أخبار عاجلة
د. فاضل خليل

التأويل في تقنيات العرض المسرحي…- فاضل خليل أنموذجاً – العراق

ملخص البحث
يهتم البحث في تسليط الضوء على التأويل كمنهج ومفهوم حديث وتوظيفه لفهم اشتغالاته على تقنيات العرض المسرحي وفقاً لعمل المخرج وأسلوبه في ذلك العرض، وشملت دراستنا أربعة فصول هي: الفصل الأول (الإطار المنهجي) حيث تناولنا مشكلة البحث وأهميته والحاجة إليه، وحددنا الهدف من الدراسة والمصطلحات وحدود البحث وفي الفصل الثاني (الإطار النظري) تناولنا في المبحث الأول التأويل بين الفلسفة والأدب، وفي الثاني التأويل في التقنيات (السينوغرافيا) وفي الثالث تناولنا التأويل في العرض المسرحي، ثم خلصنا إلى مجموعة من المؤشرات التي أسهمت في تحليل العينة، وفي الفصل الثالث (‘جراءات البحث) تناولنا مجتمع البحث وهو عروض فاضل خليل، وأدوات البحث، ومنهج البحث وعينة البحث وهي (مسرحية خيط البريسم) ثم الفصل الرابع الذي تناولنا فيه النتائج والاستنتاجات ثم مصادر البحث والخلاصة باللغة الانكليزية وباللغة العربية، ومن الله التوفيق..
This research is interested in focusing the light on the interpretation as a methodology and a modern concept, and using it to understand it’s effects on the theatrical show techniques according to the directors work and method in that show.
This research is composed of four chapters, the first chapter (the methodical frame) discusses the research goals, Acronyms and limit, were also discussed.
In the second chapter, the interpretation in techniques (scenography) was discussed. The fourth chapter discusses the interpretation in the theatrical show.
In the second chapter (the Theoretical frame) we discussed the interpretation between philosophy and art in the first section and in the second section the interpretation in techniques (secongraphy) was discussed. In the third section we discussed the interpretation in the theatrical show and then we concluded the effects that led to the sample analysis.
In the third chapter (the research procedures) we discussed the research sample which is Faduil Khalil’s shows(Khait Albreasam show as a sample), the research tools, and methodology .
The fourth chapter discussed the results and conclusions, and a list of references at the end.
التأويل في تقنيات العرض المسرحي
فاضل خليل أنموذجاً
الفصل الأول- الإطار المنهجي
مشكلة البحث والحاجة إليه
يعد التأويل واحداً من المناهج الحديثة التي تتصدى للنصوص المسرحية وتحيلها إلى مجموعة أفكار ورؤى وصوراً قابلة للتشظي في المعنى عند المتلقي، وهذه الأحالة تختلف من مخرج إلى آخر وفقاً لمرجعياته الفكرية والفلسفية التي تقوده إلى تحقيق المدلولات الممكنة وغير الممكنة، الخيالية والواقعية رغم أننا لا يمكن أن نحقق كل المدلولات الممكنة وفقاً لأمبرتو ايكو الذي يعد ذلك خرقاً لمبادئ التفكير العقلي، باعتبار أن التأويل يخضع إلى التفكير المنطقي والاستقرائي القادر على تحويل الصور إلى معنى، ومن ثم الوصول إلى تأويل معنى الصور، عكس التأويل اللفظي الذي يشتغل عليه التأويل مباشرة، ويحوّله إلى مجموعة قراءات واحتمالات، وهذا لا يمنع من وجود احتمال لقراءة خاطئة قد تسيء الفهم والإدراك لدى المتلقي، وإن القراءة الصحيحة للتأويل هي تلك القراءة التي تنسجم وتمسك بمقاصد المؤلف وأفكاره- حتى وإن لم نلتزم بنص المسرحية حرفياً- لأن التأويل هنا يشتغل على روح الفكرة في الحوار الذي يأتي منسجماً مع روح الصورة في سبنوغرافيا العرض موزعة على جملة من التقنيات المسرحية ( المنظر، الإضاءة، الأزياء، الماكياج، والملحقات المسرحية) والتي تعمل على توظيف الصور والمرئيات وفقاً لمتطلبات العرض وعبر الرؤية الإخراجية، وهو ما ينتج لنا تأويلاً تركيبياً تفاعلياً، قائماً على المزج والتجانس والتماثل بين تأويلات المصممين لتقنيات العرض المذكورة.
والسؤال هنا هو كيف يمكن للمخرج أن يحقق التأويل في تقنيات العرض المسرحي؟؟.
وبحثنا سيجيب على هذا السؤال.
