“الأراجوز الكسلان” بكورة أول سلسلة لمسرح الطفل في مصر – محمد عبد الحافظ ناصف #مصر

     مسرح الطفل أحد الفنون المهمة جدا والضرورية لثقافة الطفل فى العالم بصفة عامة وفى مصر بصفة خاصة،فهو يساهم فى وصول ما نريد طرحه بسهولة و يسر ودون تعقيد للطفل، فتصل رسائله مهما كانت صعوبتها إلى الطفل مباشرة،وفى سياق ممتع من خلال عدة مفردات متنوعة و فنون مختلفة يحبها الطفل فى كل بقاع العالم،و لم لا ؟فالمسرح أبو الفنون الذى يجمع على خشبته و تحت ستائره و فى طل أنواره و فى رجاب موسيقاه عددا من فنون الطفل مثل التمثيل و الديكور و الموسيقى و الغناء و الاستعرض و غيره،لذا فهو مانح الطفل فى النهاية وجبة فنية متكاملة، ستترك أثرا كبيرا لا محالة عليه.

والثابت أن النص المسرحى للطفل يقابل عدة صعوبات منذ كتابته و حتى نشره،فقلما يجد من ينفذه أو ينشره تحت حجة واهية و هى أنه لا يوزع ولا يحب الأطفال قراءته،لذا يجب على المؤسسات القومية المصرية والعربية أن تتصدى لنشر نصوص مسرح الطفل و تتكفل بذلك لأن دور النشر الخاصة لن تفعل ذلك،و عليه تقوم بذلك بعض المؤسسات المصرية والعربية القومية بهذا الدور مثل هيئة الكتاب و الهيئة العربية للمسرح وقليل من دور النشر الخاصة، وأصدر المركز القومى لثقافة الطفل مؤخرا سلسلة سوف تعنى بنشر مسرح الطفل إضافة للسلاسل الأخرى التى يصدرها،.

لا شك أن صدور نص مسرحى جديد للطفل شيء يسعد المهتمين بالطفل بصفة عامة و المسرح بصفة خاصة،و المفرح أن جاء نشر نص” الأراجوز الكسلان” تأليف السيد فهيم متزامنا مع مهرجان الأراجوز الذى عقدته وزارة الثقافة المصرية وباكورة لسلسلة مسرح الطفل،الصادرة عن المركز القومى،و يقع العمل فى حوالى 64 صفحة من القطع المتوسط ،و برسوم الفنان أحمد جيعصة،تدور فكرة نشر الكتاب حول تقديم النص للمخرج الذى يبحث عن نص لينفذه و للطفل الذى يحب قراءة المسرح فى آن واحد؛و ذلك بتقديم رسوم توضحية لطيفة و مناسبة تساعد الطفل و تحببه فى قراءة النص المسرحى.

يعالج النص كسل الأراجوز،فالمعروف عنه أنه لا يخرج لكى يعمل بسهولة رغم أن الملاغى ينادى عليه كثيرا،و يدعو المتفرجين إلى أن ينادوا عليه كى يبدأ عرض اليوم،لكنه يرفض الخروج بسهولة،ويعلن أن الكسل أحلى من العسل،وهنا يلجأ الكاتب السيد فهيم إلى تيمة البداية التى يلجأ إليها كل لاعبى الأراجوز فى بداية النمرة،هى تيمة مشهورة و معروفة عند كل لاعبى الأراجوز فى مصر و ربما فى العالم العربى،وهم الذين لا يزيد عددهم عن عدد أصابع اليدين،لكن الكاتب السيد فهيم يستغل تلك التيمة لبناء عمل درامى مشتق من روحها يعالج فكرة كسل الأراجوز بصفة خاصة و الكسل بصفة عامة.

وكتابة نص عن الأراجوز برؤية جديدة بعيدة عن النمر التقليدية المعروفة عنه تراثيا أمر بالغ الأهمية لضرورة خروج الأراجوز و نمره و موضوعاته عن العدد المحدود لموضوعات صارت معروفة إلى أماكن جديدة وموضوعات أكثر رحابة و مرتبطة بالواقع الذى نعيش فيه الآن،لذا يجب أن يتعامل كتاب نصوص الأراجوز الجدد مع أفكار جديدة تعالج قضايا ملحة و جديدة و سلوك عام يجب أن يتم تناوله فى تلك الظروف و المعطيات التى يمر بها الوطن،و قد يكون تمت فكرة معالجة نص الأراجوز الكسلان فى سياقات أخرى،لكن الجديد هنا كتابة نص متكامل عن الأراجوز و له برؤية درامية جديدة و مختلفة.

يلجأ الكاتب السيد فهيم فى نصه “الأراجوز الكسلان” لمعالجة مشكلة الكسل من خلال شكل يبدو تراثيا فى حكايته،فيعرض الملاغى زرزور على الأراجوز حكاية الرجل الكسول نبهان،هذا الرجل الذى أضاع على نفسه الكنز الذى وجده فى المغاره حين كسل أن يحمل كنزه إلى بيته بنفسه و استأجر مجموعة من الحمالين ليحملوا له الكنز إلى بيته،ثم ذهب إلى السوق لشراء بعض الأشياء لبيته و أولاده،وحين عاد إلى بيته وجد عشرة أجوله خالية من الكنز،فصار يندب حظه لدرجة أنه خرج ليشكو لحكيم القرية بصعوبة بالغة بعد أن أجبرته زوجته أن يخرج و كان يود أن تخرج هى و ينام هو!!

يقابل الرجل الكسول نبهان حكيم القرية،و ينصحه ماذا يفعل إذا أراد أن يكون رجلا غنيا،فأخبره أنه يجب أن يبذل مجهودا و يجتهد و أن يعمل،وأن الكسلان دائما خسران،ويضع الكاتب فى سكة نبهان مجموعة من الشخصيات التى تشكو من أشياء و تحمله بأمانة ما تشكو منه؛فكانت الشجرة تشكو من إصفرار أوراقها و تساقطها،و يشكو الذئب من وجع فى بطنه و تشكو السمكة من ضيق فى تنفسها،و تقترح شخصية الحكيم الحل على شخصية نبهان الكسول ،و الجميل أن كل مشكلة كان يخص الحكيم فى حلها جزء من حل مشكلة نبهان نفسه.

فحل مشكلة الشجرة يتخلص فى وجود جرة من الذهب تمنع الماء من الوصول لأوراقها فتذبل و تموت،فالحل أن يعمل نبهان الكسول ليخرج جرة الذهب و يصل الماء للشجرة و يحصل هو على الكنز لكن كسله يمنعه من العمل حتى يجد الجرة و يفيد الشجرة، و تتلخص مشكلة ضيق تنفس السمكة فى ابتلاعها لجوهرة تمنع عنها التنفس ،فلو ساعد نبهان السمكة لحصل على الجوهرة لكنه لم يفعل و تركها و مضى فى المرة الأولى،و يقابل الذئب و يخبره أن علاجه فى أكل رجل كسلان و لم يجد الذئب أفضل من الرجل الكسول نبهان فيطارده فى كل مكان بعدما يقول له إنه لن يجد أفضل منه رجلا كسلانا،و يظل يجرى وراءه،ويستطيع أن يهرب نبهان من الذئب بصعوبة،و يجلس ثانية تحت الشجرة التى تشكو من عدم وصول الماء لها و تتعرض للخطر،فيساعدها نبهان أخيرا و يخرج الجرة و يصلها الماء و يأخذ الذهب، كما يساعد أيضا السمكة التى لا تستطيع أن تتنفس بسهولة، و يأخذ الجوهرة من حلقها فتستطيع التنفس أخيرا ، و يحصل بالطبع على الجوهرة التى كانت تسد حلقها.

وتأتى نهاية المسرحية رافعة شعار العمل و الجد للوصول لما يريده الطفل و التأكيد على أن الكسلان دائما خسران لأنه لا يعمل و لايجد سبيلا لكى يحقق أمنياته فى الغنى و الرقى.
وساهم الصراع بشقيه الداخلى و الخارجى فى تنامى الأحداث و تسارعها و تشويقها بالنسبة للطفل ،و خاصة الصراع الذى كان بين الملاغى زرزور و الأراجوز من جهة ، و بين نبهان الكسلان و زوجته و الذئب واللصوص الذين سرقوا منه الكنز فى المرة الأولى من جهة أخرى.

كما كان هناك مجموعة من الصراعات الداخلية بين الشخصيات و الأشياء التى كانت تعوق تقدمها؛مثل صراع الشجرة مع الجرة التى تمنع عنها الماء،صراع السمكة مع الجوهرة التى فى حلقها و التى تمنع عنها التنفس والهواء،صراع الذئب مع مرضه الذى يمنعه من الأكل،صراع الأراجوز مع الكسل الذى يمنعه من العمل،صراع نبهان مع الكسل الذى يمنعه من تحقيق أحلامه.

ويقدم الكاتب السيد فهيم شخصياته من لحم ودم ،شخصيات لها ملامح داخلية و خارجية و قادرة على إحداث الأثر،خاصة شخصية نبهان التى تماهت مع شخصية الأراجوز،وصارت الشخصيتان وجهين لعملة واحدة،فنبهان هو المعادل الموضوعى لشخصية الأراجوز و الذى يضرب المثل لأجله هو و الغريب هنا أن البشر هو المعادل للأراجوز و الثابت دائما أن الشيء أو الكائنات كانت المعادل للإنسان كما حدد الناقد العالمى ت س أليوت، وكان ذلك لكى يتعلم الأراجوز من نبهان حتى يتجاوز الخلل فى شخصيته،حتى ينشط و يعمل،كما أن الملاغى فى تصورى هو الحكيم الذى حاول و يحاول مع الأراجوز أن يعدل من سلوكه و يضطر أن يحكى له حكاية كى يعلمه لعله يغير من سلوكه،كما أن زوجة نبهان تتطابق و تتماهى أيضا مع شخصية زوبة زوجة الأراجوز فى تحريضهما لنبهان و الأراجوز كى يعملا و يجتهدا و يتركا الكسل.

ويأتى العرض الذى قدمه المخرج أحمد إسماعيل عبد الباقى على خشبة المسرح الرومانى بالحديقة الثقافية متوافقا مع ما قدمه الكاتب فى فكرته العامة و فى أوراقه المنشورة فى مسرحية الأراجوز الكسلان،و مناسبا تماما للرسالة المطروحة داخل النص،و لكن برؤية إخراجية تناسب حالة خروج الأراجوز فى طبيعة عملة على النص و كسره للحائط الرابع بينه و بين الجمهور ،فقد خرج الأراجوز من البرفان الخاص به و صار ممثلا من لحم و دم يتحرك على خشبة المسرح و يتحاور و يتمشى مع الملاغى زرزور،فتخلص المخرج عبد الباقى من سجن البرفان الذى يعيش فيه الأراجوز وحرره لكنه لم يفعل ذلك مع زوجته زوبة ،فلا داع لوجودها بشريا على الخشبة و هنا يأتى سؤال الضرورة و الإقتصاد المسرحى الواجب.

كما أنه أعد النص للعرض بما يناسب الخشبة و لخص بعض الأحداث التى وجدها موجودة فى مناطق أخرى مثل موقف السمكة و الجوهرة الموجودة فى فمها،فالموقف يتشابه مع الشجرة و الجرة لكنه لا يتشابه مع موقف الذئب نظرا لارتباط الشخصيتين؛نبهان و الذئب بصراع آخرسيأخذنا لحل اللغز و فك الأزمة المسرحية التى صنعها بمهارة السيد فهيم.

كما عبرت موسيقى وائل عوض النابعة من روح النسق الشعبى للأراجوزعن روح العرض ،كما جاءت أغنية أزرع أحصد لوليد كمال معبرة فى النهاية عن الرسالة التى تحملها المسرحية و خاصة نهايتها التى دعت للعمل وشراء أراض و زراعتها حتى لا يضيع الكنز هباء،لأن الأرض هى الكنز الحقيقى،و يبقى أداء الممثلين الذى كان مناسبا و متفوقا من بعضهم و خاصة الملاغى و نبهان و الأراجوز و زوجة نبهان و حكيم الزمان .

ختاما يحتاج العرض الجيد الذى قدمه أحمد إسماعيل عبد الباقى بإمكانيات بسيطة جدا و برؤية إقتصادية تحمد له إلى دعم للصورة البصرية حتى يخرج بشكل أكثر إبهارا و جذبا للطفل.

محمد عبد الحافظ ناصف – مصر

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

error: حقوق النشر والطبع محفوظة