الأردني إياد الريموني يوقع شخصيات شكسبير في الهذيان – عبد الكريم الحجراوي #مصر

من مسرحية "هذيانات شكسبير" للكاتب والمخرج الأردني إياد الريموني
من مسرحية “هذيانات شكسبير” لأياد الريموني

الأردني إياد الريموني يوقع شخصيات شكسبير في الهذيان – عبد الكريم الحجراوي #مصر

بنظرة أفقية يعيد الكاتب المسرحي الأردني إياد الريموني تشكيل خمسة أعمال مسرحية لوليم شكسبير في مسرحيته “هذيانات شكسبير” التي صدرت في كتاب عن دار “جيدة” للنشر والتوزيع – الأردن، وقدمت على المسرح من إخراج الريموني نفسه. وهذه المسرحيات هي: روميو وجوليت، هاملت، عطيل، ترويض النمرة، تاجر البندقية. وهنا تتشابك خيوطها من جديد منتجة عملاً إبداعياً برؤية مغايرة للعالم الذي كتبت من أجله.

تقوم مسرحية “هذيانات شكسبير” حول فكرة رئيسة معنية بالإجابة عن السؤال: كيف يُزوّر التاريخ؟ وهل التاريخ يكتبه المنتصر؟ مسرحية تتخذ من منهج ديكارت في الشك نموذجاً، تبحث حول قضية الأدب كمصدر من مصادر التاريخ. وبشكل تحليلي يقوم الريموني بإعادة قراءة لأعمال شكسبير بصورة إبداعية يجسد من خلالها فكرة كيف يمكن كاتباً أن يبدل من الحقائق ويزيفها ويصبح هو المصدر الوحيد للمعلومات حول الشخوص والحقبة التي كتب عنها.
ويظهر شكسبير في هذه المسرحية كشخصية تعاني من أمراض نفسية تدفعها إلى ارتكاب العديد من الجرائم. فهو مسكون بهاجس خيانة النساء له، مولع بالشهوات، لا يتورع عن تعذيب من يقفون في طريق نزواته وتلفيق التهم لهم، صورة من تلك الشخصية الأسطورية الإسبانية، دونجوان، راغب دوماً في إيقاع النسوة في شراكه، ظاناً أنه محور الكون، صورة لفنان ملك نواصي الإبداع لكنه يسخره لأهوائه المريضة وتشويه عصره.

يسعى إلى إيقاع “أوفيليا” و”ديدمونة” في هواه إلا أنهما ترفضان الانصياع له، فيستعين بصديقه المحقق “رميو” وتلميذه “ياغو” من أجل القبض على “عطيل” و”هاملت” لتعذيبهما كي يعترفا بأنهما ارتكبا الفعل الفاضح، فيما يعذب “ديدمونة” و”أوفيليا” في منزله ويجبرهما على الاعتراف بأساليب وحشية. وبمساعدة القاضية “جوليت” يتم الحكم على الأبرياء بالسجن وتكليف شكسبير بتشريدهم في كتاباته!

قلب الحقائق وتزوير التاريخ

ما قام شكسبير بفعله بتحويله لـ”روميو” المحقق الوحشي، و”جوليت” القاضية الفاسدة إلى قصة حب رومانسية ترددها الأجيال، وكي يزرع الشك والكراهية، شرع في كتابة مسرحية “عطيل” وبدل معشوقته “ديدمونة” بـ”أوفيليا”، والعكس فعله مع “هاملت”، وجعل من “عطيل” همجياً في شكه مما دفعه إلى قتل حبيبته، فيما كتب مسرحية “هاملت” وبدل حبيبته من “أوفيليا” إلى “ديدمونة” وجعل من “هاملت” قاتلاً لأبيه. أما “شايلوك” المدعي العام المرتشي في هذه المسرحية فحوله في مسرحية “تاجر البندقية” إلى مراب، وشخصية “بتريشيوا” حاجب المحكمة المسكين حوله في مسرحية “ترويض النمرة” إلى شخصية تستطيع ترويض “كاثرين” المتمردة. أما شخصية “جرترود” المحامية النزيهة التي حاولت رفع التهمة الباطلة عن العشاق الأربعة فقد حولها في مسرحية “هاملت” إلى أم لهاملت تعاني من اضطراب في شخصيتها ما بين السعادة والحزن. أما “ياغو” مساعد المحقق “رميو” الذي باع ضميره وشهد شهادة زور في المحكمة بأن العشاق الأربعة قد مارسوا الرذيلة فقد حوله إلى شخصية حاقدة خبيثة في مسرحية “عطيل”.