أهمية البحث
تأتي أهمية البحث من خلال تناول منهج نقدي وأدبي وتفعيله في دراسة تقنيات العرض المسرحي التي يقدمها المخرج عبر رؤيته المرتبطة برؤية المصممين لذلك العرض، ويفيد البحث جميع طلبة كليات ومعاهد الفنون الجميلة إضافة إلى الفنانين المهتمين بدراسة المسرح كافة.
 
هدف البحث
معرفة كيفية تحقيق التأويل في تقنيات العرض المسرحي.
حدود البحث
1- الحد الزماني: 1985 – 2010
2- الحد المكاني: عروض فاضل خليل على مسارح بغداد.
3- الحد الموضوعي: تقنيات العرض.
 
تحديد المصطلحات
1- التأويل: في اللغة هو إرجاع اللفظ المحتمل لمعان مختلفة إلى معنى واحد، ويتم اللجوء إليه خاصة حينما يراد توضيح أوصاف أو معاني لا تُقبل على ظاهرها كما هي.
ويعرفه ايكو: بأنه “مغامرة وإحالات محكومة بنقطة بداية ومتجهة نحو نهاية بعينها، ولا يمكن للتأويل أن يقود محل المدلولات الممكنة، لأن ذلك يعد خرقاً لمبادئ التفكير العقلي” .
ويعرفه جميل: على أنه “صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله” .
ويعرفه الرواشدة: بأنه “حاجة لا تتطلبها النصوص كلها، إنما يستدعي للخطاب الذي حقق قدراً معقولاً من العمق” .
التعريف الإجرائي: التأويل هو إرجاع التراكيب الصورية في تقنيات العرض المسرحي إلى صورة ذات معنى يتناسب مع أفكار المصمم.
الفصل الثاني: الإطار النظري
المبحث الأول: التأويل بين الفلسفة والأدب
يرتبط التأويل بالمعنى الفلسفي من خلال آلية الاحتمال والافتراض القائم على خلق معاني توليدية متعددة قابلة للتصديق ومستمرة إلى ما لا نهاية وفقاً لأمبرتو ايكو الذي يؤكد على “أن التأويل غير محدود ولايمكن اختصاره بدلالة بعينها وكل محاولة للوصول إلى دلالة نتوهم إنها نهائية” .
لقد كشف هوسرل* بأن لكل فكرة أو مفهوم في الوجود المعرفي أكثر من معنى وأكثر من تفسير إلى درجة الاختلاف بين هذه المعاني وتلك التفسيرات، وبهذا يحقق التأويل خطوة كبيرة نحو (الأبستمولوجيا)**.
وإذا تأملنا الظاهراتية: انطلاقاً من هايدجر على وجه الخصوص فسنجد “إنها تستطيع أن تبدو بمثابة الاعتراف الأول على المذهبية الموضوعية ذلك لأن ما تسميه ظاهراتية إنما هو تحديداً علاقات الحياة القصدية ووحدات الدلالة الناتجة عن هذه الحياة القصدية ” .
وعليه نجد بأن التأويل هو منظومة فكرية، قابلة للنمو والتطور مع نمو الفكر وأدواته المعرفية ومظاهره في الفلسفة والأدب والفن بشكل عام، والفن المسرحي بشكل خاص، ومن هنا نجد للنص البصري الجمالي عدة تفسيرات، تنطلق من القائم على تأويل النص (المخرج والمصممين) الذين يعبّرون عن تأويلهم من خلال اجتهاداتهم المميزة، وصولاً إلى المعنى الحقيقي.
ويتحقق ذلك من خلال العلاقة بين المؤلف والمؤول والمتلقي، وفقاً للمعادلة الآتية:
 إن تأويل النص الأدبي (أي نص) قائم على الفكر واللغة، وصولاً إلى تحقيق معنى تأويلي دون المعاني الأخرى المتوفرة والمحتملة، وبهذا يمكننا اعتبار اللغة والفكر دعامتان أساسيتان في عملية تأويل النص، من خلالها يستند التأويل على أرضية صلبة قادرة على تحقيق الانطلاق نحو التجلي في التأويل والوصول إلى أعلى درجات الالتقاء والتوحد والترابط بين النص ومنتجيه (المخرج والمصممين) مما يتيح الفرصة أمامهما واسعة للتعبير تأويلياً عن طليعة المشاهد والأفكار والصور في تقنيات العرض المسرحي، بما يخدم عملية التوصيل والتواصل مع المتلقي.
