الإبهار في مسرح الصورة  – د . راجي عبداالله   #العراق

 

د . راجي عبداالله   

– – الإبهار في مسرح الصورة  

لعله من المفيد أن تتم الإشارة إلى الأسباب الموجبة لكتابة هذا الموضوع ونشره في الوقت الراهن , خاصة أن المسرح العربي يحاول جاهداً إيجاد الركائز الأساسية للمضيء في التجريب , من اجل تحقيق أكبر قدر من الأعمال التي تعتمد على مسرح الصورة بدلاً من الحوار السمعي الذي يعتمد على تفصيلات مروية وليست مرئية , أي بمعنى آخر أن تبقى الرواية للحدث والفعل المسرحي بالحوار هي السائدة والمؤثرة دائماً  في  أغلب العروض المسرحية العربية  , بدلاً من الرؤية المباشرة  لكل ما يجري على خشبة المسرح من أفعال تعتمد على الأفعال الحركية الظاهرية ومكملاتها التكنيكية . وبإعتقادي أيضاً أن غالبية الجمهور العربي لم يصل بعد إلى مرحلة التفريق بين مسرح الصورة ومسرح الحوار لأن كل منهما عبارة عن صورة مرئية تحدث أمامه سواء كانت بالوصف أو المحاورة , أو أنها كانت صورة جسدية تشكل من بأجساد الممثلين على أساس النطق من خلال لغة الجسد والصورة المسرحية وليس من خلال النطق الحسي المباشر الذي يتضمنه الحوار.                                                                                  .                                                                  

كذلك ليس بعيداً عن الإعتقاد أن بعض العاملين في المسرح العربي من مخرجين وممثلين وحتى تقنيين لم يصلوا بعد إلى المعرفة الكاملة بالممارسة الفعلية للمسرح الذي يعتمد كلياُ على الرؤية البصرية وتفسيراتها ومستلزماتها الضرورية للتوجه إلى المتلقين في المسرح العربي , الذين تعودوا دائماً على الأعمال التقليدية التي تعتمد على الحبكة وعلى عملية البناء الدرامي المكتوب حوارياً  , حتى ظل  البعض منهم يعتمد على الإقحام في الشكل على حساب المضمون الفكري للحركة والصورة ومدلولاتها الإنسيابية التي تعتمد على التعبير بالحركة بدلاً من النطق المباشر بالحوار للتعريف بما يحدث على الخشبة , ظناً منهم أن الإهتمام بالشكل حتى إذا كان فوضوياً على خشبة المسرح  هو الطريق الصحيح لتحقيق عرض مسرحي يعتمد على مسرح الصورة .                                         .

  وفي الحقيقة أن الإقحام والمبالغة في تحويل الأفعال إلى أفعال مرئية خارج البناء الفني للمسرحية مهما كان نوعها ومذهبها يعتبر من الأمراض المستعصية  التي تصيب المسرح في كل المناطق في العالم حالياً خاصة تلك الأعمال التي تنتهج أسلوبية مسرح الصورة كما يظن البعض  , فهما اللذان يبعدان الجمهور عن المتعة الإنسبائية للعرض المسرحي حتى وإن كان ما يجري أمامهم من أحداث جميلة ومؤثرة حسياً وبصرياً , لأنها تبقى بعيدة كل البعد عن صيغة العرض المسرحي ومنهجية العرض الواحد مهما كان نوعه . وفي الحقيقة أيضاً  أن هذا الطريقة في التعامل مع الشكل على حساب المضامين الفكرية للأحداث وتواصلها قد إستهوت بعض النقاد و الكثير من المتلقين ورفعت من درجة أهمية بعض الأسماء من المخرجين لمجرد أنهم حققوا مشاهد تعتمد على الفرجة والمتعة البصرية حتى إذا كانت هنالك مشاهد تم إقحامها على حساب البناء الدرامي للعرض حتى وإن كان هذا البناء حركياً.                                                                                      .

