الأكاديمية المغربية “أمل بن ويس”: المسرح الشبابي العربي: قطيعة دون تجدّد / خيرة بن ودان

ذهبت الأكاديمية المغربية “أمل بن ويس” إلى أنّ التجارب المسرحية الشبابية العربية أحدثت “القطيعة”، لكنها لم ترتق إلى مصاف “التجدّد” بسبب “عدم النضج”.
في مقاربتها لإشكالية “لماذا لا ترقى التجارب المسرحية العربية، وما العائق الذي يحول دون إنضاج هذه الأعمال لتبلغ مستوى العالمية؟”، اقترحت “بن ويس” ضرورة الانفتاح على تجارب كونية، وعزت ذلك إلى ما سمته “عدم نضج التجارب العربية التي تحتاج لاستثمار أكثر ودعم مالي أكبر، والانفتاح على القيم الإنسانية”، كما نادت الناقدة الفنية بـ “وجوب الاهتمام بأداءات الممثلين وتحسين ظروف العروض بما يسمح بتجاوز الأنماط والنماذج المسرحية التقليدية”.

حداثة مفقودة
“بن ويس” التي بلغت المرحلة النهائية للمسابقة العربية للبحث العلمي المسرحي، لاحظت أنّ التجارب الجديدة في المسرح العربي أثناء الألفية الثالثة، استفادت من مستجدات المسرح العالمي بكل ما ينطوي عليه الأخير من ثراء تجريبي وتجديد في تقنيات الكتابة وأساليب الإخراج والسينوغرافيا.
وركّزت “بن ويس” على ما وصفتها “الحداثة المفقودة في الأعمال المسرحية”، خاصة تلك التي يُنتجها مبدعون شباب يُنتظر منهم إحداث القطيعة مع تصورات الأجيال الماضية فوق الركح، كما سعت الباحثة المغربية لوضع يدها على مكامن الخلل التي تحول غالبا ضدّ نضج التجارب الحداثية المعاصرة وما بعد الدرامية من خلال محاكاة (جينيالوجيا) المسرح المغربي والتعمق في التجارب الإبداعية الشبانية.
اجترار المواضيع
حاولت “بن ويس” في بحثها تشريح التجارب المسرحية التأصيلية والاحتفالية وراهنية المسرح الفردي في المغرب، واعتبرت أنّها تجترّ “مواضيع متكررة”، وارتكزت “أمل” في مقاربتها الموسومة “المسرح والحداثة.. محاولة في التركيب”، على البحث في التجارب المسرحية التي سعت للخروج من عصر التنظير الذي وسم المسرح المغربي خلال القرن الماضي، إلى واقع الممارسة الفعلية والذي يؤدي بالضرورة للتحرر من القوقعة إلى الآفاق الكونية، انطلاقا من قناعتها بأنّ أي إبداع لا ينمو في التربة المحلية بل يجب أن يخرج للفضاء الكوني، كما يندرج بحثها ضمن دراسة (جينيالوجيا) المسرح المغربي مع التركيز على التجارب الجديدة المعاصرة التي تشير إلى دخول الممارسين المغاربة حقبة فنية جديدة حسب نتائج بحثها.
وقدّرت “بن ويس” أنّ هذه التجارب تصطدم بعراقيل تحد من فاعليتها، بينها قلة الدعم المالي، وتصورت الباحثة المغربية أنّ التجارب الحداثية التي تناولتها في مسارها البحثي تحتاج إلى تكوين فكري، لأنّ التكوين الأكاديمي الذي يتلقاه طلبة المسرح في المعاهد المتخصصة والجامعات، يعتمد على التلقين التطبيقي، “غير كاف” على حد تعبيرها، وقالت: “المبدعون يقعون جرّاء هذا في خلط بين التصورات الحديثة والمعاصرة أو خارج الدراما، وليس لديهم تمثل واضح للجماليات، وبالتالي فحتى أشدّ المعارضين للمسرح الاحتفالي مثلا، يجدون أنفسهم ينتجون مسرحا مشوها”.
أزمنة “التجاور” وليس “التجاوز”
لمعالجة هذا الوضع، رأت “بن ويس” بحتمية الاطلاع الموسع على الجانب الفكري مثل الاطلاع على ما كُتب حول تاريخ الفن المعاصر والحديث وما بعد الدراما، وحوصلت نتائج بحثها في عدة نقاط منها، أنّ المسرح المغربي عاش ثلاثة أزمنة وهي خمسينات وسبعينات ثم ثمانينات القرن الماضي، جعلته يتأرجح بين جماليات الحداثة والمعاصرة، وهي أزمنة لاحظت أنّها تقوم على أساس “التجاور” وليس “التجاوز”، حيث أنّ التعارض بينها قائم، وسط تعايش في اللحظة الراهنة، مما يجعلها عرضة للنزاع والبحث الدائم عن المفاهيم مما ساهم في تشكيل وعي بالمعاصرة.
وأوعزت الأكاديمية المغربية أنّ فترة ستينيات القرن الماضي شهدت إسهام الاذعانات السوسيو ثقافية في الحيلولة دون نضج الطموح المشروع لابتكار مسرح مغربي معاصر، ومن بين النتائج التي خلصت لها الباحثة هي أن الكتابة الدرامية للمسرح تباينت بين طموح الطليعة والمعاصرة المنشودة، حيث صارت الكتابة هي الأصل وليس الموضوع وهي الغاية وليس الوسيلة.

خلخلة التقاليد
في استشرافها لأفق ما بعد الدراما في المسرح المغربي، وجدت الباحثة أنّ السنوات الأخيرة شهدت تغييرات جذرية خاصة التعامل والتفاعل مع الفنون البصرية، ما ساعد على توسيع مفهوم المسرح وجعله يرتقي بجماليات المشاهدة عوض التركيز على الملفوظ مثلما كان سابقا، ونوّهت “بن ويس” ببروز عدة تجارب مغايرة لما اعتاد عليه المسرح المغربي، مكّنت من خلخلة التقاليد التي كانت معروفة في صناعة الفرجة وساهمت في تأزيم خطاب التأصيل.

ندرة وتلفيق
انتهت الناقدة المغربية إلى تحليل نماذج الشباب المبدع في المسرح المغربي، وأشارت إلى توافر مخرجين وممثلين وسينوغرافيين متميزين، في المقابل، سجّلت ما وصفتها “ندرة كبيرة في المؤلفين ما يعيق دفع الإبداعات الركحية، واعتبرت “أمل” أنّ بعض الكتابات أظهرت “نوعا من التطور”، بيد أنّه “يوجد تلفيق بين منجزات المعاصرة واستمرارية اتجاهات التأصيل”، في وقت غابت “لغة المنفى” التي تعد إحدى آليات الكتابات المعاصرة، لكن المسرح المغربي يخلُ منها، وثمّنت “بن ويس” قدرة مواطنيها الشباب على المقاومة والصمود، رغم نقص التمويل والعوائق المتعددة والمحيطة، والتي تحدّ من عزيمتهم.

المصدر/ محمد سامي مجلة الخشبة

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.