مثل هذا التأويل قادر على تفكيك دلالات وشفرات النص المتوفرة في لغة الحوار وإعادة تركيبها من خلال إنتاج مجموعة الصور التركيبية والمتفاعلة المتوفرة في تقنيات العرض المسرحي عبر رؤيا المخرج لأن ” كل علامة تميل إلى علامة أخرى وفقاً لمبدأ المتصل الذي يحكم الكون الإنساني” . إن هذا التعدد في الشفرات والعلامات إنما يحقق لنا مساحات متعددة في التاويل، تختلف في إيقاعاتها الفلسفية والجمالية وتتفق في التعبير عن المعنى الشامل القادر على محاكاة قناعة المتلقي وتفسيراته الجمالية لصور العرض المسرحي.
وهناك مجموعة من العوامل التي تتحكم في عملية التأويل منها عامل التوقع والحدس الذي يسبق عملية الفهم، وتراكم الثقافة التي تعتمد عليها عملية الفهم، والخبرة التي تضيف للمعرفة أشياء تم اختبارها والحكم عليها، ثم القدرة على التفسير بشكل منفتح ومتعدد، وعملية الإحساس والتحسس الداخلي المغذي لعملية الفهم، والدافع المهم في عملية التوقع والحدس، ثم الخيال الذي يشتغل على نقدية المعنى والصورة.
بدون تلك العوامل لا يمكن أن تحقق تأويلاً فاعلاً وقادراً على ملامسة آراء وتوقعات المتلقي، لأن من خلال تلك العوامل نستطيع قراءة الفراغات الموجودة ما بين الحوارات في النص ، وملئها بنصوص غائبة حاضرة في العرض ومنفتحة على المتلقين بمختلف أذواقهم وأهوائهم وبهذا “يكتسب النص صيرورته ويتشكل من خلال فعل القراءة البنائية النصية مع تصور القارئ” .
هناك عدة تأويلات للنص قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة، ولا يمكننا فعلياً أن نميز بين التأويل الصحيح والتأويل الخاطئ، لأن المعنى التأويلي هو معنى مفترض والكاتب هو أفضل مؤول لأنه هو الذي يمتلك المعنى الافتراضي. والمخرج والمصمم لديهم معناهم الافتراضي التأويلي باعتبار ان المخرج هنا يقوم بإنتاج ما أُنتج، وإعادة صياغته وتأويله وفقاً لمرجعياته وآراءه. وإن تأويلنا لأي نص كما يقول رواشدة ” لا يعني الوصول إلى مقصدية صاحبه، إنما نقوم بعملية إنتاجية جديدة للنص تتدخل فيها عوامل مختلفة تكون في جزء منها موضوعية، وفي الجزء الآخر ذاتية حرفية، ذلك إن القراءات التي تنتجها ليست صادرة عن العمل الأدبي حسب، ولكنها نابعة من أنفسنا وقدرتنا على الاستقبال، أي عن فهمنا له وتفاعلنا معه وتفاعله داخلنا، لأننا حين نؤول نصاً فإننا نضيف إلى خزين معارفنا، وما نضيفه ليس النص نفسه، بل تأويلنا له” .
وحول إنتاج المعاني وصياغة الأحكام يركز (هيدجر) على فكرة التناهي وبناء الأحكام المسبقة باعتبارها من ضروريات الفهم، في حين يسعى كل من (رانكيه) و (درويزن) إلى بناء تصور تجريبي يجمع بين التجربة والفهم، وعلام العلم بالمنهج التاريخي، فهما يعتبرانه اتفاقاً بين المؤرخين، من خلال الأحداث الماضية وتجديدها وإعادة إنتاجها من خلال البناء الجديد (العرض المسرحي) وهذا ما يشكل إعادة فهم لإيجاد تصورات مسبقة فاعلة ومتفاعلة .
وهكذا يتجه التأويل في معظم صوره إلى تحديد المعنى الذي يحمله الخطاب، وإعادة إنتاجه في العرض المسرحي، مما يستدعي وجود مستويين من المعنى، فالنص فيه معنى قد يكون واضحاً وجلياً، وقد يكون غامضاً محيراً يستدعي التأويل في العرض المسرحي، والمعنى الآخر هو ما يتوفر عليه فالعرض المسرحي، إذ يكون معنى انفتاحي لديه مساحات واسعة وزوايا متعددة قادرة على أن تصيب الفهم لدى المتلقين رغم التفاوت في مستويات التلقي لديهم.
 
المبحث الثاني:
التأويل في التقنيات*
يتحدد عمل التقنيات التي تسهم في خلق (سينوغرافيا) العرض من خلال ثلاثة عوامل أساسية هي:
1- العامل التشكيلي.
2- العامل المسرحي.
3- العامل المعماري.