المسرحية في كتاب
غلاف هذيان شيكسبير – إياد الريموني

مسرحية “هذيانات شكسبير” تقدم نفسها كإعادة قراءة للتاريخ وإنصاف للذين هضم حقهم على يد شكسبير الذي يظهر في آخر المسرحية ويعترف بكل الجرائم التي ارتكبها؛ “فالتاريخ أضحوكة لمن يصدقه ودليل لمن يحلم به”. وعلى خشبة المسرح تعود جميع الشخصيات إلى الحياة كي تروي القصة الحقيقة دون تزييف، كل يعترف بأخطائه كأنهم وصلوا إلى يوم “الدينونة”. كل يقوم من رقدته بعد أن يصدر صوت مرعب تصعق منه شخصية وتقوم أخرى كي تروي ما حدث. فهذه “جوليت” القاضية وهي تعترف بأخطائها: “ما بك يا أحكامي المعلقة؟ لماذا تجلدينني بأسواطك اللاذعة، صدقيني لقد غرر الحب بي فأذعنت له ولرغباته…”. وشكسبير يعترف بأنه لم يجد سيف فارس يقطع يده، أو من يطعن صدره بخنجر كي يمنعه من تزوير وتشويه صورة الأبرياء من أجل مجد أدبي يرى أنه كاذب.

في شباك الصراع الشكسبيري

ورغم الرؤية الجديدة التي تقدمها المسرحية فإنها لم تستطع التخلص من عالم شكسبير الأدبي وصراعات الزمن الذي كتبت فيه. ومن ذلك فكرة طغيان الجماعة على الفرد، فإذا كان هناك خيار ما بين التضحية بالنفس أو الجماعة، فعلى الفرد أن يختار المجموع، تلك الفكرة التي استمرت لقرون طويلة حتى جاء عصر النهضة وأعاد للفرد مكانته، الأمر الذي وثقت له فلسفة ديكارت الذي وصل إلى الوجود من خلال نفسه: “أنا أفكر إذاً أنا موجود”. فتلك الأنا كانت غائبة قبله. لذا قبل عصر النهضة لن نجد لوحة أو نحتاً عليه توقيع فنان؛ لأنه لم يكن هناك مكان لتلك الفردية، فالتوقيع الفني يعني أن هناك “أنا” وهناك “آخرين”. وهذا اللون من الصراع موجود داخل مسرحية “هذيانات شكسبير” ولم يستطع المؤلف التخلص من ربقته. ففي المسرحية يحاول “شايلوك” المدعي العام أو محامي الشيطان، أن يقنع المحامية “جرترود” المدافعة عن العشاق الأربعة (عطيل أوفيليا، هاملت ديدمونة) بأن تترك هذه القضية لأن الصالح العام يقتضي ذلك ومصلحة الدولة/ الجماعة فوق كل شيء: “تعلمين سيدتي أن القانون ما وجد بداية إلا لحماية الصالح العام ومن ثم الصالح الخاص، والدولة بأركانها الثلاثة مستفيدة منه، والصالح العام في قضيتنا سيدة جرتورد هو إدانة العاشقين الأربعة…”.

والصراع الثاني الموجود في المسرحية، هو صراع ما بين الحب المادي والحب الروحي، فالانتصار دوماً سيكون حليف الحب الروحي. فرغم التعذيب الذي لاقاه المحبون والأحكام الجائرة فإن المسرحية تكتب له النجاة، وهذا الصراع تتفرع منه صراعات أخرى موازية له، كالصراع بين النور والعتمة، بين الخير والشر.

غياب تعددية الأصوات

تؤكد هذه المسرحية صدق نظرة الفيلسوف الروسي ميخائيل باختين حين عارض فكرة أن يكون هناك تعدد للأصوات (بولوفونية) داخل الدراما في كتابه “شعرية ديستوفسكي”، مشيراً إلى أن الدراما تسمح بنظام واحد لا بعدد من النظم. وفي المسرح هناك صوت واحد فقط كامل القيمة وهو الصوت الخاص بالبطل. وهذا الأمر نفسه ينطبق على مسرحية “هذيانات شكسبير” التي تنتمي إلى عالم أدبي ترفض طبيعته التعددية في الأصوات، فدائماً ما تكون هناك رؤية مرغوبة ورؤية منبوذة في المسرح. ويعمل البناء المسرحي ككل على الانتصار للرؤية المرغوبة عبر خطاب حِجاجي يبرز مميزات رؤية ويسفه من الأخرى. وهذا ما يقوم به الريموني في نصه الذي يجعل فيه أبطاله يعترفون بأخطائهم ويرد كل أفعالهم إلى سلوك نفسي غير سوي.

ولا يغيب الحاضر والإسقاط على الواقع عن “هذيانات شكسبير”، فالمسرح العربي كما يقول المسرحي السوري فرحات بلبل، قد ولد وفي فمه ملعقة سياسية، لذا هذه المسرحية تمس أيضاً صورة الدول الشمولية التي لا تحترم قيمة الإنسان وتستخدم أبشع أنواع التعذيب ضد مخالفي رؤية الدولة الوحدوية التي لا تعرف الخطأ.

قدمت مسرحية “هذيانات شكسبير” صورة حية ذات مدلولات سياسية غير مباشرة عن آلية كتابة التاريخ وكيف يتم العبث به لصالح مجموعات معينة من أجل خلق وعي زائف. كما أن المسرحية اتخذت من أدب شكسبير قناعاً كي تعبر به عن قناعاتها إزاء ما يدور في اللحظة الآنية من التاريخ العربي.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح