من أجل تحقيق أعلى نسبة من الإبهار الجمالي والحس في العرض المسرحي .

4- التجريب وعناصر التكوين الإبداعي في المسرح الحديث :

يعتبر هذا المحور من أهم محاور هذا البحث بالكامل , لأنه يعتمد على توضيح الصيغ الإبداعية التي من شأنها إعطاء موضوعة النص صيغة أخرى مغايرة تماماُ للنصوص المسرحية السمعية ,  لأنه يعتمد على الرؤية البصرية التي أخذ المسرح الحديث في كل العالم المتطور مسرحياً ينتهجها الأن , ليس بسبب تلاشي سلطة النص المسرحي فحسب , بل لأن فن الإبهار , أو الفرجة كما يطلق عليه أحيانا , هما شرطان أساسيان لتواصل الجمهور مع المسرح ومن ثم الحكم عليه وعلى أهميته وجودته في الوقت الراهن .

وكمحور أخير للبحث فإنه سيتم التطرق إلى ما يلي بشيء من التفصيل :

أ – إن من أهم عناصر التكوين الإبداعي في المسرح الحديث هو وجود مجموعة عمل إحترافية مؤهلة لتقديم عروض مسرحية متطورة , لا تتكرر عروضها بطريقة مماثلة بين حين وآخر.

ب – وجود فريق عمل تقني متمرس له القدرة على تحويل كل الأفعال المسرحية إلى أفعال جمالية سواء كانت بصرية أو حوارية , بما يتناسب مع موضوعة العرض المسرحي وليست خارجة عنها . خاصة أن التعامل مع التكنولوجيا أصبح متوفراً جداً في عموم المسارح العربية .

ج – تحقيق التناغم بين فريق العمل المسرحي خاصة الممثلين مع إيجاد حالة من الانسجام ( الهارموني )  بين جميع عناصر التكوين المسرحي , وصولاً إلى لغة عرض مؤثرة . إن هذا التنوع والتعدد وتحويلهما إلى حالة منسجمة قد دعت منظري المسرح للبحث في ماهية هذه العناصر  المتداخلة وما يميز بينها , وكيفية تحقيق هذا التناغم بطريقة تجعل المسرحية بكاملها وكأن مبدعاَ واحداَ يقف وراءها وليس مجموعة مبدعين .

د – إن الحديث عن التجريب باعتباره اختياراً جمالياً وفكرياً , لا يقتصر فقط على عملية تحقيق الفعل المسرحي ولا على مدى إبداعه , قدر اقتصاره على عملية المساءلة الفنية , التي يتساءل بها المخرج مع نفسه دائماَ من أجل البحث عن بدائل جديدة , حال الانتهاء من عرضه المسرحي الذي قدمه حديثاً .

ه – الإهتمام برفع درجة التطور الإبداعي لجميع العاملين في المسرح , من خلال ورش فنية متخصصة خاصة بالنسبة للأعمال التي تعتمد على الأفعال الجسدية وحتى الصوتية من أجل الارتقاء بالتجريب المسرحي وفقاً لطريقة من الطرق المتطورة .

و – في هذا السياق يعتبر التجريب المسرحي إنجازاً لا يؤدي إلى المعرفة فقط , وإنما هو بحد ذاته تحقيق للمعرفة , كما أنه في مثل هذه الحالة لا يلزم المشاركين فيه بتحقيق نتائج عاجلة , ومعنى هذا أن الأعمال التي تخرج عن المألوف والسائد تضحي كثيراً في سبيل تحقيق النجاح دائماً على خشبة المسرح  . ويكفي في هذا الشأن أن ينظر المرء إلى حجم التحولات المسرحية التي شهدتها أوربا خلال القرن العشرين وتشهدها حالياً، ليكتشف أن ذلك قد حصل نتيجة لتأثير التجريب في  المسرح.

د.راجي عبد الله – العراق

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

error: حقوق النشر والطبع محفوظة