وترتبط هذه العوامل بعلاقة ديالكتيكية متكاملة داخل العرض المسرحي الواحد، وينبغي أن لا نضحي بأحدهما على حساب الآخر، فالعامل التشكيلي يجب أن يكون بمستوى العامل المسرحي، وبالرغم من أننا قد نلاحظ سيادة العامل التشكيلي في عملية بناء وتصميم المنظر والإضاءة والأزياء، إلا أننا يجب أن نؤكد على العامل المسرحي وبروزه، بمعنى أنه يذوب العامل التشكيلي في العامل المسرحي، ولا ينبغي للمثل أن يذوب في التشكيلي، لأن ذلك يشكل حالة سلبية تبعده عن جوهر عمله الحقيقي، وهو إبراز العامل المسرحي.
إن التأويل في التقنيات يقوم على إعادة تشكيل الفضاء المسرحي، وتأسيس علاقة مكانية وبصرية، بين العرض المسرحي والمتلقي، وذلك من خلال توسيع الصورة والمكان المسرحي التقليدي بالاتجاه نحو اللا محدود واللا نهائي للعمل التقني، انطلاقاً من الفراغ وتوسيع مجالات الحركة فيه تخلق إمكانات بصرية تخيلية تجعل المتلقي منشغلاً بما يراه ويسمعه ليملاً الفراغ بحيوية خيالية .
ويساهم في التأويل في توضيح هوية العرض من خلال الحيز البصري (للتقنيات) الذي يأخذ مكوناته ومقوماته من النص المغلق للمؤلف وانتقاله إلى النص المفتوح عبر رؤية المخرج قبل انغلاقه مرة أخرى ليصل إلى المتلقي بشكل يجعله قادراً على استيعاب الفصل المشكل لتلك التقنيات، ويكون مصمم التقنيات هو (المسؤول عن ضبط إيقاع حركة العناصر الديكورية التي تؤدي إلى الديناميكية في خلق الفضاء )
وتتمثل حركة العناصر الديكورية (المنظرية) بمجموعة العناصر المشكلة للمنظر من إضاءة وأزياء… إلخ.
ونتيجة لهذا التداخل بين التشكيلي والمسرحي والمعماري، فإن التقنيات في العرض المسرحي هي المسؤولة عن إظهار الروابط والاحداث المختزلة في النص الأدبي، والمعبر عنه بالفكرة الرئيسة، وتجسيدها من خلال العناصر الأساسية المكونة (للسينوغرافيا)، والتي تقدم بدورها للمتلقي بلغة بصرية وأشكالاً مرئية تساعده على شحذ خياله على التأويل، لذلك يعدّ المصمم أحد قادة العملية الإبداعية التي تحقق وحدة العرض الفكرية والفنية الشاملة. وعلى المصمم أن ينتبه إلى مشاكل النص البصري والدرامي، وهو يحاول الوصول إلى مقاصده، وخلق علاقة ترابطية بين الدلالات والرموز، وفي محاولته لفك شفرات النص عليه ايجاد التجانس في التركيبات البنائية، وتحقيق سهولة في الربط بين عنصر تقني وآخر، وفي هذا الخصوص يؤكد عقيل مهدي على ” ضرورة تفاعل التجارب في الدراما (النص) مع تقاليده الكلاسيكية والمحدثة من حيث عناصره البنائية، هذا التفاعل الذي يقره العاملون في المسرح جميعهم، إلا أن معظم كتاباتنا الدرامية تغفل هذه الصنعة، لا بسبب الزهد في الجانب الأدبي وكوناته الدرامية العريقة، وإنما أيضاً لعدم قدرة بعض المؤلفين على إنشاء ذلك الكيان الأدبي” .
 
المبحث الثالث:
التأويل في العرض المسرحي
إن تأويل العرض المسرحي (أي عرض) يختلف من عصر لآخر، ومن بيئة معينة إلى أخرى، فهو يعتمد بالدرجة الأساس على الطبيعة التفسيرية السائدة في الزمان والمكان، وهذا ما يجعل الأعمال الكبيرة الخالدة لمؤلفين مسرحيين كبار أمثال شكسبير وموليير وتشيخوف وابسن تثير الكثير من التساؤلات المختلفة والمتنوعة، وبالمقابل يستدعي تأويلات لا نهاية لها، وهو الأمر الذي يجعل من هاملت تأويلياً آلاف الشخصيات المتنوعة حسب الزمان والمكان، ويجعل من لير وماكبث شخصيات متعددة متنوعة قابلة للتطور، وقد يصح القول – بنسبة كبيرة- على أن المخرج نفسه ينتج تأويلاً مغايراً لتأويله السابق للنص ذاته حينما أخرجه، وذلك بتغير الزمان والانتقال إلى مكان آخر متجانس أو متغاير، فالمخرج حينما يقوم في عملية تأويل النص فإنه يكشف عن سريته الكامنة في البعد التعبيري، والمتولدة في البعد الرؤيوي والبصري، وصولاً إلى معنى النص – المجازي- وذلك من خلال تشكيل فضاء العرض منطلقاً من عمق النص، وفك شفراته، ومعرفة مرجعياته الذاتية لموضوعه، ارتباطاً مع زمان ومكان العرض وزمان ومكان المرجعيات الاجتماعية المختلفة والمتشابهة بين مرجعيات النص ومرجعيات الواقع الاجتماعي فالتأويل لابد أن يتم بمستوى فكري وفلسفي يتبناه المخرج ويحدد أفعاله داخل النص، والمخرج الناجح هو الذي يتعامل مع جميع عناصر العرض بنفس المستوى الأكاديمي والفني، وأن يعتمد على التفسير كقدرة ابداعية، فالتفسير كما يقول زيجموند هو ” رؤية فكرية بالدرجة الأولى وتستند إلى قاعدتين جوهريتين، الأولى هي النص الدرامي سواء كان قديماً أو حديثاً، والثانية هي الاحداث التي يموج بها المجتمع والقضايا التي يطرحها، ولا شك أن المجتمع الحديث، ومنذ عصر النهضة والصناعة يطرح قضايا اجتماعية جديدة، نابعة من المتغيرات المتسارعة سياسياً واقتصادياً، ومع ذلك فإن النص الرصين والخالد يعبر عن هذه القضايا المستحدثة إذا استطاع المخرج أن يلتقط الخيط الشاعري الذي يصل الماضي بالحاضر” .
وكلما كانت الصورة متغيرة بتغير المجتمع زمانياً ومكانياً، والمخرج يتطور فكرياً وفنياً ويتسع في تجربته المسرحية، فإن تأويل العرض المسرحي يكون تأويلاً خاص بذلك العرض في زمان معين ومكان معين وأنه سيتغير بتغيير تلك الظروف والمعطيات الزمانية والمكانية.
والمسرح بدون ذلك التأويل لا يمكن أن يحقق أهدافه، وأن القائمين على العرض المسرحي من مخرج ومصممين تقنيات ينبغي عليهم أن يبرروا فكرة آلية توليدات متعددة في الزمن، ومتوحدة في الصورة الواحدة مكانياً، وأن يتم تأويل المتغيرات الجمالية لكونها تكملة لحركة بدأت من قبل، وانتهت في الوقت الحاضر، ولا يبدو بأنها انقطعت أو ستنقطع عن المستقبل، لأن تتابع الأحداث والحوادث يبدو وكأنه ينشأ عن ترابطها، وهذا يؤدي بطبيعة الحال إلى تكوين الصورة وفقاً للضرورة المنطقية، على اعتبار أن الفنان المسرحي (المخرج أو المصمم) هو قارئ قبل كل شيء، ولا يتأثر إلا بما يقرأ أو بما يشاهد، وعندما نقول بأن التأويل يختلف عند المخرج أو المصمم نفسه ولنفس العمل بتقادم الزمن والأحداث، فإنه من باب أولى يختلف من مخرج أو مصمم لآخر.
إن المخرج مفسراً قد يلتزم بأفكار المؤلف المسرحي، ويستخدمها وسيلة للوصول إلى المتلقي، وفي هذه الحالة فإن رؤياه وتفسيره قد يتطابق مع معطيات النص المؤلف، أو قد يبتعد عنها قليلاً، أما المخرج المبتكر فهو يتخذ من النص قاعدة للأنطلاق في رؤيته وتفسيره الذي قد يختلف كثيراً عن رؤية المؤلف، ولذلك يُعدّ مؤلفاً جديداً للنص المسرحي، ومن الطبيعي أن يذهب الثاني أكثر من الأول في عملية التأويل، لأنه لا يتمسك بالنص بحذافيره، ولا يتبع إرشادات المؤلف، بل يخلق إرشادات ذاتية جديدة، وقد يحذف من النص جملاً لا تساعد في دعم رؤياه، وقد يحذف شخوصاً أيضاً لأنها لا تساعد في تحريك الفعل الدرامي وتؤجج الصراع.
إن المسرح كمؤسسة ثقافية يرتبط ارتباطاً جوهرياً بالبناء السوسيولوجي للمجتمع، حتى سمّي (مرآة المجتمع)، بل قد يرتبط بشكل أبعد من ذلك لأنه الموجه للمجتمع، محاولاً تغييره إلى ما هو أفضل، من خلال أدواته الثقافية والعلمية والأدبية .
وهناك جانباً آخر من سوسيولوجية المسرح كما يقول جان دوفينو، يتصل بمورفولوجيا (تشكل الأشكال) في التمثيل والتعديلات والصور والماديات التي يُدخلها المخرج على المكان الدرامي (المسرحي) وهو مكان المؤلف، وبما أنه مبني فإنه يصبح عند التمثيل جيزاً مشهدياً يعتمد على المشاركة من جانب وقابل للتأويل من جانب آخر، وكذلك قابلاً لتأويل التأويل – من قبل المتلقي- من جانب ثالث.
وبذلك يكون التأويل في العرض المسرحي أما تأويلاً قائماً على التأملات الفلسفية والميتافيزيقية عبر تحويل المثل إلى وجود (حقائق) كما يقول هيجل، لأن سر المسرح كما يقول غوبيه هو سر المثل الحقيقية، وهي مجموعة من المقولات التي تسبق الخيالي أو الدرامي في الوجود، أو أنه تأويلاً قائماً على علم الاجتماع، من خلال تحويل الواقع الاجتماعي والظاهرة الاجتماعية إلى حقيقة واقعة، وهنا يكون التأويل معتمداً على (الجزء البروميثي من الحقيقة الاجتماعية) كأعمال مارلو وشكسبير، ولوب دي فيجا، وتشيخوف… إلخ.
أو قد يكون تأويلاً قائماً على الحالة الفنية من خلال تحول الصورة (البيئة) إلى حقيقة، عن طريق الإحالة تارة وعن طريق التداعي تارة أخرى، أو عن طريق الترميز الدلالي الذي يبعث بإشاراته ورموزه إلى المتلقي الموجود في الصالة.
وفي كل تلك الأحوال ينبغي أن يكون التأويل في العرض المسرحي مفتوحاً ومتسعاً لأكثر من فكرة، وباعثاً لأكثر من صورة. وكاشفاً – أمام المتلقي- أكثر من زاوية للنظر إلى شكل المعروض، تحويلاً كان أم تداعياً أو رمزياً.. إلخ، وهذا التأويل قد ينغلق عند المتلقي حين يجد تغييراً ورؤية وتفسير مطابق لآرائه وأفكاره، فينغلق عليها ويعبّر عنها حيث تمثل وجهة نظره بالموضوع.
إن قدرة المتلقي على التأويل تعتمد على ثقافته وتجربته الحياتية والاجتماعية، وعلى ممارساته الفكرية والفنية، وكذلك تعتمد على خياله وقدرته في سبر الأغوار واكتشاف ما وراء الصور والأشكال المعروضة، وبهذا يصبح المتلقي جزءاً لا يتجزأ من منظومة التأويل في العرض المسرحي.
مؤشرات الإطار النظري
1- التأويل موضوعة فكرية لا تخلو من تحليل ينطلق من الجزئيات لتحقيق تصور معين للكليات، وبمعنى آخر أن التأويل لفتراض يعتمد التحليل والتركيب، تحليل المعطيات وتفكيكها والبحث في علاقات بنائها ثم يعيد تركيبها وفقاً لوجهة نظر القائم على التأويل.
2- إن المعنى والشكل خاضعان إلى سلطة التأويل التي هي سلطة تحليلية تركيبية تعتمد رؤية فلسفية تصوغ المعاني وفق رؤاها أو تفترض المعاني من الأشكال.
3- يؤثر المكان والزمان أو البيئة الجغرافية والثقافية بشكل أو بآخر على بنية التأويل.
4- لابد للشكل والبناء التكويني في منظومة التقنيات (السينوغرافيا) أن تتوافق مع تأويل النص بنسبة لا توصف بالاطلاق ولا تنعدم نحو المفارقة، فلابد من جدلية تعتمد التأويل بين النص برؤيته الفكرية أو الفلسفية وبين شكل التأويل الذي تقدمه تلك السينوغرافيا.
5- أن الشكل الناجح في منظومة السينوغرافيا هو الشكل المحرك للتأويل لدى المتلقي، فكلما كان الشكل مثيراً للتأويل كلما كان ناجحاً.
6- أن كتل وتكوينات المنظومة التقنية تؤثر في حركة التأويل مما ينعكس ذلك عند جموع المتلقين.
 
الفصل الثالث
إجراءات البحث
1- مجتمع البحث
ويشمل أعمال فاضل خليل.
2- منهج البحث
وصفية تحليلية
3- أداة البحث
أ‌- ما أسفر عنه الاطار النظري من مؤشرات
ب‌- العروض المسرحية التي قدمها فاضل خليل ومشاهدتها شخصياً.
ت‌- المقالات والأبحاث حول أعمال فاضل خليل.
4- عينة البحث
مسرحية ( خيط البريسم)*.
تحليل عينة البحث
مسرحية خيط البريسم
تأليف : يوسف العاني
إخراج: فاضل خليل
المكان والزمان: مسرح بغداد 1986.
لم تخرج هذه المسرحية (خيط البريسم) عن الأسلوب التقليدي المعروف الذي انتهجه (يوسف العاني) في كتاباته للمسرحيات الشعبية التي تتناول في موضوعاتها حياة الكادحين، وهي تقدم صراعاً طبقياً على نحو شعبي عراقي يقرأ المجتمع العراقي، وعلى نحو أدق، المجتمع البغدادي.
استطاع الفنان فاضل خليل بما يمتلكه من رؤية ومرجعية ثقافية، واعتماده الأسلوب الواقعي بكل أشكاله أن يتعامل مع النص المذكور بتجديد حديث، أحال فيه النص إلى منظومة دلالية لا تخلو من التأويل في الفكرة وفي الحركة وفي الصورة.
يتحدث موضوع المسرحية عن حائك عراقي بسيط، ينظر إليه المجتمع العراقي نظرة فيها نوع من التحقير لأنه يتعامل مع النساء وخاصة في فترة العقود الأولى من القرن العشرين. وهناك حواريات في المسرحية تشير إلى تلك النظرة، وهناك أمثلة شعبية تشير إلى هذه النظرة للحائك مثل (الحائك يموت ورجليه يدفونها بالجومة*)، أو أن الحائك لا يسمح له بالزواج لفقره ولطبيعة عمله، والمسرحية قدمت بمنظومة صراع طبقي بين الحائك وعم الحائك الغني والتاجر المتعالي، والمتسلط لعملية رفض إعطاء أبنته إلى ابن أخيه (الحائك).
يقدم لنا النص تنوعاً في المكان الدرامي، لمشاهد تمثل باحات ثلاثة لبيوت بغدادية منها بيت الحائك وبيت العم، وبيت آخر هو لصديق العائلة، وتعبر عن أحداث في زقاق بغدادي.
عمل المخرج مع مصمم المنظر (نجم حيدر) على تحقيق عمقاً ايهامياً ومتخيلاً لمشاهد المسرحية، فجعل البيوت الثلاثة تشكل زاويتي مثلث يمين ويسار المسرح، وجعل بيت العم في العمق. واستطاع المخرج بعد أن جعل البيوت تشكل طابقين، أن تحقق جانباً تأويلياً مهماً واستثمارها بشكل دقيق ومؤثر، ونجح عبر تشكيل واجهات البيوت الثلاثة المغلقة بميكانيكية متحركة، أن يحقق تكويناً جمالياً مثيراً للزقاق البغدادي، وإبراز شبابيك البيوت وشناشيلها، ومحققاً ايهاماً بصرياً لمساحات طويلة وكبيرة رغم صغر مساحة خشبة المسرح.
إن المخرج استطاع أن يحقق المعنى التأويلي من خلال المعنى البصري الذي جاء عن طريق ايهام التداخل البصري بين جدران البيوت والمحددات العامودية وأدوات وأثاث (أكسسوار)الاستعمال، فوظف خيط الحياكة لتحقيق تلك المناظر فوق خشبة المسرح بكل معماريتها، وكذلك لتجسد كل الأدوات والأثاث والأكسسوارات من خلال ذلك الخيط وألوانه المتعددة، وكثافة تلك الخيوط وتراصها، لتشكل بسط عراقية بجمالية أثارت في نفوس المتلقين انفعالاً جمالياً لا يخلو من تأويل مفرط في تعيين المعنى.
ومن خلال الإضاءة الساقطة على تلك الخيوط، تم تحقيق إيهام التداخل البصري، التي استثمرها المخرج في إسقاط تأويله الفكري – والفلسفي البالغ الدقة، وذلك من خلال إطفاء الإضاءة المسلطة من الخارج وفتح الإضاءة على الداخل لكي نشاهد حركة الخيوط المؤثرة على حركة الممثل، كما ونكتشف وجود آلية بصرية خلف الخيوط بفعل التداخل البصري المترابط مع ميكانيكية الحركة التي اتسمت بها الجدران المتحركة على الخشبة.
إن ربط الإيهام البصري بتلك الحركة التي تمثلها الجدران ومع باقي العناصر التقنية التي تشكل المنظومة البصرية يساهم في إبراز التأويل الفكري والفني للعرض المسرحي، باعتبار أن المخرج والمصمم اعتمدا على مرجعية الخامة المستخدمة اجتماعياً وارتباطها بشخصية الممثل في المسرحية، ومعبرة عن الموروث الجمعي القابل للتأويل.
واستطاع المخرج من خلال ذلك أن يحقق توافقاً وتكاملاً بين المنظومة البصرية للعرض، وبين ما يطرحه النص من تأويلات على مستوى الصراع الطبقي في المجتمع العراقي، ومحققاً من خلال ذلك التوافق تفاعلاً ايجابياً مع المتلقي.
وكذلك حقق التأويل الشكلي المنسجم مع التأويل الخاص بمضمون النص المسرحي من خلال ترابط الرؤية النصية مع تشكيلات العرض المسرحي المتنوعة التعبير والمعتمدة على وحدة الخامة.
الفصل الرابع
النتائج والاستنتاجات ومناقشتها
1- إن الخامة والمواد (الخيوط) التي يصنع منها أشكال وتكوينات المناظر بشكل خاص والسينوغرافياً بشكل عام لا تعد خامات إظهار فقط، بل هي خامات باثة للتأويل، وهي منظومة تأويل بحد ذاتها.
2- كلما كثرت التأويلات نحو نتاج فني معين كلما كان ناجحاً بمنطق الحداثة وما بعدها، بوصفه نتاجاً مثيراً للتساؤلات والافتراضات، أو بمعنى آخر نتاجاً محفزاً للتفكير والتحليل.
3- إن النظام التأويلي عند فاضل خليل يشتغل على الفكرة وعلى الحركة وعلى الصورة.
4- يسعى المخرج فاضل خليل إلى تحقيق المعنى التأويلي من خلال المعنى البصري، الذي جاء عن طريق إيهام التداخل البصري بين جدران البيوت والمحددات العامودية وأدوات وأثاث الاستعمال.
5- لقد حقق المخرج التأويل الشكلي المنسجم مع التأويل الخاص بمضمون النص المسرحي من خلال ترابط الرؤية النصية مع تشكيلات العرض المسرحي المتنوعة التعبير والمعتمد على وحدة الخامة.
 
الاستنتاجات:
1- يبدو بأن المخرج يسعى دائماً إلى التمييز بين شكل العرض من خلال منظومته التقنية (السينوغرافية) ومضمون النص تأويلياً بما يحقق نوع من الأنسجام والترابط بينهما.
2- يستفيد المخرج من الخامة الجديدة (أي كان نوعها خيوطاً أو قطع قماش أو قطع اكسسوارية) ليحقق من خلالها نوعاً من التجريب الذي يقود إلى التأويل الشكلي.
3- يسعى إلى تحقيق الربط بين الشكل الواقعي والشكل المأخوذ من التراث الشعبي عبر استخدامه لخيوط الجومة في عينة البحث كأقرب مثال لذلك.

قائمة المصادر والمراجع
1- أردش، سعد، المخرج في المسرح المعاصر، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب، 1979.
2- أيكو، أمبرتو، التأويل، ت. سعيد بنكراد، بيروت، المركز الثقافي العربي، 2000.
3- ــــــ، التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، ت. سعيد بنكراد، بيروت، المركز الثقافي العربي، 2000.
4- أبو زيد، نصر حامد، اشكالات القراءة وآليات التأويل، بيروت، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1994.
5- ــــ، ـــــ، الخطاب والتأويل، بيروت ، المركز الثقافي العربي، 2000.
6- بن زيدان، عبدالرحمن، التجريب في النقد والدراما، منشورات الزمن، ط1، 2001.
7- الحمودي، حازم، في السينوغرافيا، سوريا، وزارة الثقافة للكتاب، 2008.
8- حيدر، نجم، علم الجمال آفاقه وتطوره، بغداد، مطبعة جامعة بغداد، 2001.
9- ريكور، بول، صراع التأويلات ودراسات هيرمونطيقية، ت. منذر عياش، بيروت، دار الكتب الجديدة المتحدة، 2005.
10- زيجموند، هبنر، جماليات فن الإخراج، ترجمة هناء عبدالقادر، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993.
11- عبيد، محمد صابر، تأويل متاهات الحكي، سوريا، دار الحوار للنشر والتوزيع، 2007.
12- مهدي، عقيل، متعة المسرح، الأردن، أربد، دار الكندي للنشر والتوزيع، 2001.
13- ـــ، ـــ، الجمالية بين الذوق والفكر، بغداد، مطبعة سلمى الفنية، 1988.
14- ـــ، ـــ، أقنعة الحداثة، بغداد، دار الكتب والوثائق، 2006.
15- هانزفيورغ، غادامير، فلسفة التأويل، ترجمة محمد شوقي الزين، لبنان، دار الطباعة والنشر والثقافة، 2007.

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.