غيرأن الصورة المسرحية موجودة في جميع العروض المسرحية إبتداء منذ ظهورالكتابة على يد المؤلفين الكلاسيكيين اليونانيين , وكذلك أنها موجود في مسرح ما قبل النهضة وما بعدها في أعمال شكسبير وكذلك في الأعمال التي تطورت حديثاً إبان الحربين العالميتين وما قبلها , لكن الذي لم يتوفر آنذاك  هي التقنية اللازمة الى تحقيق جمالية الصورة المسرحية وجمالية التأثير البصري بإعتبارهما منهجاً دائماً , فبقي المسرح القديم محصوراً في    المكان الواحد والصورة الواحدة  حتى في زمن شكسبير الذي إعتمد على جمالية الحوار وبلاغة الوصف للتعويض عن جمالية المشاهد المرئية بكاملها.            . 

لكن هذه الحالة إختلفت كلية في زمن أنتونين آرتو, حيث توفرت تلك التقنيات اللازمة له من أجل أن يحقق ما يصبوا إليه من مشاهد جمالية مرئية مكتوبة بلغة الجسد وبلغة الموسيقى الدرامية من أجل تحقيق أعلى  درجة من الإبهار الذي لم يكن معمولاً به على درجة كافية من التجارب المتنوعة قبل زمانه . وهنا أقول أن مسرح القسوة التي إنبثقت تسميته منه وإقترنت به كان من الأجدر أن تكون تسميتها بمسرح الصورة لأنها فتحت من بعده آفاقاً كبيرة للتجريب المسرحي في أوربا والعالم ومنه عالمنا العربي ,  الذي بدأ فيه المخرجون فيه ينهجون نهج آرتو في عروضهم المسرحية بعد أن توفرت كثيراً الوسائل التقنية في المسرح العربي اللازمة لمثل هذه العروض البصرية في الوقت الراهن .     .     

من جانب آخر إن  مسرح الصورة لا يعتمد فقط على الأفعال الجسدية التي تشكل مع الفضاء المسرحي مشاهد مرئية تؤثر في البصر وتتوغل إلى النفس البشرية عبر ما تحمله من حركات تعبيرية لها علاقة باللغة المرئية وليست المحكية , فالجسد كما هو معروف يرتبط أصلاً بجملة من المكملات الرئيسية والثانوية وهي تشكل بمجملها مركز الثقل والسيطرة , مما يصبح وقتها أداة للتنفيذ الإرادي , وعليه فإن الأفعال الغير إرادية لا وجود لها قطعاً في مسرح الصورة وتكويناته الحركية.                                         .

 إذ أن كل شيء فيه محسوب سلفاً , وكل شيء قد تم التدريب عليه عدة مرات , ومن ثم تمت تهيأته نهائياً في المرحة اللاحقة قبيل البروفة النهاية  .

كل ذلك يتطلب من المخرج والممثل ضبط الإيقاع ( ذهنياً ) و (عصبياً ) و( نفسياً ) قبيل ضبطه جسدياً لتحقيق صورة مرئية متجانسة . إذ لولا ذلك ستصبح الحركة مجرد حركة ظاهرية مجردة وخالية من المعنى , بل أنها تصبح حركة فوضوية لها مردودات سلبية .

إن المخرج الذي يريد تحقيق الإبهار من خلال عرض حركي , يجب أن يتوخى الدقة في التعامل مع هذا النوع من الفنون وإيقاع مشاهدها المتنوعة وربط إيقاعها مع إيقاع العرض الواحد  .

إن الإبهار الصوري لا يعني أن يتم ملء المسرح بحركات صورية لا معنى لها على الإطلاق . بل أن الإبهار لابد أن يقترن بالأفكار المرئية , التي تشاهدها أعين الجمهور , وتتمتع بها بصرياً لكي تنفذ في النهاية إلى الأفكار والمشاعر .

 أما بالنسبة للمكملات الأخرى التي تلعب دوراً هاماً في مسرح الصورة , فيمكن التطرق لها كما يلي :

                

 التعامل الديكور :

إن المخرج في مسرح الصورة كما هو معروف لابد له أن يتعامل تعاملاً دقيقاً مع ديكور العرض المسرحي وفقاً لمتطلبات الفضاء المسرحي ,  وعليه إن ينوع فيه بحيث لا يكون ثابتاً منذ بداية العرض المسرحي وحتى نهايته . إذ أن الديكور الثابت منذ بداية العرض المسرحي حتى نهايته , سيؤدي حتماً إلى ملل المشاهدين  بسبب رؤيتهم للمنظر الواحد, وبالتالي سيؤثر ذلك على إيقاع العرض المسرحي في مسرح الصورة برمته منذ البداية . وعليه فإن على المخرج إيجاد الحلول المناسبة لذلك من خلال إيجاد ديكور متحرك  , يضفي على العرض المسرحي نوعاً من التنوع في مشاهدة ومتابعة العرض المسرحي من قبل الجمهور .

إن هذا يمكن تحقيقه من خلال  تصميم الديكور المناسب  , وفقاً للرؤية المشتركة بين المخرج ومصمم الديكور , وبالاستناد إلى المخيلة المبدعة التي يشترط وجودها لدى المخرج ومصمم ديكور المسرحية .

ربما يذهب البعض إلى أن كثرة التغييرات في الديكور الواحد ستؤثر سلباً على إيقاع العرض المسرحي في مسرح الصورة , من خلال تغيير قطع الديكور والأزياء والإكسسوارت وغيرها من المستلزمات الضرورية .

بل إن هذا الأمر يمكن أن يؤثر قطعاً على إيقاع العرض المسرحي في العروض التقليدية , التي تعتمد على الفواصل الزمنية في تغيير الديكور أثناء التعتيم , مما سيطيل مدة العرض المسرحي من جهة , وسيؤثر على إيقاع العرض المسرحي في المسرح الذي يطلق عليه اسم مسرح الصورة كذلك .

لكن الذي أعنيه  هنا هو الديكور المتحرك , أي الديكور الذي يتحول من قطعة واحدة كاملة إلى عدة قطع مجزأة بلمح البصر , مما يمكن تغيير الديكور أمام أعين المشاهدين بطريقة فنية مذهلة , تتوفر فيها الكثير من مستلزمات الإبهار .

إن الديكور المتحرك يستخدم الآن في الكثير من دول العالم , نظراً لسرعة تحوله من حالة إلى أخرى من جهة , ونظراً لما يحققه من حسابات زمنية دقيقة جداً تخدم الأفعال المرئية المتواصلة . وهنا ليس المقصود بالديكور المتحرك , ذلك الديكور الذي يتم تحقيقه عبر الوسائل التقنية الحديثة المتوفرة في المسارح المختلفة . وليس هو الديكور الذي يتم إنزال قطعه وأجزائه من سقف المسرح أو الجوانب , بل المقصود هنا الديكور الذي تتلاحم أجزاؤه وتنفرج وفقاً لرؤية إبداعية سليمة أمام أعين المشاهدين ,من أجل أن  تتحقق المتعة والمحافظة على الإيقاع العام في نفس الوقت .

التعامل مع المكملات الأخرى :

المقصود بالمكملات الأخرى الإنارة والإكسسوار والسلايدات وغيرها من مستلزمات العرض المسرحي . إذ غالباً ما يلجأ مخرجو مسرح الصورة إلى الإنارة للتعويض عن الديكور في  المشاهد المتتالية . ومع أن الإنارة تلعب دوراً هاماً في كل العروض المسرحية , إلا أن لها هنا خصوصية أخرى .

فالديكور كما ذكرت سابقاً , قد يحتاج إلى حسابات زمنية دقيقة حفاظاً على التواصل البصري المسرحي , أضف إلى ذلك أن الأجواء المكانية التي يوحي بها قد تكون كثيرة ومتكررة . لذا يفضل البعض التعامل مع الإنارة لإعطاء الأجواء الزمانية والمكانية المناسبة بخفة ويسر , علاوة على أنها توفر المناخ العام للمشهد الواحد وللعرض بأكمله .

إن التقنيات الحديثة في المسرح ومنها الإنارة الرقمية  , توفر الإمكانية اللازمة في الوقت الحاضر للتعويض عن الديكور , من خلال ( السلايدات ) والصور المتحركة , وحتى عرض الأفلام السينمائية المستوحاة من مادة المسرحية , وربطها ربطاً محكماً بما يجري على خشبة المسرح من مشاهد . لكن هذا وذاك يحتاج إلى معرفة دقيقة في التعامل مع الإنارة وفقاً لمتطلبات صور المشاهد المختلفة وربطها بالفكرة العامة للمسرحية البصرية ككل  . 

وهنا لا يكفي استخدام هذا الحشد الكبير من التقنيات في الإنارة لمجرد التعويض عن الديكور , بل يجب أن يتوفر إلى جانب ذلك الإبهار المناسب الذي يتماشى كلية مع متطلبات المشاهد المختلفة بكاملها . ومع أن غالبية عروض مسرح الصورة  تعتمد على الإنارة المركزة خدمة لحركة الممثل على الخشبة , لكنها لا تخلو أيضاً من التعتيم بين المشاهد والأحداث المسرحية لفصلها عن بعضها مكانياً وزمانياً .

 لذا يتطلب هنا أيضاً التعامل مع التعتيم على أساس علمي مدروس وفقاً لحسابات الإيقاع السليم .

من جانب آخر فإن الإكسسوارات تلعب دوراً مكملاً للإنارة في التعويض عن الديكور , مثل الأقمشة الشفافة التي تستخدم والحبال وقطع البلاستك , والأقنعةالخ . إن قطع الإكسسوار هذه يمكن أن تعوض عن الديكور إذا تم توظيفها توظيفاً صحيحاً مع الإنارة .

بيد أنها تحتاج أيضاً إلى تعامل مناسب , وإلى عدم الإيغال في استخدامها مرات عديدة . 

فالجمالية التي تحققها الإكسسوارات في هذه العروض يجب أن لا تكون على حساب البناء الدرامي للأفعال الحركية في مسرح الصورة  , إذ أن استخداماتها المحدودة والكلية لابد وأن تكون في موضعها بزمن محدد .

التعامل مع الفضاء المسرحي :

الفضاء المسرحي هو المكان الذي يقدم فيه العرض المسرحي برمته , حيث يشمل جميع أجزاء خشبة المسرح , والرمب , وخلفية المسرح و ما يعرض عليها من إنارة أو صور متحركة . كما أنه يشمل السقف ومحل الأوركسترا , وفي بعض الأحيان يشمل أجزاءا ً من الصالة .                               

إن المخرج المسرحي هو الذي يحدد الفضاء المسرحي الذي يروم تقديم عرضه المسرحي فيه , وفقاً لما يراه مناسباً لرؤيته المسرحية . لكن من المهم جداً الإشارة هنا إلى أن التعامل مع الفضاء المسرحي يختلف كلية من مسرحية إلى أخرى , ومن طريقة إخراجية إلى طريقة ثانية . فالمسرحيات التقليدية لها فضاؤها الخاص , و المسرحيات التجريبية لها فضاؤها الخاص أيضاً . ومسرحيات الصورة لها فضاؤها المرسوم  وكأنه لوحة تشكيلية متناسقة الألوان . وهنا يأتي دور المخرج وحريته في اختيار الأسلوب المناسب لعرضه المسرحي . لكن المهم في هذا كله كيفية استخدام  الفضاء المسرحي  بطريقة فنية مدروسة أيضاً . 

فالمكان والحركة والتحول من حالة إلى أخرى تتطلب من المخرج والممثل الدقة في التعامل مع الصورة المسرحية  تعاملاً دقيقاً وسليماً . خاصة أن الحركة على خشبة المسرح سواء كانت عامة أو جزئية , وسواء كان صامتة وساكنة فإن لها إيقاعها المرئي الهام . 

إن المخرج بحرفته العالية والممثل بإمكاناته الجسدية وحتى الصوتية إذا تطلب الأمر, سيشكلان فريق عمل جيد بالإضافة إلى العاملين الآخرين الذين لابد لهم من إدراك أهمية التعامل مع مسرح الصورة  بكل تفصيلاته المختلفة.                                      .    

وفي الحقيقة أن  بعض المخرجين المحدثين يعتمدون على العروض الحركية , أكثر من اعتمادهم على العروض السمعية التي تكون في الغالب قليلة أو معدومة في عروضهم المسرحية . وهنا تصبح مهمة هذا النوع من الإخراج مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بجسد الممثل  وبأفعاله الجسدية  , التي تعوض كثيراً عن لغة المخاطبة السمعية المباشرة . وعليه فإن المخرج  الذي يطمح إلى استخدام قدرة ممثليه الجسدية , وصولاً إلى عرض شيق يعتمد على الصورة في توصيل الفكرة للجمهور , لابد له أن يبذل جهوداً مضاعفة أكثر من المخرج الذي يتعامل مع المسرح السمعي . 

لكن هذه المهمة تبقى محدودة في إطار قدرة الجسد وحده على امتلاك وسائل التعبير كاملة , ما لم ترافقها مكملات أخرى , مثل الموسيقى والمؤثرات الصوتية والبصرية , تلك التي تشترك فيها جميع المسرحيات السمعية والبصرية . 

إن طبيعة الحركة الجسدية قد حددت معالم حركة المادة المتناسبة منطقياً مع حركة الجوهر وتطوره ونموه . وهنا تبرز أهمية مسرح الصورة  في التأثير الكامل على الرتابة التي قد تتكرر في حركة الأجساد وفي الأفكار التي يراد توصيلها بصرياً . مما يتطلب مهارة ودقة فائقتين من قبل المخرج وفريق عمله بالكامل لتجنب هذا التكرار . فالأدوات الفنية المتوفرة محدودة في المسرح التقليدي مقارنة بالأعمال المسرحية الحديثة التي تعتمد على  التقنيات الحديثة  لتحقيق هذا النوع من العروض .

 غير أن هنالك نوعاً من العروض المسرحية التي تعتمد على الحوار والحركة معاً , مما يتطلب ذلك إحداث توازن بين كلا الايقاعين السمعي والبصري , وصولاً إلى لغة جمالية ومتعة روحية كبيرة . إن هذه الحالة يمكنني تسميتها بفلسفة الحوار وفلسفة الحركة . وبمعنى أدق أن هاتين الفلسفتين تنفصلان عن بعض في طرق المعالجة الفنية ثم تتداخلان تداخلاً منسجماً , لا يقبل أبداً بالاجتهادات السريعة ولا بالمعالجات الإخراجية الارتجالية , بل تتطلب وعياً دقيقاً لمعاني الحوار الفلسفية والحركية معاً.                 .                 

بيد أننا في عالمنا المسرحي اليوم , نجد تراكيب غريبة وعجيبة بما تسمح به الحرية المتاحة للمخرج في إخراج عمله المسرحي , فتنتج عن ذلك خلطة غير منسجمة بين الشكل والمضمون وبين ما هو لوني وتعبيري وآخر فوضوي .

 هذه هي المشكلة التي تضعنا جميعاً أمام حالة من التساؤل عن أهمية التعامل مع الإيقاعي الحركي , باعتباره إيقاعاً منظماً واعياً  , وبين إيقاع الحوار الذي يحتوى  على الأفكار  , التي تتطلب من المخرج تنظيمها إيقاعياً بالكلمة والصورة معاً . 

                                    

سينوغرافيا العرض المسرحي  :

من أهم الموضوعات التي يصادفها المخرج في عمله المسرحي بمسرح الصورة , هي سينوغرافيا  العرض المسرحي برمته التي تتداخل فيها أمور شتى . فالأفعال الصورية وحتى الصوتية تحتاج إلى ربطها درامياً  مع المشاهد الأخرى , بطريقة تنسجم مع متطلبات عرض المشهد وفوارقه عن المشهد الذي يسبقه أو يليه.                                 .

وهنا لا بد للمخرج من الإلمام ( بسينوغرافيا ) العرض المسرحي , ومعرفة كلية بالتعامل مع المكملات الأخرى التي تلعب دوراً هاماً في ضبط إيقاع العرض المسرحي بالكامل .

إن السينوغرافيا لم تكن معروفة قطعاً من قبل , ولأنها اليوم تحدث الانسجام الكامل بين كل ما يجري على خشبة المسرح بصرياً , فقد أصبحت الآن من العناصر الهامة في نجاح أية تجربة مسرحية سواء كانت تلك التجربة لها علاقة بمسرح الصورة أو بالمسرح السمعي .

وكما هو معروف , فإن السينوغرافيا لم تكن تلعب دوراً هاماً في تفعيل الرؤية البصرية  على الجمهور ولم يكن لها أيضاً تأثير عليها في المسرح الكلاسيكي القديم وحتى الرومانسي.

                                                                                                             

بيد أن السينوغرافيا أخذت تلعب دوراً هاماً في حياتنا المعاصرة , حتى أصبحت هي التي تحدد الجو العام للمشاهد المختلفة بشكل مرئي كامل . وهنا يبرز دور السينوغراف في إنجاح العروض البصرية التي يطلق عليها الآن مسرح الصورة .

وبالتأكيد فقد لعبت التقنيات الحديثة في عالمنا المعاصر دوراً هاماً في المساهمة في سينوغرافيا العرض المسرحي وفي مسرح الصورة , بعد أن كانت الأعمال المسرحية في السابق  تعتمد أولاً وأخيراً على ما هو متوفر من تقنيات ناقصة , قد تؤثر سلباً على عامل الإبهار في العرض المسرحي  لأنها تتطلب وقتاً أطول للتنفيذ .

لكنها اليوم تنفذ بلمح البصر وتفضي على المسرحية أجواء خيالية وسحرية , تمتع البصر وتساعد كثيراً على تواصل الجمهور مع العرض المسرحي برمته , لأنها تعتمد على الشكل الصوري  للعرض الذي يسمى في عالم اليوم ( سينوغرافيا ) كما ذكرت .

 وكما ذكرت آنفاً أن استخدام السلايدات الصورية وحتى عرض الأفلام , أصبح لا يختلف قط عن دورها في السينما أو التلفزيون إلا بطريقة أو بأخرى , فالأفلام والسلايدات تعامل على خشبة المسرح على أنها صور مرئية ضوئية يحتاجها العرض المسرحي للدلالة على حدث موجود أصلاً في المسرحية ذاتها .

مع هذا وذاك , هنالك رؤىً إخراجية مختلفة , يتطلبها هذا العرض المسرحي أو ذاك , فهنالك بعض المخرجين لا يعتمدون على التغيير وفقاً للتقنيات المتوفرة في مسرح الصورة , سواء كانت تقنيات بسيطة أو متطورة  . وهنالك فريق آخر , لا يعتمد على هذه الطريقة أو تلك , بل  يقوم بتغيير متطلبات عرضه المسرحي  أمام الجمهور بطريقة مذهلة دون أن يلجأ إلى التقنيات الفنية الحديثة . لكن هذا النوع من التعامل يتطلب من المخرج العمل على تدريب فريق عمله بكامله طبقاً لوقت زمني محسوب من أجل تحقيق الإبهار الصوري الذي قد تعجز عن تحقيقه التكنولوجيا المتوفرة في خلق الصورة المسرحية الجميلة  والمناسبة وهذا ما حققته في عروض مختلفة  .  

               د . راجي عبدالله

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح