اقرأ كتب الهيئة

الحلقة السابعة من سلسلة “إقرأ كتب الهيئة”

(عين على المسرح)

محور الحلقة كتاب

لوكنت…!؟ ثلاثة عقود في تجربة العمل المسرحي للمخرج الفلسطيني فؤاد عوض

سيرة مسرحية ذاتية كتبها وأعدها ناجي ظاهر وفؤاد عوض

    قدمت الهيئة العربية للمسرح يوم الأحد 23 مايو 2020م الحلقة الشهرية السابعة من سلسلة “إقرأ كتب الهيئة”، ضمن برنامج عين على المسرح، على منصتها الإلكترونية والتي ناقشت كتاب “لوكنت…!؟ ثلاثة عقود في تجربة العمل المسرحي للمخرج الفلسطيني فؤاد عوض” سيرة مسرحية ذاتية كتبها وأعدها ناجي ظاهر وفؤاد عوض.

الكتاب صادر عن الهيئة في 2012م ضمن سلسلة دراسات رقم (13)، ونشر الكترونيا أيضا بصيغة (PDF) على الموقع الإلكتروني الرسمي للهيئة خلال شهر (أبريل 2021م). 

     شارك في حلقة كتاب “لو كنت…!؟” كل من مؤلفي الكتاب أ.ناجي ظاهر وأ.فؤاد عوض وأ.عدنان طرابشه وأدار اللقاء أ.عبد الجبار خمران  مسؤول الاعلام في الهيئة العربية للمسرح.

تقديم الحلقة السابعة من سلسلة إقرأ كتب الهيئة

بعد أن بلغ أ.عبد الجبار خمران المشاركين والحضور تحية وشكر الأمين العام للهيئة العربية للمسرح ود.يوسف عيدابي والعاملين بالهيئة العربية للمسرح، بسط ورقة تقديمية مقتضبة جاء فيها:

مرحبا بالضيوف الكرام: أ.فؤاد عوض – أ.ناجي ظاهر – أ.عدنان طرابشية

كتاب “لو كنت…؟! ثلاثة عقود في تجربة العمل المسرحي للمخرج الفلسطيني فؤاد عوض” سيرة مسرحية ذاتية كتبا وأعدها ناجي ظاهر وفؤاد عوض..

كتاب ماتع يحكي عن سيرة مسرحية وتجربة إبداعية يتداخل فيها الفني والسياسي المسرحي والإديولوجي من خلال سرد لتفاصيل تقرب القارئ من التجربة المسرحية الفلسطينية ومن أفكار وتصورات المسرحي فؤاد عوض منذ الغواية المسرحية الأولى في أواخر الستينيات بمدينة الناصرة مرورا بمراحل تراكمت فيها التجربة وتطورت وتنقلت في مختلف المدن الفلسطينية وإلى غاية أواخر الألفية الثانية..

الكتاب ليس سيرة ذاتية فقط للمؤلف، وإنما يوثق أيضا ويسرد تفاصيل معاصريه من الفنانين الذين شاركوه تجربة الفعل المسرحي على مدار ثلاثة عقود، إنه باب واسع يُشرَع أمامنا لندرك أن ثمة روحاً فلسطينية مبدعة كتبت سرديتها وتاريخها رغم أنف الاحتلال…

     “لو كنت…!؟ ثلاثة عقود في تجربة العمل المسرحي للمخرج فؤاد عوض”، يغطي جانبا مهما من الواقع المسرحي للمجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال لينير بقعا مظلمة بالتوثيق لجهود اجترحت التاريخ بجهدها

وعزيمتها وكتبته بإبداعها وتجاربها، ليسجل للمسرحيين الفلسطينيين كيف عملوا في ظروف العزل والقهر والإقصاء والإلغاء والطمس على صنع مسرح يعبر عن وطن محتل تحول إلى كيان سياسي إلى مغتصَب وهم فيه أغراب.

ليقدم بعد ذلك مدير اللقاء سيرة مختصرة للأستاذ ناجي ظاهر ويطرح عليه سؤالا إفتتاحيا لتقديم الكتاب:

  • ما حظ الأستاذ ناجي ظاهر من حلم الأيام القادمة؟ وما الذي يتقاسمه مع سيرة ذلك الشاب الذي كتب قصته على جدار كهف العشق وأغمض عينه بانتظار ست الحسن لكنها لم تأت لأنه خرق بكتابته تلك على الجدار، عهد “الكتمان” الذي أبرمته معه… ومن يومها لم يدخر جهدا للقاء محبوبته بعد اختفائها… وتنهي الحكاية بجملة “…هو حلم المسرح، هو حلم واحد منا أراد أن يكون هناك مسرح حقيقي في بلادنا، وعاش الحلم من أقصاه إلى أقصاه” كيف نعيد تفكيك القصة الرمزية هذه، على ضوء التجربة المسرحية للأستاذ فؤاد عوض الموثقة في الكتاب؟

ليجب الكاتب ناجي ظاهر: أولا أوجه التحية والشكر إلى الهيئة العربية للمسرح وإلى المنظمين والمبادرين وإلى الإخوة المشاركين وإلى كل من يستمع إلينا، شكرا لكم لأنكم أتحتم لنا أن نفتح صفحة مهمة جدا من حياة الثقافة الفلسطينية، هذه الصفحة تجسد سيرة رجل مسرحي يقدم شهادة هامة جدا حول سيرة مسرح على امتداد ثلاثة عقود (وهي في الحقيقة تجاوزت نصف القرن). توقفنا عند القعود الثلاثة الأخيرة لسبب بسيط هو أنها شهدت عملية احتراف ومأسسة للمسرح…

“لو كنت.. قصة المسرح الفلسطيني”

يقول أ.ناجي ظاهر: ربطتني بالصديق المخرج المسرحي فؤاد عوض علاقة ثقافية ما فتئت تتطوّر وتتعمّق يوما اثر يوم، شهرا بعد شهر وعاما في اعقاب عام، واستمدت هذه العلاقة قدرتها على الصمود وتجاوز

الخلافات العادية الطفيفة، من امرين، أحدهما اننا ابناء بلدة واحدة هي الناصرة، والاخر اننا آمنا بالفن، كل بطريقته بالطبع، واحدًا من اشكال الوعي الاجتماعي وحافزًا على تحسين الة الحياة ورفدها بوقود النماء والازدهار، اضف الى هذا اننا تربيّنا في نفس الشوارع والساحات وشربنا أمواهنا الاولى من نفس النبع القائم قريبًا من بيت فؤاد القائم في الحي الشرقي من الناصرة.. نبع الجابية، اما ثقافتنا فقد كانت متقاربة جدًا جدًا،

كونها آمنت بان الحب والحرية هما الرافعتان الاساسيتان الثابتتان اللتان تفضيان بكل من يؤمن بهما الى فضاء التقدم الحضاري وبناء الانسان.

كما قلت آمنا بهذه المبادئ والقيم كلٌّ بطريقته، فقد اتفقنا واختلفنا، كما ورد في كتابنا المشترك ” لو كنت”، لا سيما فيما يتعلّق بدور الفن في المجتمع، فقد امن هو بان الفن يفترض ان يكون مؤدلجًا ويحمل رسالة، وقد انعكس ايمانه هذا في كل ما قام به، نفّذه وقدّمه من المسرحيات الهادفة، مثل مسرحيات: الملك هو الملك، الفيل يا ملك الزمان وراس المملوك جابر، وغيرها من المسرحيات التي اعتقد انه سيتحدث عنها فيما يلي من وقت، فيما امنت انا بان الفن اوسع من الايديولوجيا وانه اشمل منها كونه نتاجًا ابداعيًا لا يخضع الا لقانون

الإغراب او الادهاش كما قال ناقدنا العربي العريق حازم القرطاجني في كتابه الرائع منهاج البلغاء وسراج الادباء. وقد اكدتُ له، في نقاش ضمّناه كتابنا هذا، ان هناك فرقًا كبيرًا بين الالزام والالتزام المفروغ منها، كون الفنان المبدع ينطلق فيما يُنتجه من مكان وزمان معينين، وبذلك يُضحي التعبير عما يعيشه ويلامسه من قضايا يومية وايديولوجيات بأطراف روحه مجرد تحصيل حاصل.

في هذا الكتاب الذي تعاونا، فؤاد وانا، في كتابته واعداده للطبع، واتفقنا مسبقا على ان يكون سيرة مسرحيّ ومسيرة مسرح، نُقدّم معلوماتٍ ضافيةً عن فنان مثقف مجتهد ودارس، خرج من بيئة شعبية متواضعة الحال ومن عائلة مباركة الابناء، يمكن التعلم من تجربته في كل شيء، في الاصرار والمثابرة على تحقيق الحلم وجعل الحياة ذات معنى، وممكنة العيش، كما يمكن التعلم من اختياراته للمسرحيات التي نفذها وقدّمها على طبقٍ من محبةٍ الى الجمهور العربي في بلادنا. لقد قدّم فؤاد وشارك خلال حوالي نصف قرن من العطاء العديد من المسرحيات، وقد توقّف مطولا عند المسرحي العربي المبدع سعد الله ونوس فقدّم له المسرحيات المذكورة آنفا، اضافة إلى مسرحية اخرى من ابداع ونوس ذاته هي احلام شقية، وما زلت اذكر ما قاله لي صديقٌ فنان تشكيلي بعد مشاهدته هذه المسرحية: اية عبقرية هذه، اية عبقرية في الكتابة والابداع. كما توقّف عند الابداعات المحلية في بلادنا، فمنحها الفرصة للنماء والازدهار، وتعاون مع كتّابِها ومبدعيها بمهنية لافتة، واشير فيما يتعلّق بهذا، انه حمل كاتبّ احدى المسرحيات المحلية على ان يعيد كتابة مسرحيته، سبع مرات، بعدها قام بإخراجها، ليضيف الى خزينة العطاء المسرحي المحلي رصيدا لا باس به، سيشارك بلا شك في مهمة مخرجنا الهُمام وزملاء كثر له، في بناء قلعة عطائنا المسرحي التي تعلو سنة في اعقاب سنة ويسمق بناؤها.

يُميّز فؤاد عوض، كما يظهر في هذا الكتاب بجلاء، بين النص المسرحي وبين ما يسميه الرؤية الاخراجية، فهو عندما يّقدِم على اخراج مسرحية، يحرص على دراستها من جميع النواحي، فاذا ما اضافت الى رصيده،

واكاد اقول مشروعه المسرحي، ما يفيد وينفع الناس، أقدم على الخطوة التالية، وهي وضع رؤية مسرحية خاصة، تُبرز جماليات هذه المسرحية او تلك، اما اختيار الممثلين فانه يخضع لديه الى قوانين صارمة، فهو لا يختار الا الممثل المناسب شكلا وفكرا لهذا الدور او ذاك، كما انه يُشدّد بصورة تكاد تصل حد الهوس في

تشكيل الديكور على اعتبار انه الحاضنة الاساسية والحادبة لما تقدمه المسرحية من احداث.. رؤى وافكار. ولعلّي لا ابتعد هنا إذا ما اشرت الى تلك الجدية المصحوبة بصرامة حديدية في كل ما يقوم به مخرجُنا المُصرّ

والمثابر، سواء كان في مجال الاخراج المسرحي او مجال العمل الاداري، فقد شغل فؤاد العديد من المناصب الادارية لعلّ اهمها ادارته لمسرح الميدان منذ اواخر القرن الماضي الى اوائل القرن الجاري، اي منذ اواسط

التسعينيات حتى اواخر العشر الاول من القرن الجاري. كما كان واحدا من مؤسسي ستوديو الناصرة في السبعينيات، وهو يشغلُ اليوم منصبَ مدير المؤسسة الثقافة الرسمية الاولى في مدينتنا المشتركة الناصرة، مركز محمود درويش الثقافي البلدي.

هذه الهمّةُ الجبارةُ المدركةُ لما تقوم به وتنفّذه من اعمال ثقافية ابداعية، منها كتاب لو كنت، منحت امكانيةً واسعةً وثقةً كبيرة اهّلته للتعاون مع العديد من المسارح العربية الناشطة في بلادنا، فقد تعاون مع عدد كبير من هذه المسارح، كما يظهر في كتابنا هذا، وقد اخرج مسرحيات للكبار والصغار على حد سواء، ومما اذكره اننا، فؤاد وانا، تعاونا مع مسرح صديق عمره الفنان الممثل والمخرج المسرحي، صاحب مسرح الخيّال، محمد عودة الله مناذرة، في تقديم مسرحية للأطفال حملت عنوان رحلة الخرنق- ابن الارنب، قمت بإعدادها للمسرح فيما قام فؤاد بإخراجها وقام محمد ذاته بأدائها مسرحيا، كونها مونودراما مسرحية الممثل الواحد.

تعاونُ فؤاد مع هذا الكم الكبير من المسارح اهّله للتعرف على الكثير من الممثلين، اهل المسرح والمخرجين، وهو يذكر هؤلاء وما احاط بهم من خفايا واسرار في العديد من صفحات هذا الكتاب، فمن المخرج رياض مصاروة الى المخرج مازن غطاس، نراه يتنقل برشاقة غزال ذكي اراد ان يوثق للحياة الفنية المسرحية، خلال معايشته لها عبر حوالي نصف القرن متوقّفّا عند العقود الثلاثة البارزة في رحلته،  ومقدّمًا صورةً تصل حدّ الشهادة على مرحلة ملتهبة في حياة مسرحنا المحلي في البلاد، وتساهم بالتالي في تشكيل حركة مسرحية جدية وفاعلة.

يُقدّم هذا الكتاب باختصار صورةً للمسرح العربي في بلادنا منذ بداياته الاولى في الستينيات والسبعينيات، حتى الثمانينيات وما بعدها، ويُطلع قارئه على التحولات الجذرية في مسرحنا من الهواية الى الاحتراف، موضحا ان فؤاد ورهط من الطلائع المسرحية، اسسوا لمسرح جديّ وجاد يعتمد في تقديم ما يريد تقديمه على أهل العلم، المعرفة والدراسة، ويُحوّل المسرح بالتالي الى مؤسسة تعطي لمجتمعها أكثر مما تأخذ منه، ولا تعيش عالة على اهل المسرح اولا والمجتمع ثانيا.. كما حدث في البدايات المسرحية.

شكر أ.عبد الجبار خمران مدير اللقاء أ.ناجي ظاهر على مداخلته، ثم قدم سيرة مختصرة للأستاذ فؤاد عوض وطرح عليه سؤال:

  • أثارني علامتي التعجب والاستفهام في العنوان بعد كلمتي “لو كنت” ونقط الاسترسال الثلاث، فقررت مع نفسي أن تكونا عتبة للدخول إلى نقاش كتاب حافل بالأحداث والنصوص والمسارح والتجارب.. ما الذي تخفيه نقط الاسترسال الثلاث وعلامتي التعجب والاستفهام في العنوان؟

أ.فؤاد ناجي: أحب بداية أن أرحب بكل الزملاء والأصدقاء وكل المسرحيين العرب الذين يتابعوننا في هذا اللقاء، وأرحب كذلك بالزملاء المشاركين في هذه الندوة، وأشكر الزملاء من الهيئة العربية للمسرح؛ المبادرة والراعية لهذا النشاط…

مرحبا عزيزي غنام الذي كان له الفضل في انتقال فؤاد عوض من المنطقة المغلقة وتجاوز حدود الاحتلال إلى العالم العربي، وكان ذلك خلال التقائي به لأول مرة هو وعلي عليان بمهرجان القدس… واستمرت اللقاءات، وكان حديثنا كيف للفنان الفلسطيني أن يتجاوز هذا القفص الضيق الذي سمي احتلال… وتحياتي للأستاذ الحسن النفالي كما لا أنسى شكر الأستاذ إسماعيل عبد الله الأمين العام للهيئة العربية للمسرح…

في الواقع ناجي ظاهر حكى كل ما يمكن أن أحكيه عن الكتاب… وأحب أن أنطلق من سؤالك أستاذ عبد الجبار ثلاث نقاط استرسال وعلامتي التعجب والإستفهام في العنوان: أردت للعنوان أن يحمل أسئلة عينية طرحتها وكنت مصر على ان يرد النقاط الثلاث، لأنه في استمرارية لموضوع الكتاب ولمضامينه لانه توقف عند عام 2008م فهناك استمرارية منذ ذلك الحين وعلامة التعجب تكن في كونه يحضر نفسية / نفسيات معينة خلال فترة العمل المسرحي عبر التجارب الفنية.

كتاب “لو كنت…!؟” حصاد تجربة مسرحية عملية:

 كتاب ويستطرد عوض بأن الكتاب ليس بحثا أكاديميا، هو حصاد مواسم مسرحية وأعمال قمت بإخراجها وإنتاجها خلال فترة من الزمن، إنه حصاد تجربة عملية / مهنية، رغم ورود محاولات للتأطير والتنظير الفكري في ختام الكتاب كنوع من الإستنتاج لكن التركيز الأكبر كان على التجربة المسرحية العملية.

ومهم جدا في هذا الكتاب أنني ذهبت خلف التجارب الإخراجية والمسرحية والدرامية (الدرامية: المقصود الإعداد الدرامي)، وإلى جانب ذلك رؤى فضائية تابعة للمسرح والسينوغرافيا… في جميع المجالات التي ذكرتها – وهي تأتي من خلال الأسئلة – من خلال علامة الإستفهام وعلامة التعجب هذه الأخيرة التي ترتبط أكثر بالواقع المرير الذي نعيشه تحت الاحتلال وتحت الكيان الإسرائيلي في الداخل.

كل هذه التجارب، كانت بالنسبة لي، كانت أعمالا مسرحية كسرت القواعد النمطية من حيث الإعداد أو الكتابة المسرحية ومن حيث الأداء التمثيلي والفضاء وأخيرا الإخراج المسرحي أو الرؤيا المسرحية والتي كنت أتخبط في بعض الأحيان حول ضرورة إدخال مثل هذا الموضوع إلى “كتاب نظر”. لكن ولكوني مخرج مسرحي فرأيت انه، بالنسبة لي، هذه هي أهم نقطة بسيرورة الحركة المسرحية الفلسطينية.

شاءت الظروف أن اجمع بين كل هذه المركبات ضمن خصوصية الهوية الفلسطينية والانتماء الفلسطيني في ظروف الزمان والمكان وفي هذه السياق كنت أحب أستمع لملاحظات نقدية حول الكتاب / عنوان الندوة.. وبما انه ليس كتاب بحث أكاديمي أو فكري فأفضل ما يمكن أن أقدمه هو نوع من التقييم الفني والمسرحي أكثر منه نقدا أدبيا.. وإن اعتبرنا الكتاب / السيرة الذاتية المسرحية أيضا يمكن أن يكون “نوعا أدبيا”، لكنني في كتاب “لو كنت…!؟”لم ادخل في هذا الجانب الأدبي غير أن الكتابة كانت هي الإمكانية المتاحة لتوثيق وتسجيل تفاصيل هذه التجربة.. فموضوع الكتاب عملي أكثر مما هو نظري أو فكري أو أدبي.

كتاب “لو كنت…!؟” اجتهاد فردي وثنائي، لكنه يعكس تجربة وصيرورة الحركة المسرحية الفلسطينية عامة خلال فترة محددة من الزمن والتوقف عند حدود 2008م مرتبط بظروف الطبع والكتابة.. توقفت عند هذه السنة لأن كم المواد هائل، كما أنها مرحلة مفصلية في حياتي المهنية فأردت تسجيل كل ما كان قبل 2008م حتى نحفظ هذه الوثائق والصور والأبحاث والأفكار التي وثقتها في هذا الكتاب.

يضيف فؤاد عوض أنه خلال فترة من الزمن والتي كانت بدايات التجربة المسرحية الفلسطينية الحديثة، ليس من ناحية الكتابة المسرحية لأنه سبق ذلك في بداية القرن 20 كانت هناك كتابة مسرحية فلسطينية تمركزت مواضيعها حول القضية الفلسطينية. وفيما بعد نكبة عام 1948م كانت فترة مفصلية في التاريخ فقد تشرد جزء كبير من الشعب الفلسطيني، وأجبر على أن يترك أرضه وبيوته وأن يعيش في الشتات في دول مجاورة، لم يكن ذلك سهلا بل كان الأمر مرعبا ومخيفا، وعلى المستوى الشخصي كان ذلك بالنسبة لي نقلة نوعية في التفكير وفي تحديد مساري المسرحي مستقبلا، فالقضية الفلسطينية قضيتنا قضيتنا كفلسطينيين وقضية العرب أجمعين.

نحن نعيش أمام / مع / تحت احتلال كيان صهيوني رهيب سعى كل الوقت إلى إخفاء الرواية الفلسطينية، وطمس الهوية وإلقائها إلى الجحيم، الكيان الصهيون قوي جدا ومسلح بآلة عسكرية قوية وخطيرة، إضافة إلى ذلك لديه مشروع موجه ضد البقية الباقية في أرضها، وبالتالي حاول تذويب هذه الهوية او هذه الفئة وإدخالها تحت جناح “الحياة المشتركة” وغيرها من المفاهيم… التي جعلتنا نحن الفنانين المسرحيين مستقبلا عندما وعينا وكبرنا على هذه المأساة، أن نجتهد في توثيق روايتنا الفلسطينية كما نحن نريد، وكما نراها بأعيننا نحن.

وهذا الامر كان مفاجئا لهم: أننا بقينا وأننا حافظنا على هويتنا الثقافية وهويتنا الفلسطينية والعربية… ولا حظنا ذلك في الحرب الأخيرة – دون الدخول في التفاصيل – في وحدة الحال بين جميع مناطق فلسطين التاريخية.

حاولت من هذا الكتاب – يقول فؤاد عوض – أن انقل للقارئ مشاعر وأحاسيس قمعت واضطهدت لكنها وجدت لها متنفسا، وكان المتنفس (المسرح). حاولت ان انقل مأساة وملهاة الفنان المسرحي، تلك الروح الإنسانية ذلك الكيان المسرحي المفعم بالإنسانية والحياة والامل في مقابل غطرسة واضطهاد واحتلال وحواجز وتغييب الهوية السياسية والقومية والوطنية والثقافية أيضا، كل هذا تجدونه بين أوراق وفصول الكتاب، ولضيق المجال سوف لن أدخل في تفاصيل التجربة المسرحية الفلسطينية أو الحديث عن نفسي كما ذكر صديقي

وزميلي مشكورا أبو علاء، ناجي ظاهر.. وأرى ارتباطا بالسياق أن احكي عن ثلاث أو أربع قضايا جوهرية أشغلت بال جميع المسرحيين العرب عامة والفلسطينيين خاصة كونهم جزء مهم من فسيفساء الحركة المسرحية الفلسطينية والعربية والعالمية.. وإن لم اتحدث في الكتاب عن الجميع – كما ذكر ناجي – وهم كثر مثل رياض ومازن … لسبب ان تجربتي تقاطعت مع تجربتهم المسرحية من خلال العمل معهم سوية..

كتاب “لو كنت…!؟” هو خلاصة لتجربة عملية مهمة جدا في سيرورة الحركة المسرحية الفلسطينية والتي تبلورت من حلال أسئلة جوهرية منها:

من أين نبدأ، ولا نصوص مسرحية فلسطينية؟.. كما ذكرت سابقا النكبة هجرت وطردت كل المثقفين من البلاد والإحتلال احرق ودمر كل المنجزات وكل الكتب والوثائق المتعلقة بالأدب المسرحي الفلسطيني والأدب الفلسطيني بشكل عام وأيضا التراث الفلسطيني لدرجة انهم حفظوا هذا التراث ضمن مؤسسات ومراكز فكرية في الجامعات لفهم طبيعة وحقيقة هذه المنطقة وطبيعة هذا الشعب ودخولهم تحت كنف هذا الشعب بادعاء انهم أصحاب هذا التراث وقد رأينا في سنوات معينة كيف أن الحركة الصهيونية حاولت تبني التطريز الفلسطيني وادعت انه يخص المنطقة او البلاد وهم جزء منـ … وهذا كلام وادعاء لا علاقة له بالحقيقة…

النصوص العربية كانت متوفرة، ومهم بالنسبة إلي بعد أعوام من تخرجي وطرح سؤال الكينونة وصيرورة المسرح الفلسطيني المعاصر، كان هناك ضرورة واهمية كبرى للدخول في عالم الإعداد الدراماتورجي لبعض القصص والمواد ومن أوائل هذه التجارب كانت مسرحية “أنشودة مشوه حرب من الوحدة أ” والتي أعطت لهذا المسرح خصوصية معينة تتجسد في كونها جاءت بتركيب عمل جماعي وبحث ميداني لقصص وحكايات واقعية حدثت، تتعلق بالتجنيد الإجباري لإخوتنا وجزء من شعبنا وهم الطائفة الدرزية، حيث ان جزء من القيادة الدرزية في حينها تعاقد مع السلطات الإسرائيلية فرض من خلاله على جزء من الشباب قانون التجنيد الإلزامي والإجباري – ولن ندخل في تفاصيل هذا الموضوع – بل في ما تتناوله المسرحية وهو رفض الشباب الدروز لهذا التجنيد وقد عايشت مع البعض منهم هذه التجربة مثل المحامي سعيد نفاع أحد أقطاب الحركة الوطنية المعاصرين وزيدان سلامة وسعيد سلامة وعدنان طرابشه… والقائمة تطول جدا، فدخلنا من خلال المسرحية في تلك “البقرة المقدسة” التي تقدمها السلطة الإسرائيلية على اعتبار أن هذه الفئة جزء من الحلم الصهيوني وجزء من جيشه.. تناولت المسرحية حكاية جندي بسيط يكتشف انتمائه بعد حادثة تفجير مبنى في حرب اجتياح لبنان عام 1982م.. جيش الاحتلال يضع أبناء الأقليات في المقدمة (بوز مدفع)…

وصادف أنني قرأت معلومة تقول: أن أحد الجنود أصيب وتشوه جسده ولم يعد قادر القيام بأعماله فوظفت هذه القصة بالإضافة إلى تفاصيل أخرى لبناء خط درامي يتمثل في نقل وعي هذا الجندي من الولاء للخدمة الإجبارية إلى تمرده على هذا القانون ورفضه حتى وإن كان العاقبة سجنه، وهو بالفعل يسجن… الأمر الآخر المهم في هذه التجربة هو الأسلوب الذي اعتمدناه حيث دمجت المسرحية بين الحركة التعبيرية والكلمة الشعرية (وظفنا شعر سميح القاسم) بالإضافة إلى البانتومايم من خلال حضور الصديق الراحل زيدان سلامة وهو كان أول فنان فلسطيني يمارس الحركة الإيمائية وهو الذي علم اخاه سعيد سلامة ومنه إلى آخرين وآخرين …

تجربة عملية أخرى تتمثل في مسرحية “رأس المملوك جابر” لسعد الله ونوس ولان الاعداد تحول إلى هاجس من خلال الواقع الجديد. فأي عمل مسرحي تجعل من فضائه فلسطين تجد بأنه عليك أن يكون هناك إعداد دراماتورجي، ولأن مسرحية الملوك جابر مكتوبة بشكل جيد فلم يتطلب منا الأمر سوى ملاءمتها للواقع الفلسطيني وعدنان طرابشه يمكن أن يحكي عن هذه التجربة لأنه شارك في إعدادها ومثل دور “المملوك جابر”…

مهم جدا نعطي أهمية للإعداد او للكتابة المسرحية المحلية رغم انتقاد البعض الموجه لتسمية “المحلية”. والمحلية توصيف لمثابرتنا في محاولة خلق كتاب مسرحيين يتناولون مواضيع ملحة “محلية الصنع” كمصادرة الأراضي مثلا فهذا موضوع ضروري أن يتناوله الكتاب المسرحيون، ولأنه لا يوجد كتاب مسرحيون كانت

هناك دائما محاولات لتدريب ولتكوين أجيال جديدة من الكتاب المسرحيين… ولأنه لم يكن هناك كتاب وقتها كنت مضطرا لأكون الممثل البديل للكاتب المسرحي.

مدير اللقاء أ.عبد الجبار خمران يتدخل للتنبيه أ.فؤاد عوض إلى الوقت الذي يضايق البرنامج وأن يختزل الأستاذ ما تبقى من مداخلته في دقيقتين.

ليضيف أ.عوض: نقطة مهمة كنت أريد أن أضيفها في سياق هذا الحديث – سأقدمها بإيجاز – أردت التحدث عن دور الفنان المسرحي الفلسطيني خاصة في وقت الحروب والأزمات، فأنا كمسرحي لا يمكنني أن اتجاهل ما حدث قبل أسبوع من خلال إعلان الحرب على شعبنا الفلسطيني، لن افتح النقاش حول تفاصيل هذا العدوان، بقدر ما سأتحدث عن دور الفنان الفلسطيني والعربي في هذه المعركة .. هل هو فنان ملتزم بالقضية ام يقدم الفن للفن أو الفن للترفيه والترويج… أنا لست مهرجا ولا “كوميديان” حتى أقدم تهريجا فحاولت ان اربط بين ما حدث في “الحي جراح” من محاولات لطرد الفلسطينيين من بيوتهم، ما احد الاعمال التي قمت بكتابتها وغخراجها وهي مسرحية “عبير ملف رقم 63/96” وهي قضية موضوعها الإحتلال وهو مرفوض من كل الأمم والهيئات والمؤسسات ولكن عندما نتحدث عن الإيستيطان نجد ان هناك من يتعاطف مع المستوطنين اليهود، وكنا سباقين لهذا في مسرحية “عبير…” عام 1999م حين تناولنا موضوع المستوطن اليهودي المتطرف على الأرض الفلسطينية في حدود 67 (رام الله والقدس ومحيطها) فجاءت هذه الكتابة كعمل يجسد الدور الحقيقي للفنان الملتزم إضافة إلى الرؤية الإخراجية المسرحية حيث تم دمج المسرح الرقمي- الديجتال كون كانت رقعة الحدث واسعة جدا فمزجت بين فنون الفيديو-آرت  وخشبة المسرح…

شكر مدير اللقاء المتدخل الثاني في هذا اللقاء ليقدم عدنان طرابشه بسيرة موجزة ويطرح عليه سؤال:

  • كيف تنظر إلى تجربة الأستاذ فؤاد عوض داخل منظومة التجارب المسرحية الفلسطينية خاصة أنك عاينت تجاربه المسرحية “كأنشودة مشوه حرب” و”رجال في الشمس” بل شاركت معه في تجارب أخرى كمسرحية “رأس المملوك جابر” التي كان لها صدى طيب وحازت على جوائز؟

عدنان طرابشه: قبل أن أبدا بمداخلتي أحب أن أنوه إلى أن المسرح تحت الاحتلال تكون مواضعه غالبا سياسية، وأنا اتحدث هنا عن المسرح الملتزم، وأشبه هذا المسرح عادة بـ “النبي” الذي لديه إشارات ضوء حمراء تنبه وتحذر الشعب من الموبقات التي تنتظره في المستقبل، فدور المسرح مهم في هذا الإتجاه…

كتاب “لو كنت…!؟” يترنح بين الحكاية والتوثيق:

يستطرد المسرحي طرابشه، أرجع إلى المسرح الفلسطيني وأقول:

 مما لا شك فيه أن المسرح الفلسطيني لم يبدأ في الستينات من القرن الماضي. ففي فترة الانتداب البريطاني قامت السلطات البريطانية بتشجيع الفنون كما فعلت في البلاد التي وقعت تحت انتدابها كمصر والأردن والعراق…. وقدمت المسرحيات اليونانية والبريطانية والفرنسية وغيرها، وكانت على الغالب بترجمات عربية، وكانت أيضا محاولات لبعض المسرحيين بتقديم أعمال من إبداعهم، ولكن معظم الأعمال التي قدمت في يافا وحيفا والقدس

وبيت لحم والناصرة كانت مترجمة بالأساس لمسرحيين بريطانيين أمثال شكسبير الذي تم عرض مسرحيته هملت (عام 1932).

في فترة الانتداب انتشرت دور السينما في معظم مدن فلسطين، وعرضت فيها الأفلام والمسرحيات والحفلات الموسيقية العربية والعالمية وأجريت فيها مباريات وبطولات رياضية محلية ودولية، ففي شارع جمال باشا في يافا، كان خمس دور للسينما: الحمرا، والفاروق والرشيد، والشرق والنبيل وسينما أبوللو. وقد ارتبط وجود المسرح بالحركات والمدارس التبشيرية ولهذا قبل النكبة (1948) معظم الفنانين كانوا مسيحيين أو طلاب من أديان أخرى درسوا في مدارس تبشيرية، مدارس اعتمدت تمثيل ما جرى للسيد المسيح وفقا لما ورد في أناجيل العهد الجديد. وتعود النشاطات الموسيقية والمسرحية إلي سنوات ما قبل الاستعمار البريطاني، ففي فترة الاستعمار التركي كانت نشاطات مسرحية في المدارس التبشيرية وأندية الشبان المسيحيين في فلسطين وسائر الدول العربية منذ القرن التاسع عشر.

وكان لهذا المد الثقافي تأثير كبير على الأندية والجمعيات المسلمة التي نشطت وقدمت المسرح وسائر الفنون أيضا. ولمعت أسماء عديدة من المسرحيين الفلسطينيين قبل نكبة عام 1948 مثل: جميل البحري، وبرهان العبوشي، ومحمد حسن علاء الدين، ومحيي الدين الحاج عيسى، وعزيز ضومط. وكما أسلفت قدمت الفرق الموسيقية والمسرحية العربية من بلاد الشام ومصر وبلاد الفرنجة عروضها في فلسطين في فترة الانتداب البريطاني وهذا بحد ذاته شكل دافعا لتنشيط الحركة المسرحية في فلسطين أكثر. والدراسات تشير إلى وجود ما لا يقل عن 30 فرقة مسرحية في الأندية والمدارس المسيحية والإسلامية ولكن يمكننا القول بأنها امتازت بموسميتها وعدم مهنيتها واعتمدت الخطابة والميلودراما والتقليد.

وكما كانت بدايات المسرح الفلسطيني تحت الاحتلال الصهيوني كان المسرح في فترة الانتداب: مسرح سياسي ملاحق من الرقابة أو مسرح ديني. وبسبب النكبة وتهجير معظم المثقفين والفنانين الفلسطينيين تأخر المسرح في الظهور لسنوات الستين من القرن الماضي. وقد كان مسرحا سياسيا رغم سكين الرقيب. وكان تأثير لمسرحيين يهود شرقيين قدموا من مصر والعراق وسوريا الذين قاموا بتقديم مسرحيات مترجمة أو من الأدب العربي لأحمد شوقي وتوفيق الحكيم وغيرهم وأشركوا مواهب فلسطينية محلية في المسرح والإذاعة والتلفزيون. ولكن مقابل

النشاطات المدعومة من النظام ظهرت مسارح فلسطينية التي عرفت في الناصرة وحيفا وغيرها كالمسرح الناهض والحديث والحر والبلد والمركز الثقافي في الناصرة وغيرها الكثير…

وحرصت المسارح الغير مدعومة حكوميا على التوعية بطرح قضايا فلسطينية في أعمالها ومما ساعد على تطور المسرح مهنية العاملين فيه، فكانوا ممن درس المسرح في البلاد أو خارجها واستخدمه كوسيلة للنضال ضد الاحتلال. وقد ساعدهم في القيام بذلك وجود شعراء وكتاب مسرح وروايات وقصص محليين. وبعد نكسة 1967 واحتلال باقي الأراضي الفلسطينية بما في ذلك القدس (في سنوات السبعين من القرن الماضي) ظهرت مجموعات مسرحية اشتهر بعضها عالميا كبلالين وبلالين وصندوق العجب والحكواتي والفلسطيني والقصبة وغيرها. وبالرغم من كثرة التجارب المسرحية في فلسطين لم يتجاوز المسرح المحاولات الفردية (بالرغم من مهنية بعضها) وذلك بسبب عدم تلقيه الدعم المادي من مؤسسات بلدية أو حكومية. فالمسرح الوحيد الناطق

بالعربية الذي تلقى الدعم كان مسرح الكرمة في حيفا ولاحقا مسرح الميدان في حيفا أيضا ولحق بهم مسارح عديدة في يافا وعكا والناصرة والقدس ورام الله والخليل وجنين وبيت لحم والمغار وأم الفحم وسخنين ورهط وشفاعمرو وغيرها. ولكن معظم المسارح اعتمدت التطوع والاجتهاد الشخصي ولهذا غالبا ما كنا نسمع عن ولادة مسرح معين حتى يختفي بعد مدة قصيرة. وكتاب “لو كنت” للزميل المخرج فؤاد عوض والكاتب ناجي الظاهر يؤكد ما أسلفت ويثبت أن المسرح الذي اعتمد في الماضي المبادرات والاجتهادات الفردية لم تكتب له الاستمرارية والأمثلة عديدة في الناصرة وحيفا والمغار وأم الفحم والطيبة والرامة وسخنين وعرابة وغيرها.

يوثق كتاب “لو كنت…!؟” بالأساس تجربة فؤاد عوض المسرحية والصور التي انخرطت في ذاكرته بأسلوب يترنح بين الحكاية والتوثيق وفي بعض الأحيان يدخل في الكثير من التفاصيل التي تعني المؤرخين ربما أكثر من القارئ العادي البسيط. فالتفاصيل هي التي علقت بذاكرة الكاتب، ومن تجاربي الشخصية التفاصيل هي ناتج اللحظة وزاوية الرؤية والمشاعر التي انتابت الكاتب في لحظة معايشتها وما علق منها في الذاكرة. وهنا أفضل أن أتوقف عن التحليل، والخوض في حيثيات أحداث الكتاب والكتابة، بل سأكتفي بالقول: إنني قد عرفت فؤاد عوض في “أغنية مشوه حرب من الوحدة ألف” التي أخرجها في الناصرة عام 1986 وفي مسرحية “رجال في الشمس” لطيب الذكر غسان كنفاني، التي أخرجها عن إعداد لصديقي المرحوم المخرج رياض مصاروة، قام فؤاد بترجمته للعبرية وإخراجه في فترة دراسته للمسرح في جامعة تل أبيب، وعرفت فيه الفنان الجريء، المبدع الموهوب.

وجاءت التجربة الثالثة عام 1989 بعد أن قمت بإعداد أولي لمسرحية المرحوم “سعد الله ونوس” “رأس المملوك جابر” واعتذار صديقي فرانسوا أبو سالم عن الإخراج بسبب التزام له في المغرب العربي. فرانسوا أوصاني أن

أتواصل مع المخرج نبيل عازر أو فؤاد عوض لإخراج العمل. وبعد لقائي مع الاثنين اقتنعت برؤية المخرج فؤاد عوض الذي كان لأفكاره وإضافاته ما أغنى العمل عمقا وجمال وصار الإعداد مشتركا وقام هو أيضا بالإخراج وأنا بتمثيل دور المملوك جابر. وجرفت المسرحية جوائز مهرجان عكا العاشر للمسرح الآخر عام 1989.

أنا أومن بمدرسة بريخت في المسرح وقد تعلمت الكثير من فؤاد وتعمقت تجربتي معه في المسرح الملحمي التي مارستها قبله في مسرح الحكواتي ومع المخرج رياض مصاروة بعد ذلك. ومما لا شك فيه أن فؤاد يتميز بمهنيته في الإخراج وقدراته على توجيه طواقم المصممين والممثلين والتقنيين. وما قدمه وما زال يقدمه للحركة

المسرحية في فلسطين هو الكثير الكثير. وعودة للكتاب “لو كنت” فهو حسب رأيي كتاب هام جدا كباقي الكتب التي صدرت عن ناشطين في المسرح الفلسطيني التي تعتمد الحكاية والتوثيق الموجه أي المنسوب لرؤية الكاتب وما احتفظ به من مستندات وما علق بذاكرته من أحداث. وكلي أمل أن هذه المنشورات ستدفع في أحد الأيام باحثين مهنيين لا ناقة لهم ولا جمل في تجارب مسرحية لكي يكونوا موضوعيين ومنصفين في تحليل ونقد الحركة المسرحية في فلسطين. المطلوب اليوم أبحاث مهنية تعتمد الروايات الشفوية وما نشر ووثق في كتب وجرائد ومجلات ووسائل مرئية. فالمسرح الفلسطيني غني بتجاربه وبفنانيه، والنقد البناء إن رافق التجربة يحسن من مستواها ويرتقي بها.

في نهاية مداخلتي أتقدم بجزيل الشكر للأخ المسرحي الفذ عبد الجبار خمران وللهيئة العربية للمسرح على العمل الدؤوب لرفع مكانة المسرح العربي محليا وقطريا وعالميا.

بعدها يتدخل كل من أ.غنام غنام وأ.زهرة إبراهيم وأ.تحسين يقين… يجيب أ.فؤاد عوض على سؤال لزهرة إبراهيم…

ليختم مدير اللقاء هذه الحلقة مذكرا بتحية وشكر الأمين العام للهيئة العربية للمسرح ود.يوسف عايدابي ويضرب للحضور موعدا مع حلقة قادمة ستتناول كتاب “تنمية قدرات التركيز للمثل” تأليف المسرحي المصري أ.علاء قوقة. ويُحيى الجميع من شارقة سلطان الثقافة.

رابط الحلقة السادسة الحلقة السادسة من سلسلة “إقرأ كتب الهيئة”

حول كتاب “المسرح.. القلب المشترك للإنسانية” تأليف عبد الله السعداوي:

 

 

الحلقة الإلكترونية الرابعة من سلسلة “إقرأ كتب الهيئة”

(عين على المسرح على برنامج زوم)

محور الحلقة كتاب

“التوليد الدلالي للمخرج المؤلف في المسرح المعاصر.. جواد الأسدي أنموذجا”

(الاحد 28 فبراير2021)

   

     قدمت الهيئة العربية للمسرح يوم الأحد 28 فبراير 2021 (الساعة 14:00 بتوقيت الإمارات) الحلقة الإلكترونية الرابعة من سلسلة “إقرأ كتب الهيئة” عبر برنامج عين على المسرح.

المتدخلون: د.جواد الأسدي / د.صمميم حسب الله / د.محمد سيف.

تسيير الحلقة: عبد الجبار خمران.

     بعد أن رحب مدير الحلقة بالضيوف وبلغهم تحية وشكر السيد الأمين العام للهيئة العربية للمسرح أ.اسماعيل عبد الله ود.يوسف عيدابي مسؤول التوثيق والإعلام، ذكر أن محور نقاش الحلقة الرابعة هو كتاب “التوليد الدلالي للمخرج المؤلف في المسرح المعاصر.. جواد الأسدي أنموذجا” تأليف المسرحي والباحث العراقي د.صميم حسب الله يحيى،/ الصادر عن الهيئة العربية للمسرح العام 2016م ضمن سلسلة دراسات تحت رقم (29).

أضاف عبد الجبار خمران مسؤول الإعلام والتواصل في الهيئة بان الكتاب الذي يتناول التوليد الدلالي للمخرج المؤلف يأخذنا في رحلة تاريخية مسرحية مبحثها الأساس تيمة (المخرج المؤلف) منذ العصر الإغريقي وحتى العصر الحالي مرورا بالعصر الروماني والعصور الوسطى وعصر النهضة… مع تركيز دقيق على أهم الإضافات الفكرية والمقترحات الجمالية التي طورت عملية الابتكار المسرحي في (تحويل) ما هو ذهني أو متخيل في وجدان (المخرج المؤلف) إلى واقع مادي ملموس أمام أنظار المشاهد والمتفرج.. وذلك من خلال تعريفات إجرائية (للتوليد الدلالي) و(المخرج المؤلف) و(المؤلف المسرحي) و(التحول)… عمدتها التعريف الذي يجمع فيه الباحث بين مفهوم التأليف المسرحي وعمل المخرج المؤلف بشكل عام: “القدرة على المزاوجة بين فعل الكتابة النصية والرؤية الإخراجية التي يعمل (المخرج المؤلف) على تطويرها في المتن النصي ابتداء لكي تكون لاحقا قادرة على الإنتاج الدلالي في العرض المسرحي”.

ثم قدم خمران سيرة موجزة للمسرحي صميم حسب الله، ثم وجه له سؤالا حول دوافع اختياره تيمة (المخرج المؤلف) كمحور لبحثه؟ وما الذي يمكن إضافته معرفيا عندما نتحدث عن (المخرج المؤلف) وسيكون بالتالي متفردا في تنظيرنا ومختلفا إذا ما تناولنا صفة (المخرج) فقط مثلا؟

السؤال أعاد ذاكرتي إلى بدايات سنوات علاقتي مع جواد الاسدي – يقول د.صميم حسب الله – حيث أن فكرة (المخرج المؤلف) ارتبطت عندي بتجربة الأسدي. ففي سنة 2004م جاء جواد الاسدي ليقدم مسرحية “نساء في الحرب” في بغداد وفي احدى الأيام طلب مني أن احضر بروفاته على المسرحية قبل تقديمها وكنت قد اخذت منه نص المسرحية والذي بعد قراءته وجدتني في محنة، ذلك انني سطرت إحدى عشرة نقطة لكيفية تجاوز المخرج لنصه المليء بالأسئلة.. وذهبت بفضول إلى البروفة لأعرف ما الذي سيفعله الأسدي بهذا النص المسرحي المليء بالسرد والأسئلة مع قامات في الأداء التمثيلي العراقي هم شدى سالم وسهى سالم وآسية كمال والراحل صاحب نعمة. بمجرد مواكبتي للبروفة بدأت أمحي النقاط الإحدى عشر الواحدة تلو الأخرى ذلك ان الأسدي بدا يجيب عن كل الأسئلة في البروفة.. وعندما سالني جواد في نهاية البروفة – كيف وجدت التدريب؟ أجبته “لقد دمرتني يا جواد” كنت أمام أسئلة عدة لكيفية الخروج من سردية النص وكان جواد يمتلك مفاتيح هذا الخروج..

كانت هذه هي المناسبة الأولى – يقول صميم – لأتعرف على كتابة الأسدي وكيف يكتب؟ في مراحل لاحقة وأثناء دراسة الماجيستير ما كان مني إلا أن اذهب باتجاه السؤال ذاته حول عمل (المخرج المؤلف) ولماذا يسعى المخرجون إلى كتابة نصوصهم بأنفسهم؟ فتوصلت أثناء البحث إلى انها ظاهرة حديثة / قديمة. فالمؤلف كان المسؤول الأول عن العرض المسرحي قبل بروز ظاهرة المخرج.

في البداية وضعت “المخرج المؤلف في تاريخ الدراما” عنوانا لكتابي الذي هو في الأساس رسالة ماجيستير.. ويوضح صميم بأنه وضع “تاريخ الدراما” وليس “تاريخ العرض” لأن هذا الأخير يُبنى على نص المؤلف.. وقد تطور مسار (المخرج المؤلف) إلى ان وصلنا إلى الألماني برتولد بريشت الذي وقفت على تجربته المسرحية في كتابة نصوصه التي تحكمها وجهة نظره الإخراجية فكانت “نصوصَ عرض”، ثم تناولت (مخرجا مؤلفا) آخر بلمسات مختلفة وهو المسرحي الإيطالي داريو فو الذي جمع بين التأليف والإخراج والتمثيل كما وظف شخصية المهرج في عروض كثيرة وأسس لأسلوب خاص وبعدها وقفت على تجربة الامريكي ريتشارد فورمان والذي ما تزال تجاربه حاضرة حتى اليوم وقد أسس لمفهوم جديد لوظيفة (المخرج المؤلف) واشتغل على منظومة النص البصري الذي تعمل اللغة المنطوقة فيه دون أن تعنى بتوصيل رسائل بل بتوضيح أنماط الكلام وإيقاعه…

ليتطرق صميم بعد ذلك إلى التجربة المسرحية العراقية في علاقتها مع تيمة البحث (المخرج المؤلف) من خلال ثلاثة أسماء قاسم محمد ود.عقيل مهدي وسعدي يونس والذين اختاروا كل على حده منظقة مختلفة للإشتغال تأليفا وإخراجا، وهم الثلاثة خلفيتهم الفكرية والجمالية مشيدة على الإخراج اكثر منها على التأليف النصي..

يستطرد صميم بأن كل التنظيرات التي حصلها عن هؤلاء المسرحيين دفعته إلى قراءة بعض من عروض المخرج المؤلف جواد الاسدي فاختار من أعماله ثلاث مسرحيات “نساء في الحرب” و ليالي أحمد ابن ماجد” و”حمام بغدادي” وكلها تجارب إخراجية نابعة من تأليف نصوص والإشتغال عليها ركحيا، وكل عرض من هذه العروض الثلاثة يمتلك خصوصية تأليفا وإخراجا.. داخل الخط الناظم للعملية المسرحية من طرف (المخرج المؤلف)

بعدها يقدم خمران سيرة موجزة للمسرحي جواد الأسدي طارحا سؤال تصنيف جواد الأسدي بأنه (مخرج مؤلف) كما جاء في كتاب د.صميم حسب الله الذي اتخذ تجربته الإخراجية والإبداعية أنموذجا للمخرج المؤلف في المسرح العربي المعاصر؟

ليتدخل جواد الأسدي موضحا بأن فكرة (المخرج المؤلف) بالنسبة لاشتغالاتي المسرحية هي ليست فكرة مطلقة ونهائية ومفصلية، لأن اغلب أعمالي المسرحية تغرف من منطقتين: الأولى منطقة النصوص العالمية التي وجدت فيها الكثير من إمكانيات تبادل الإحساس بين النص وبين الناس.. واذكر “عنبر رقم ستة” لتشيخوف “الخادمات” لجون جونيه وغيرها.. والمنطقة الثانية هي تلك التي أجد فيها نصوصا عالمية لكبار الكتاب لا تستطيع أن تمس الجحيم الحقيقي لمفردات الإنهيارات الكبيرة التي تسقط فيها مجتمعاتنا العربية – والتي تؤرقني مثلما تؤرقكم وتؤرق الفنانين الملتزمين الذين لديهم علاقة طهرانية مع مجتمعاتهم – عندها ألجا إلى الكتابة (الكتابة الأخرى) المفصلية التي تنبع من الإحساس الحقيقي “للجحيم” الذي نعيشه يوميا مع هذا المجتمع أو ذاك او هذه الدولة او تلك..

ويضيف، هنا فكرة (المخرج المؤلف) ليست فكرة مطلقة ونهائية.. كما انني لا اشتغل عليها كمشروع ثابت وأبدي.ز إنما أتعامل معها من خلال المساحة التي يتاح فيها لي إمكانية هدم الشخصيات وإعادة كتابتها وتفكيكها وإعادة بنائها مع السينوغرافيا والملابس والضوء والموسيقى… كل تفاصيل العرض المسرحي داخل كتابتي الشخصية التي أقترحها والتي تعطيني حرية مطلقة فيما يخص إمكانية الوصول إلى صياغات وأنساق مسرحية تحمل أوجاعنا ومراراتنا وكل ما أريد ان أقوله عبر العرض المسرحي.

بهذا المعنى فكرة (المخرج المؤلف) – يقول الأسدي – التي تحدث عنها صميم، والتي هي مهمة جدا وباتت ظاهرة موجودة في المسرح العربي، وليس فقط في المسرح العالمي، في تونس مثلا ظاهرة (المخرج المؤلف) بارزة ومفصلية عند عدد من المخرجين المهمين. مخرجين اشتغلوا كمخرجين مؤلفين.. وهي فكرة حداثية تنبع من حاجة المخرج إلى أن يعيد كتابة وصياغة حياة المجتمع الذي يعيش فيه من وجهة نظر أخرى وروح أخرى وبكائنات أخرى وتفاصيل أخرى…

ويستطرد الأسدي بأن ما تحدث عنه صميم هو غاية في الأهمية، في كتابه “التوليد الدلالي للمخرج المؤلف في المسرح المعاصر…” استطاع صميم وضع أساسات وخطوط للكتابة فيما يخص اصطياد الكثير من الإشارات والكودات والتفاصيل بخصوص علاقة المخرج المؤلف بنصه الذي يريد ان يلقي به إلى الممثلين..

وأنا من المخرجين الذين يعولون على أن يرمى (نص المؤلف) في عمق وفي جسد وفي الوعي الجمالي والمعرفي للممثل.. أي النص الذي اقترحه ليس نصا نهائيا ومركبا لكي يكون نهائي داخل التمارين.. إنما أبحث دوما عن الممثلين الذين يستطيعون ان يتجاوروا او يتجانسوا او يتعايشوا… مع فكرة النص لكي يذهبوا بعيدا – مرة أخرى – عبر كتابتهم هم أيضا. لأن الممثل بوعيه الجمالي يكتب (كتابة أخرى).. رغم قلة هذا النوع من الممثلين. وأذكر هنا على سبيل المثال تجربتي في عرض “حمام بغدادي” مع الممثل القديرين فايز قزق والراحل نضال سيجري..  لأقول بأن النص الذي كتبته على الورق ليس هو نفسه الذي قدم في العرض المسرحي.. كانت الكتابة ذريعة للمثل لكي يشتبك مع النص ويعيد تقديم فكرته عبر يوميات البروفات من خلال التفاصيل والأفعال وسياقات إنسانية عميقة الإشتغال.. ووجدت في فايز ونضال الجذوة والعشق والتماهي مع فكرة البروفة..

ويذهب الأسدي إلى ان المخرج المؤلف الذي يعمل مع ممثلين من هذا الطراز سيسير معهم بعيدا في إمكانية كتابة نصية جديدة على الخشبة.. ونفس الأمر كان في اشتغالي مع الممثلين في مسرحية “تقاسيم على الحياة” التي أعدت الإشتغال عليها في بغداد مع مناضل داوود وإياد الطائي وحيدر جمعة ومع صميم الذي كان الروح الملهمة الموجودة معي داخل التداريب وخرجنا بما أسميه “عيد البروفة” بروفة فيها الكثير من الجمال ومن السحر ومن الجنون… ومن إعادة رمي النص في كيانات ممثلين استخرجوا أشياء حديثة من أجسادهم وأرواحهم وإنسانيتهم.. وهناك تجارب كثير كتجربتي في دولة الإمارات عندما اشتغلت على مسرحية “ليالي أحمد ابن ماجد” مع عدد من الممثلين الجميلين كمرعي الحليان، أحمد الجسمي، سميرة أحمد، حسن رجب، إبراهيم سالم… عملت معهم على نفس المفردات المسرحية وكانت البروفات تدوم من 10 إلى 12 ساعة في اليوم.. وكان الشيخ احمد القاسمي الذي كان يدير دائرة الثقافة والإعلام كان عاشق للمسرح وملهم وجميل.. كان يجلس معنا في البروفات لساعات.. وكانت التداريب مبنية على نفس المبدأ “المخرج الذين يعطي نصه إلى الممثلين لكي يشتعلوا به ويكونوا أساسات جديدة لبناء العرض المسرحي”…

وعرج الأسدي على تجربته في المغرب واشتغاله على مسرحية “الخادمتان” مع فرقة (دوز تمسرح) التي قال أن لها معنى عميق وقيمة كبيرة مع ممثلات رائعات وتركت أثرا كبيرا

بعد ان شكر مسير اللقاء جواد الأسدي على مداخلته وتقديم سيرة موجزة للمتدخل الثالث في هذا اللقاء المسرحي محمد سيف طرح عليه سؤال، ما الإضافات التي وقفت عندها في كتاب “التوليد الدلالي للمخرج المؤلف في المسرح العربي المعاصر.. جواد الاسدي انموذجا” وما تقاطعات مضامين الكتاب مع نظرية الإخراج خاصة من ناحية خصيصة (التوليد الدلالي) عبر إعادة كتابة الإشارات والرموز من أجل إنتاج معنى ودلالة جديدة يتحقق فيها الاتصال مع المتلقي في العرض المسرحي؟

بعد شكر الهيئة العربية للمسرح ومؤلف الكتاب محور اللقاء أجاب محمد سيف بأنه لا يمكننا الحديث عن المسرح العربي وتمفصلاته في شكله الحديث دون المرور على تجربة المسرحي جواد الأسدي، فهو غاص في بحار المسرح العميقة وحقق تراكما ابداعيا مهما.. وكتاب د.صميم مهم جدا وأثار لدي عديدا من الأسئلة فهو قد عاد إلى مفهومي المخرج المفسر والمخرج المبدع وعلاقتهما بالرح وكيف أن ذلك أحدث نوعا من “الشرخ” بين المخرج والمؤلف وبالتالي لجوء المخرجين إلى كتابة نصوصهم. فما يكتبه مؤلفون في ازمنة مغايرة قد لا يلائم أوضاع مجتمعاتهم.. وهذا جعل “المؤلف” ينزعج من ذلك.

وتدخل المخرج في نص المؤلف وتغيير “جوانياته” – يقول سيف – جعل المخرج يتجاوز كونه مترجما كما كان سابقا بل صار مساهما في كتابة النص عن طريق الركح أي بتوظيف لغة الخشبة المسرحية.. وهذه الجدلية بين النص والعرض جعلت حتى المؤلفين يغيرون من طبيعة كتاباتهم النصية، ولم يعودوا ينظرون إليها على انها نصا ادبيا.. ولهذا ظهرت تجارب مسرحية في بدايات القرن العشرين وفي التسعينيات تحديدا (في اوربا وفي الوطن العربي) يقودها مخرجون يتجهون نحو الركح أكثر.. وبدأ مؤلفون كذلك يكتبون بطريقة مختلفة وبعضهم لم يكتف بعملية الكتابة فحسب بل توجه إلى الإخراج أيضا ليكتشفوا الخشبة عن قرب “والبعيدين عنه جسديا شيئا ما” فنصوصهم فقط تتحاور معنا..

ويضيف سيف أننا نلمس من خلال الكتاب مدار النقاش، بأن المخرجين المؤلفين تتغير نصوصهم المكتوبة عندما تمر إلى الخشبة وهذا ما ينطبق على تجارب جواد الأسدي وقاسم محمد… وغيرهم

وبما ان حديثنا عن الأسدي فكل نصوصه التي أخرجها تتغير على الركح.. فهو يخضعها للغة الخشبة بعناصرها المختلفة من جسد الممثل والسينوغرافيا…الخ وبهذا يتحرر المخرج ويتخلص باشتغاله هذا على (اعتراض أي مؤلف مفترض). الخشبة لها استقلاليتها الخاصة وعالمها الخاص لأنها مرتبطة بعناصر فعلية وفاعلة بالتجربة التي سيلتقي بها المتفرج.

ويضيف بأن الأزمات التي نشأت (كأزمة النص لأزمة أزمة الدراما أزمة الممثل…إلخ) بدأت تتلاشى شيئا فشيئا مع التجربة المسرحية الحديثة.. وتجارب جواد الأسدي، وقد شاهدت منها العديد، تتوفر على عناصر لا يمكن أن تتوفر في النص كأداء الممثل.. كيف للمؤلف أن يشتغل على أداء الممثل “الوحشي” الذي يفاجئنا به جواد الأسدي.. إنه يشتغل مع الممثل بشكل من “العداء” يجعله يهتز وينتفض من الداخل.. وهي تيمة نادرا ما تتوفر عند مخرجين آخرين.. ما أسميه بوحشية الأداء.. نوع من الجحيم الذي يمارسه من خلال قنوات فن الممثل.. هذا بالإضافة إلى سحر تأتيت الفضاء المسرحي في عروضه.

يقول سيف، عندما شاهدت مسرحية “الخادمات” للأسدي في باريس قبل أكثر من عقد من الزمن (الصيغة الإخراجية الأولى) كان عرضا مفجعا ورعبا أدهش الفرنسيين أنفسهم.. في هذا العرض لم تبرز وحشية أداء الممثل فحسب بل وحشية في الصورة المسرحية أيضا (مشهد فتح أبواب خزانات الملابس مثلا وطريقة دخول وخروج الممثلات وارتداء الملابس..الخ) وعندما شاهدت العرض في صيغته الثانية مع فرقة (دوز تمسرح)

التي يديرها عبد الجبار خمران لمست اشتغالا آخر عند الأسدي حيث ركز على التمثيل وغير من أداء الممثلتين المغربيتين اللتان تحولتا تحولا مرعبا.. هذا التحول في الأداء يعود إلى إمكانيات المخرج ولمعرفته الميكانيكية لنص غاية في الصعوبة والتعقيد هذا النص الذي استوحاه جون جوني من الحياة اليومية؛ خبر حادثة في جريدة حوله إلى نص مثقل في الأداء وفي صياغة الجملة وفي الحالات النفسية.. كيف يمكن توظيف كل ذلك لخدمة العرض على الخشبة، والممثل هو الأساس.. ولكي نصل بالممثل إلى تشخيص دور من مسرحية جون جونيه لابد من الإشتغال على هذا الممثل وهذا كان رهانا من رهانات جواد الأسدي في هذا العرض…

ويطرح هنا خمران سؤال: ما تقاطع اشتغالات الأسدي مع “شعراء الركح” ؟ وما تقاطعات اشتغاله معهم؟

يجيب سيف، شعرية الكتابة على الخشبة تكون مباشرة على الخشبة.. وجواد الأسدي ينطلق من نص مكتوب لكنه في اشتغاله الركحي يؤلف نصا آخر.. وهذه هي الشعرية التي يتحدث عنها في الأصل “هانز ليمان” وليس “برينو تاكَيل” على غير ما يعتقد البعض، فقد ذكر هانز ليمان مفهوم “شعرية الركح” في كتابه “مابعد الدراما” وعندما يذكر المسرحيون والمنظرون في اوربا هذا المفهوم لا يعزونه لأحد لان شعرية الكتابة الركحية موجودة طبيعيا في العروض ولا تعزى لأحد..

وجواد الأسدي واحد من “شعراء الخشبة”، يقول سيف، لأنه واحد ممن يعرون كتابة الصورة المختزلة والموجزة على الخشبة ويكثف الإستعارات والدلالات المسرحية في لحظة زمنية مختصرة ودقيقة، والإهتمام بالزمن المسرحي مهم جدا مثله مثل الوزن الشعري أو الطرف النثري الذي يبدا منه الناثر او الشاعر والكتابة الركحية بهذا المعنى تنطبق على عروض جواد الأسدي.. حتى في إخراجه لنصوصه فهو يكتب نصا ويقدم نصا آخر..

ويذكر خمران هنا، بأن الإشتغال على النص بهذا الشكل تدخل في عملية “مسرحته” فكما تُمسرح الرواية يُمسرح النص المسرحي أيضا كنا هو الشأن عند قاسم محمد.. وكما يذكر الباحث صميم

ويستطرد محمد سيف مرة اخرة حول تجربة قاسم محمد قائلا بأنه ينطلق من سيناريو عرض يكتب على طريقة المسرحي الروسي “تاييروف” وهو تلميذه – بالمناسبة – ويستخدم هذا السيناريو منطلقا للتمرين ونادرا ما تجد بان لديه نصوصا مكتملا دائما ما تجد في “نصوص” قاسم “ثغرات” عليه ملؤها اثناء التمارين حتى يصل إلى العرض.. وهذه الثغرات نجدها في نصوص موليير وشيكسبير ولهذا ظهر (المخرج المؤلف) أو (الممثل المؤلف).. لماذا احتاج المخرج في فترة ما إلى دراماتورج ذلك الشخص الوسيط بين المؤلف والمخرج؟ لأن هنالك فجوات في نصوص بعض المؤلفين يعمل الدراماتورج في بحثه مع المخرج على ملئها…

بعد ذلك فتح مسير اللقاء المجال للحضور للمشاركة وطرح الأسئلة… فتدخل د.هشام زين الدين، د.زهرة إبراهيم، لمى طيارة، أمين ناسور، سامي الزهراني، بوسرحان الزيتوني، عائشة بنسعيد…

بعد تفاعل المتدخلين الثلاثة مع أسئلة الحضور، شكر عبد الجبار خمران مدير حلقة (إقرأ كتب الهيئة) الجميع باسم الأمين العام للهيئة العربية للمسرح أ.اسماعيل عبد الله ومسؤول النشر والتوثيق د.يوسف عيدابي وضرب للحاضرين موعدا مع حلقة جديدة قادمة سيتم فيها تناول كتاب “المسرح.. القلب المشترك للإنسانية” تأليف المسرحي البحريني عبد الله السعداوي.. ثم ودع الجميع بسلام من شارقة سلطان الثقافة.

تقرير عبد الجبار خمران

رابط الحلقة على قناة الهيئة العربية للمسرح:

 

 

 

 

 

الحلقة الإلكترونية الثالثة من سلسلة “إقرأ كتب الهيئة”

(عين على المسرح)

 برنامج “زوم”

محور الحلقة كتاب

“قوس قزح الرغبة.. منهج أوجيستوبوال في المسرح والعلاج”

ترجمة وتقديم إ.نورا امين

    قدمت الهيئة العربية للمسرح يوم الأحد 17 يناير 2021 (الساعة 13:00 بتوقيت الإمارات) الحلقة الإلكترونية الثالثة من سلسلة “إقرأ كتب الهيئة” عبر برنامج عين على المسرح.

دار نقاش الحلقة الإلكترونية الثالثة من برنامج “إقرأ كتب الهيئة” حول “قوس قزح الرغبة.. منهج أوجيستوبوال في المسرح والعلاج” تاليف اوجيستو بوال وتقديم وترجمة الباحثة والمخرجة المصرية نورا أمين.الإصدار صادر عن الهيئة العربية للمسرح ضمن سلسلة الترجمة (تحت رقم 10) العام 2019. وقد نشر الكتاب الكترونيا بصيغة (PDF) على الموقع الإلكتروني الرسمي للهيئة العربية للمسرح خلال شهر (ديسمبر2020). 

شارك في مناقشة محتوى الكتاب، بالإضافة إلى مترجمته أ.نورا أمين، الباحثة والمخرجة الفلسطينية إيمان عون، وأدار النقاش أ.عبد الجبار خمران  مسؤول الإعلام في الهيئة العربية للمسرح.

     بعد الترحيب بالحضور ومباركة اليوم العربي للمسرح للجميع (اليوم الذي احتفلت به الهيئة العربية للمسرح والمسرحيون العرب في 10 يناير 2021)، أبلغ عبد الجبار خمران الضيفتان تحية الأستاذ إسماعيل عبد الله الأمين العام وتحيات الدكتور يوسف عايدابي مسؤول النشر والتوثيق وتحية كافة العاملين بالهيئة العربية للمسرح. ثم أشار إلى أنه كان مبرمجا أن تحضر هذا اللقاء الباحثة آنا عكاش من سوريا التي اعتذرت بسبب ظروف لم تسمح لها بالمشاركة.

ثم أضاف لعل المسرح يسير باتجاه فكرة “المنتدى” أكثر وأعمق، واللقاء التفاعلي مع الجمهور في الفضاءات المفتوحة ملاذُ المرحلة أكثر من أي وقت مضى، فما يعرفه العالم من توابع تفشي فيروس كورنا وتأزيمه للوضع وعرقلته للتقارب البشري والتواصل الإنساني المباشر وما يفرضه من تباعد واحتراز صحي لمجرد المصافحة، يدفع بالمسرح والفرجة الجماعية إلى البحث عن مساحات صحية رحبة وفضاءات مفتوحة وأشكال بديلة خاصة في ظروف كالتي نعيشها والتي تفرض إعادة إنتاج أنماط سلوكنا وعاداتنا اليومية.

  “قوس قزح الرغبة.. منهج أوجستو بوال في المسرح والعلاج” كتاب نظري تطبيقي يجيب على كثير من التساؤلات ويقدم تمارين وتقنيات تخص منهج أوجستو بوال المسرحي، والتي تفيد حتما ممارسي المسرح والمهتمين بمختلف مجالاته وتخصصاته.

     بعد أن قدم مدير اللقاء الباحثة نورا أمين طرح سؤال: لماذا كتاب أوجيستو بوال.. وما الإضافات التي يقدمها الكتاب بشكل عام؟ وما الذي يقدمه للمكتبة المسرحية العربية على وجه الخصوص؟

عبرت الباحثة المصرية نورا أمين عن سعادتها في المشاركة في سلسلة إقرأ كتب الهيئة كم نحن بحاجة إلى هذا التواصل والنقاش في “زمن كورونا” وان نعيد اكتشاف التواصل فيما بيننا وأن نخوض بشكل عميق في قضايانا المسرحية ونغتنم ما يوفر التواصل أون لاين من تركيز وان نتوغل بعمق، خاصة أننا في مرحلة عُلقت فيها الممارسة المسرحية. ولربما تساعدنا هذه المرحلة في مراجعة ذواتنا وإعادة تحليل المسار المسرحي الذي نسير فيه. وبعد شكر الهيئة العربية للمسرح على نشر كتاب “قوس قزح الرغبة.. منهج أوجيستو بوال في المسرح والعلاج”وكتاب جوليا فارلي وفن المطالبة بالحق واسهام الهيئة العربية للمسرح في النشر لا تضاهيه أي جهة في كثافة كمية المنشورات والمؤلفات المسرحية في العالم العربي.

وتستطرد “مقدمة عبد الجبار حول الكتاب رائعة جدا وأشار إلى أفكار مهمة.. كتاب أوجيستو بوال تم إصداره المرة الأولى بقلم أوجيستو بوال في العام 1997م أي لاكثر من 23 سنة.. ومهم أن نعرف كيف ظهر هذا الكتاب أن هذه المرحلة النظرية من منهج أوجيستو بوال. ظهر الكتاب من خلال الاهتمام الممتد لأوجيستو بوال بالبعد النفسي في الممارسة المسرحية (أو التمثيلية) وبمناسبة مشاركته في المؤتمر الدولي السنوي لجمعية العلاج النفسي الجماعي سنة 1989م في هولندا احتفاء بمئوية “مورينو” رائد العلاج النفسي الجماعي، وهذه النقطة اعتبرتها نورا أمين مهمة جدا، لان لها علاقة بولادة الفكرة الأساسية وتطويرها والتي تتقاطع مع نظريات الدراسات العلاجية ودراسات (المداواة النفسية)، والمسرح بشكل عام يتقاطع مع هذه الدراسات والعلوم، وبقراءتنا للكتاب يتضح ذلك جيدا حيث انه جزء صميم في “المسرحانية”.

بعد عام 1989م طور أوجيستو بوال بحثه الذي قدمه في ذلك المؤتمر – تقول نورا أمين – وبدا يأخذ أشكالا تطبيقية من خلال التدريبات والبحث عن طرق عملية في التعامل مع اطروحته النظرية. وأوجيستو بوال يتحدث في كتابه عن الممارسة التمثيلية كفعل استعادي، وليس كتشخيص لأدوار متخيلة أو مكتوبة في نصوص مسرحي. انه يتحدث عن الانسان العادي سواء كان ممثلا او ليس ممثلا المهم هو استعادة موقف من حياته أو يستعيد بالأحرى حالة قهر (أو مشكلة ما تواجهه)، وهذا الفعل الاستعادي (إعادة تمثيل موقف) هو (مسرحية) فهناك من عنصر الاستعادة (وهي ممارسة نفسية مهمة جدا، حيث يمكن من خلالها تأمل الاحداث التي وقعت في الماضي أو في الحاضر) وتنتقل الاستعادة إلى مستوى تعبيري وهو عنصر أساسي يشتمل على عملية “المسرحانية”، وبعد المرحلة التعبيرية نمر إلى العنصر المواليي ةهة التأمل أو التحليل والتعليق، وهنا نصل إلى مرحلة التغيير (تغيير الموقف) سواء من الشخص نفسه الذي يستعيد الحدث ويحاول ان ينظر إليه من

وجهة أخرى مختلفة او من خلال المجموعة الموجودة من المشاركين أو “المتفرجين” الذين يحاولون تجسد موقفه.. ومنا نصل إلى مستوى اعلى من انفتاح التجربة النفسية الداخلية. وخلال التجسيد يمكن اقتراح سيناريوهات عديدة وطرق مختلفة للفهم. هي تركيبة مسرحية وفي نفس الوقت تركيبة مرتبطة بالعلاج النفسي، ومن هنا نعود إلى جمعية العلاج النفسي (الجماعي) في مقابل العلاج النفسي الذي يحصل بين معالج نفسي (الفرد) ومريضه (المنفرد). فتجربة أوجيستو بوال نقلة في العلاج النفسي من خلال (ما هو جماعي).

ثم تنتقل نورا امين إلى محو آخر وهو علاقة الفرد وموقفه المشخص ومجموعة “المتفرجين” زكي فان هذا الطرح طرحٌ فرجوي، الأمر الذي يطرح على المسرحيين التفكير في الحاجز الموجود بين المتفرجين وخشبة المسرح أو المكان الذي يعرض عليه المشهد المسرحي، ذلك الفصل بين منصة لانتاج المشهد او انتاج المعرفة وإرسالها ومكان التلقي.. كسر هذا الحاجز نقطة جوهرية في تجربة بوال المسرحية لان هذا الكسر هو الذي يخلق القدرة على المداواة.. لانه يطرح المشكلة ويمكن الىخرين من ان يجروا إسقاط على الموقف الذي يشاهدونه ويتوحدوا معه ليصيروا هم أيضا مشاركين أو يمروا بحالة التطهر من خلال المشاركة حيث المشاهدة هنا فعل إيجابي.

وتطرقت نورا للتطهر في مسرح المقهورين الذي يقسمه أوجيستو بوال على أربعة اقسام: التطهر الارسطي والتطهر الفيزيقي البيولوجي والتطهر وفقا لمنظور مورينو،  و”التطهر عند أوجيستو بوال” لا يعني اننا نصير متوافقين مع القيم الاجتماعية حتى يمكن دمجنا أو تدجيننا بل هو مرتبط  بما يسميه بوال “التناضح” الذي يحصل أثناء محاولتنا النظر إلى القهر، وكيف نستطيع من خلال المشاركة التفاعلية “المتضاعفة” نفتح مجالا جديدا لإعادة تحليل أنفسنا.

وبخصوص “فن التمثيل” تذهب نورا إلى أنه بالرغم من حديثنا عن مسرح بوال على أنه خارج المؤسسة المسرحية وجماليات عروض شيكسبير والمسرح النخبوي والمسرح البورجوازي.. إلا أننا مع بوال نحن في منطقة تساعدنا على تطوير مناهج التمثيل وذلك بما يوفره التحليل النفسي وعلاقة الممثل بالشخصية التي يمثلها وعلاقة الممثل بشخصيته وبنفسيته. وبوال يجعلنا مرة أخرى مساءلة الحالة التمثيلية النمطية والتلفزيونية المرسخة في ثقافتنا ومراجعة طرق معينة في التمثيل الآلي، ويطرح سؤال حول مفهوم الشخصية. لان الشخصية غير موجودة والموجود هو الممثل وكل ما ينتجه هذا الممثل مبني على مرجعياته النفسية والشخصية من هنا فكرة التحليل والفصل بين الأمرين مهم جدا.

وتشير نورا إلى أن “قوس قزح الرغبة..” هو جزء من منظومة متكاملة من خمس تقنيات (مسرح الجريدة، المسرح الخفي، مسرح الصورة، مسرح المنتدى والمسرح التشريعي) وكل هذه التقنيات المسرحية مرتبطة ببعض وتبلورت خلال مراحل متعددة وكل تقنية من التقنيات هي استيعاب وتطوير لسابقاتها فالمسرح التشريعي هو مسرح المنتدى مع خطوة زائدة ومسرح المنتدى يضم بشكل شامل على مسرح الصورة مع إضافات أخرى لها علاقة مثلا بتدخلات الجمهور وتطويرها ومناقشتها.

بعد ذلك كانت مداخلة المخرجة الفلسطينية إيمان عون والتي شكرت في البداية الهيئة العربية للمسرح على هذه الدعوة الهامة وهذه الثقة، وشكرت الزميلة الفنانة نورا أمين، على ترجمة هذا الكتاب الذي اعتبرته إضافة نوعية للمسرح العالمي، ولمسرحنا العربي، بنسخته العربية هذه. كون نورا تعي المنهجية ومارستها تدرباً وتدريبا – تقول إيمان عون – فقد استطاعت أن تنقل وبأمانة كبيرة روح الفكر والفلسفة التي ينتهجها بوال في كتابه.

وتستطرد إيمان قائلة، في كتاب “قوس قزح الرغبة”، يقودنا أوجيستو بوال نحو فهم أعمق لطبيعتنا الإنسانية. يعري مخاوفنا واضطهادنا أمام أنفسنا أولا، ويحثنا على أن نتساءل ونفهم دوافعنا ورغباتنا، ونستنبط طرق انكشافها أمامنا ولمن حولنا، من خلال تجسيدها بالصورة والكلمة (الكلمات التي يطلق عليها بوال في كتابه المسرح التشريعي، مصطلح “الذوات الحية”، أي عندما تتحول الكلمة الى كائن).

الكتاب مفعم بالتمارين الواضحة وأحيانا المبطنة – إلا لمن مارس هذه التقنية – للإمكانيات التي من شأنها أن تساعدنا على فهم ذواتنا، بطريقة أعمق من المألوف. ليس من الضرورة بمكان أن نكون مرضى نفسيين حتى نستفيد من هذا الكتاب.. لكنا جميعنا “مرضى” مرضى بداء الاستهلاك – استهلاك الأفكار، والمعلومات، والمعتقدات، والموروثات الاجتماعي والتابوهات، والذي ينتج عنها بالضرورة أزمات مبطنة، نحملها في أعماقنا، تخرج للعالم على شكل افعال وممارسات متقطعة أو متوالية، ممنهجة أو لا إرادية.

لقد حاول بوال أن يرفع المرآة عاليا أمامنا في هذا الكتاب ويقول لنا، أن لا أحد سالما من ارتدادات المواقف التي يمر بها، والتي لا ترى مخرجا لها، فتختبئ في طيات الذهن والوجدان، وتظهر بالتسلل فيما بعد في افعالنا ومواقفنا.

وتستشهد إيمان عون بمقولة بوال: “نحن الذين ننظر الى كل شيء، ويبدو طبيعيا، لأننا اعتدنا أن ننظر دون أن نرى، اعتدنا على النظر الى جميع الأشياء دوما بالطريقة نفسها.”  موضحة أنه من هنا وجب خلخلة النظام، وتغيير الطقس الذي تعودنا على ممارسته، ونزع الأقنعة حتى نرى ما وراءها. والهدف لدى بوال، ليس الفعل لغاية الفعل، وإنما الفعل بهدف التغيير، حتى نعبر الى الضفة الأخرى بأمان.

وتشير عون إلى انه في منهجية مسرح المضطهدين/المقهورين، يحفر بوال بشكل أركيولوجي، في الطبيعة الإنسانية للفرد، والطبيعة التركيبية للمجتمع، ويضعهما في سجال بينهما، مفعم بالذاتية، ومشبع بالمكاشفة. وهذا يحدث على لسان وبصوت المقهورين/المضطهدين، الذين لا تسمع أصواتهم بالعادة، فهم أبطال مسرحه، الابطال المطالبون بالوقوف على تفاصيل حياتهم، والنظر اليها كملحمة تحتاج الى التدخل والتعديل من أجل الوصول الى التفريغ/الكثارسس وصولا الى التغيير. لكنه يلغي الكلام في كثير من الأحيان لصالح الصور، في محاولة لاستنباط البلاغة في التعبير والكثافة في المعنى، ففي كل صورة وكل حركة كتابة معمقة.

وتتساءل إيمان عون ما حاجتنا لهذه التقنية، الآن وفي كل مكان؟ من منا لا يعيش القهر/الاضطهاد؟ تعدد وتنوع أم تحدد وتمركز؟ بعُد أو اقترب، صغر أم عظم؟ كان خارجيا أم داخليا، ممنهجاً أم مستترا؟ وتجيب: نحن جميعنا مدعوون لهذه الوليمة الفكرية الممارساتية، حتى نقف أمام صور قهرنا واضطهادنا في مرآة ذواتنا، ولكي نرفع المرآة التي نرى بها مجتمعنا بعيون متعددة، تهدف الى تفكيك وإعادة صياغة هذا القهر بأشكال مضخمة حينا، ومتمددة أخرى، لنصل الى تعريته ونزع الخوف المحيط بنا، حتى يصغر ويتلاشى، او يتضخم وينفجر. نقوم بهذا كله بطريقة فنية جمالية، لأن مدخلنا عالم المسرح الذي نقله بوال من كونه عالم مترفع، الى كونه مسار حياتي مشترك لكل من يرغب بالتغيير.

وتشير الباحثة إلى ان بوال في كتابه هذا منهجية فنية، اجتماعية، ونفسية، يستخدم فيها جسد الشخوص والشخصيات، بصفتها مخزن المعلومات أو (البلو برنت) لكل ما مر ويمر عليها. كما يستخدم اللعب، بوصفه طاقة عليا لنشاط الذهن المرتبط بهذا الجسد، والمتفلت من القيود النمطية والسلطوية، حتى يساعدنا في كسر القوالب الزجاجية التي نحيط أنفسنا بها خوفا من انكسارنا.  فلماذا اللعب؟ لأننا عندما نلعب نتعلم، نراقب، نتجرأ، نشارك، نستخلص العبر، فنفهم.

وتشبه بوال بالحاوي الذي يأخذ بيد جمهوره ليفكك السحر، يدعونا للنظر لكل جزئية في حياتنا حتى نفهم التعويذة التي تسجننا في قوالبنا. ففي تقنية قوس قزح الرغبة – تقول إيمان عون – يحاول بوال أن يجعلنا متفرجين على ذواتنا ورغباتنا بقدر ما نحن منتجين لها. هذا التمرين على وجه الخصوص، والذي استقى الكتاب منه اسمه، يؤسس لفهم الذات والنقد الذاتي البناء. وصولا الى التفهم والتعاطف بين البطل والبطل النقيض وصولا الى الجمهور الشريك في تحليل وتصوير إرادات ورغبات البطل، كما في كل منبر/منتدى.

وترى إيمان عون أنه ما بين “الرغبة والإرادة” بحر عاصف، مدّ وجزر.  وفي الكتاب يأخذنا بوال عبر قارب تلاطمه أمواج الرغبات مقابل تعدد ارادات الشخصية الواحدة في بحث ذاتي لكل بطل، يؤسس لنقله من حالة الممارسة ما قبل الادراكية الى حالة الادراك الواعي والتحول البناء/transformation.

ومنهجية مسرح المقهورين/المضطهدين تبحث في معنى الحوار، وتروي الباحثة قصة يرويها لنا بوال وهي عن صديق بريطاني له كان جوكرا يعطي محاضرة عن المسرح أمام بعض المرضى النفسيين. يشرح لهم ظهور البطل الواحد على يد تسبيس، وكيف أخترع المونولوج، ثم كيف اخترع اسخيلوس البطل الثاني، وسألهم الممثل الأوحد كان يقول المونولوج، وعندما أصبح هناك ممثلان ظهر ال …؟ فلم يجبه أحد، فأعاد الكرة وهذه المرة استخدم الإشارة، أصبح واحد للمثل الواحد ومقابله الممثل الآخر، فجاوبه أحد المرضى “مونولوجين”.

لتذهب إيمان عون إلى أن هذا الجواب دعا بوال الى التفكير بتعمق، حول ما إذا كان بالفعل المريض على حق، وأننا في الغالب لا نتحاور وإنما نتحدث بمونولوجات متوازية، هذا ما يحدث بالغالب في السياسة،

والاقتصاد، والدين، فوصل الى خلاصة أننا في كثير من ممارساتنا لا نستخدم الحوار الحقيقي. لأن في الحوار بين كل جملة وأخرى آلاف العوالم القابلة للتشكل.

وتتساءل الباحثة بناء على تصور بوال: هل نتحاور من خلال مونولوجات مسبقة لدينا أم أننا نستمع ونصوغ مفاهيم جديدة كلما سمعنا فكرة جديدة؟”

وتختم قائلة: لكننا ننطلق عادة من افكارنا المسبقة ومعتقداتنا، دون معرفة أثر ما نقوله أو نفعله على الاخرين.  وهو يقول في الكتاب: ” نحن نعي رغباتنا، لكننا لا نعي كيفية استقبالها عند الاخرين. ونعرف ارادتنا، لكننا لا نعرف أثرها على المقابل”، وهنا نحن مدعوون في منهجية هذا الكتاب لأن نراقب أنفسنا، وكيفية مراقبة الآخرين لنا، ولأن نعي أفعالنا، وندرك وعي الآخرين لهذه الأفعال.

 بعد ذلك فتح عبد الجبار خمران المجال لتعقيب الحضور وطرح اسئلتهم وتحدثت رشا عبد المنعم من مصر ود.خليفة الهاجري من الكويت وأ.غنام غنام  وأ.عبد الإله بن هدار ود.خالد أمين من المغرب وأ.لاما طيارة من سوريا…

ليختتم مدير الجلسة هذا اللقاء ضاربا موعدا للجميع في سلسلة أخرى من حلقات “إقرأ كتب الهيئة”

 تسجيل الحلقة الالكترونية الثالثة كاملة على قناة الهيئة العربية للمسرح:

 

 

 

 

الحلقة الإلكترونية الثانية – سلسلة “إقرأ كتب الهيئة”

(عين على المسرح)

محور الحلقة كتاب

“المسرح التونسي.. مسارات حداثة”

تأليف د.عبد الحليم المسعودي

    نظمت الهيئة العربية للمسرح الأحد 29 نونبر 2020 الحلقة الإلكترونية الثانية من سلسلة “إقرأ كتب الهيئة” عبر برنامج عين على المسرح.

موضوع حوار الحلقة الثانية من برنامج “إقرأ كتب الهيئة” دار حول كتاب “المسرح التونسي.. مسارات حداثة” تأليف د.عبد الحليم المسعودي، والكتاب صادر عن الهيئة العربية للمسرح ضمن سلسلة دراسات (44) العام 2018، ونُشر بصيغة (PDF) على الموقع الإلكتروني الرسمي للهيئة خلال شهر (اكتوبر 2020) رفقة فيديو للمؤلف يقدم فيه الكتاب.

     شارك في مناقشة مضامين الكتاب في هذه الحلقة، مؤلف الكتاب المسرحي التونسي د.عبد الحليم المسعودي والمسرحي اللبناني د.هشام زين الدين والمسرحي الجزائري د.لخضر منصوري وسير هذا اللقاء أ.عبد الجبار خمران  مسؤول الاعلام والتواصل في الهيئة العربية للمسرح، الذي وضح في بداية اللقاء بأن هذه الحلقة من سلسلة “إقرا كتب الهيئة” تأتي بعد مناقشة “كتاب الإضاءة المسرحية وتغير المكان في العرض المسرحي” في الحلقة الأولى رفقة مؤلفه السينوغراف العراقي الأستاذ علي السوداني والسينوغراف الأردني الأستاذ محمد المراشدة والسينوغراف المغربي د.طارق الربح..

     في البداية رحب أ.عبد الجبار خمران بالمشاركين باسم الهيئة العربية للمسرح وأبلغهم تحيات السيد الأمين العام للهيئة أ.اسماعيل عبد الله ود.يوسف عايدابي مسؤول النشر والمجال الفكري وكل العاملين بالهيئة، ثم قدم ورقة موجزة للكتاب ومؤلفه.

     بعدها قدم د.عبد الحليم المسعودي أهم ما جاء في مضامين كتابه “المسرح التونسي.. مسارات حداثة” والذي تتبع فيه مسارات المسرح التونسي منذ تبلور خطاب الاحتجاج، حيث يستفتح كتابه بنفس احتجاجي تونسي استبق “ثورة” ماي 1968 – كما يقول – بدأ بخطاب الرئيس بورقيبة في 7 نونبر 1962 وبيان “الاحتجاج” أو ما يسمى في أدبيات الخطاب المسرحي النقدي التونسي ببيان الإحدى عشر، ثم أعطى نظرة

شاملة عن الخلفية الثقافية والمسرحية والسياسية المولدة لخطاب الاحتجاج هذا وحيثياته.. وكيف تشكلت المجموعات المسرحية الأولى في تونس في أواسط الستينات.. مع رصد لتجربة المسرح الجامعي الفاعلة والمؤسسة، فالفرق المسرحية القارة من خلال تجربة المنصف السويسي رفقة فرقة مدينة الكاف وفرقة مدينة قفصة رفقة رجاء فرحات.

     وربط د المسعودي الإرهاصات الأولى للحركة المسرحية التونسية وما بعدها داخل سياقات مختلفة، عبر تشخيص “ضمائر الاحتجاج” ومرجعيات الفاعلين المسرحيين وخلفيتهم الفكرية ومقاصدهم الجمالية، أفرادا وجماعات. يقدم المسعودي في كتابه ممرات ومراتب من الخيبات والإشراقات ومن النجاحات والإخفاقات، يسير بنا في مسارات حداثة المسرح التونسي مشيدا بالتجارب المساهمة في بلورة حداثة حقيقية باحثة عن الارتقاء بالمسرح إلى الحاجة الاجتماعية، ومشخصا بجرأة ما شاب المسرح التونسي من حداثة وهمية يقول عنها “حداثة مستعارة أنتجتها شروطها الخاصة، وهي بذلك متخيلة بالمعنى الاستهامي للكلمة، كما أنها في قطيعة حقيقية مع الواقع الاجتماعي وتناقضاته”. 

لم يفت عبد الحليم المسعودي في مداخلته أن يتطرق إلى مضامين العروض وتصورات الفرق والحمولات الفكرية والإديولوجية للنصوص والرؤى الإخراجية وتأثر الفاعلين المسرحيين بمختلف المدارس والتوجهات الفكرية والجمالية العالمية وكذا بالمخيال الشعبي … الخ والتطرق إلى الجمهور الحديث والجمهور التقليدي ورهانات الخطاب المسرحي في اختراق وعي هذا الجمهور وتحفيزه على التفكير والاستيقاظ…

     بعد ذلك تدخل د.هشام زين الدين مشيرا إلى أهمية ربط المؤلف المسعودي في كتابه لصيرورة المسرح التونسي بالظروف السياسية والاجتماعية والتحولات التي شهدتها تونس دولة وشعباً، ووضع المسرح في موقعه الحقيقي حيث أنه لا يوجد مسرح غير سياسي، فحتى المسرح الذي يرفض التطرق الى السياسة هو أيضاً يعبر عن موقف سياسي.

وأوضح زين الدين أنه لم يكن على علم بأهمية بيان الإحدى عشر، ودوره في تغيير بوصلة تطور المسرح التونسي، وكان يميل الى تعظيم دور خطاب بورقيبة الاستثنائي لأهميته، على اعتبار أنه الأساس المتين الوحيد الذي انطلقت منه الحركة المسرحية التونسية في الستينيات. وذكر زين الدين بأن المسرح الجامعي هو الأساس الذي انطلق منه المسرح التونسي، أي ارتباطه بعنصر الشباب وبالتربية والتعليم وبإرادة التغيير التي يتمتع بها العنصر الشاب في كل المجتمعات.

ثم عرج في مداخلته على ما ورد في الكتاب بخصوص اللامركزية التي اعتمدتها السلطة، والتي لم تكن بهدف نشر المعرفة والتجارب المسرحية بل كانت بهدف تخفيف الاحتقان المسرحي وتداعياته السياسية عن المركز في العاصمة، ومراقبة الحراك في الاطراف وتطويقه بالقوانين والاجراءات التي تمنع خروجه عن المسار السلطوي المرسوم. كما أن هذه اللامركزية المسرحية التي اعتمدتها الدولة (السبعينيات والثمانينيات) لم تنجح بسبب عدم تأمين شروط نجاحها، كما أن الحاجة الإيديولوجية للدولة كانت تسبق الحاجة الجمالية للمسرح.

وذكر زين الدين ان المؤلف يذهب إلى أن تجربة المخرج التونسي المنصف السويسي الذي ارادها مغايرة لتجربة علي بن عياد في “مسرح الدولة” لم تكن تلك المغايرة إلا شكلية لأنها في النهاية عملت من داخل

التركيبة السياسية للسلطة، كأنها عملية تواطؤ مقصود، شكلها تمرد وباطنها خضوع لسياسة السلطة. كما أن المؤلف أدان تجربة المسرح التراثي ومبتكرها في تونس المسرحي عزالدين المدني، ولم يتهمه بمحاباة السلطة

السياسية فحسب بل بالعمل معها ولصالحها، أي كأن الكاتب يقول بأن المدني كان “متواطئاً” في الخفاء مع النظام السياسي على حساب الطرح الحداثي المعلن في أدبياته ونصوصه.

ويتخذ المؤلف موقفاً واضحاً إلى جانب المسرح الشعبي أو ما أطلق عليه “المسرح الخام”، المتمثل في تجربة (فرقة المغرب العربي المسرحية) التونسية، وينحاز إليها على الرغم من عدم “احترافيتها” بالمفهوم الجمالي للمسرح، يعتبرها فرقة هاوية لكنها ناجحة جماهيرياً في مواجهة خصمين اثنين في تركيبة المسرح التونسي، هما المسرح الرسمي التابع للسلطة، ومسرح التراث وعميده عزالدين المدني…

وقال زين الدين: أسعدني خطاب المؤلف في تحطيم صورة السلطة الراعية وتجريدها من مضامينها الثقافية والمعرفية، لكني لم أتمكن من الاقتناع بأن هذا النوع من المسرح (المسرح الخام) هو البديل كما يقترحه المؤلف نموذجا للمسرح التونسي، حتى لو كان قريباً من الناس العاديين، فلا يكفي أن نعتمد المضامين السياسية والاجتماعية لكي يصبح لدينا فن.

في نهاية مداخلته أشار زين الدين إلى أن كتاب “المسرح التونسي.. مسارات حداثة” لا يدعي التأريخ لكنه يؤرخ للمسرح التونسي في خلال ثلاثة عقود تقريباً، ويتبنى موقفاً منحازاً من التجربة، ويرفض ويحاكم تجربة مسرح السلطة بشقيه المباشر (المسرح البلدي والمسرح في المناطق) من جهة و(المسرح الحر أو الخاص) من جهة اخرى والذي يمثل وجهاً آخر أقل انكشافاً للسلطة. ولعل الخلفية الفكرية والسياسية للمؤلف طغت على استنتاجاته البحثية، فكانت النتيجة أن كل “التجارب الجادة” التي قام بها المسرحيون التونسيون كانت تصب في خدمة خطاب السلطة، فيما تمكنت من ذلك فرقة هاوية لم تحصل على اعتراف الدولة ولا النخبة الثقافية. وهذا الاستنتاج لم يبد لزين الدين مدعماً بالوقائع، بل بقي بالنسبة له عبارة عن رأي ناقد واستاذ كبير في الفن والأدب، قد يختلف معه وعليه الكثيرون في تونس وخارجها.

    بعد ذلك تدخل المسرحي د.لخضر منصوري مشيرا إلى أن المسعودي اعتمد في طيات كتاب “المسرح التونسي.. مسارات حداثة” على قراءة نقدية تاريخانية للمسرح التونسي، بحيث لا يصير الباحث عبدا للتاريخ وإنما صانعا له. وذكر أن الكاتب أرخ إلى مؤلفه لنهضة المسرح التونسي انطلاقا من بيانات أربعة: “خطاب الرئيس بورقيبة” و”بيان الإحدى عشر” و”بيان فرقة المسرح الجديد” و”بيان عزالدين المدني”.

ومن خلال هذه البيانات يوضح الكاتب التأسيس في المسرح التونسي والقطيعة مع الممارسة القديمة. وما يسميها بالمرجعية والمقاصد على المستوى الفكري والمفاهيم وكذا على المستوى النظري والعلمي.

كما ذكر منصوري أن الكاتب تحدث عن أهمية المسرح الجامعي ودوره في تطوير الحركة المسرحية والطلابية وما عاشته من مضايقات. كما تطرق إلى الفُرق الحرة التي جربت في الكثير من المناهج والأساليب

المسرحية على غرار فرقة الكاف بإدارة المنصف السويسي واعتمادها على اللون المحلي وفرقة الجنوب بقفصة في قراءة فيما يسميها المغامرة والحدود.

وقدم الكتاب – يقول منصوري – وصفا نقديا لتجربة (فرقة مسرح المغرب العربي) على انها “مسرح الخام ” مقتبسا تعبير بيتر بروك. ورأى في تجربة هذه الفرقة أنها ممارسة قريبة من دائرة المسرح الشعبي في منطلقاتها الأولية وفتحت النهج واسعا لتجارب مسرحية أكثر حرفية.

ويكشف المسعودي عن أهمية “مسرح الخام” في كشفه لطبيعة التصور الرسمي (السلطة) وتجاوزه لمسألة الجهور المسرحي كما كان مشيرا إلى فشل وغياب مشروع للمسرح الشعبي القائم على اعتباره خدمة عمومية ورأى في عروض الفرقة مزجا ما بين الشعبي والكوميدي. وأن هذا المسرح لا يتم إلا من خلال مشروع ثقافي يقوم على تلك الوظيفة الإجتماعية التي نادى بها “بيان الإحدى عشر” وتحدث الكاتب عن أهمية مسرح الهامش ضد ثقافة المركز في إشارة منه إلى محمود المسعدي، وأنتقد بشدة من وصفوا تجربة (فرقة مسرح المغرب العربي) على أنها بسيطة وسوقية بحيث دافع الكاتب عن الوظيفة الاجتماعية للمسرح على رأي برتولد بريشت.

ويخلص د.لخضر منصوري في نهاية مداخلته إلى أن مؤلف كتاب “المسرح التونسي.. مسارات حداثة” ينطلق عموما من رؤية سياسية وراهنها في تطوير التجربة المسرحية التونسية ونقده للوضعية بوصفها سيئة.

بعد المداخلات تم فتح المجال لمتدخلين من الحضور لإغناء النقاش وطرح التساؤلات فتدخل الأستاذ غنام غنام والأستاذ الحسن النفالي والأستاذ محمد شرشال… وفي نهاية اللقاء جدد أ.عبد الجبار خمران الشكر لكل المتدخلين والحاضرين باسم الهيئة العربية للمسرح وأبلغهم تحيات الأمين العام الأستاذ إسماعيل عبد الله ود.يوسف عايدابي وكل العاملين في الهيئة، وأعلن عن صدور العدد (26) الجديد من مجلة المسرح العربي والمتوفر على موقع الهيئة العربية للمسرح إلكترونيا، كما أخبر بأن حلقة الشهر القادم من سلسلة “إقرأ كتب الهيئة” ستكون حول الكتاب الصادر عن الهيئة العربية للمسرح “قوس قزح الرغبة.. منهج أوغستو بوال في المنهج والعلاج” تأليف أوغستو بوال – تقديم وترجمة الباحثة المسرحية المصرية نورا أمين.

 

الحلقة الإلكترونية الأولى من سلسلة “إقرأ كتب الهيئة”

(عين على المسرح)

 برنامج “زوم”

محور الحلقة كتاب

“المنظومة الضوئية وتغير المكان في العرض المسرحي”

تأليف أ.علي محمود السوداني

    قدمت الهيئة العربية للمسرح يوم السبت 31 نونبر 2020 (على الساعة الثالثة ظهرا بتوقيت الإمارات) الحلقة الإلكترونية الأولى من سلسلة “إقرأ كتب الهيئة” عبر برنامج عين على المسرح الذي سلط الضوء على هذه الفعالية التي أطلقتها (الهيئة) منذ شهر أغسطس 2020.

موضوع الحلقة الإلكترونية الاولى من برنامج “إقرأ كتب الهيئة” كان حول إصدار “المنظومة الضوئية وتغير المكان في العرض المسرحي” تأليف السينوغراف العراقي أ.علي محمود السوداني. الكتاب الذي نشر الكترونيا بصيغة (PDF) على الموقع الإلكتروني الرسمي للهيئة العربية للمسرح خلال شهر (سبتمبر 2020). 

شارك في مناقشة محتوى الكتاب، بالإضافة إلى مؤلفه أ.علي محمود السوداني كل من السينوغراف الأردني أ.محمد المراشدة والسينوغراف المغربي د.طارق الربح. وسير هذا اللقاء أ.عبد الجبار خمران  مسؤول الاعلام في الهيئة العربية للمسرح.

بعد الترحيب بالحضور وتقديم الخطوط العريضة لبرنامج “إقرأ كتب الهيئة” وتحية المشرفين والمتابعين لإنجاز البرنامج في الهيئة العربية للمسرح الدكتور يوسف عايدابي والأستاذ غنام غنام والأستاذ الحسن النفالي وعلى رأسهم الأستاذ إسماعيل عبد الله الأمين العام للهيئة العربية للمسرح، تم تقديم محتويات كتاب “المنظومة الضوئية وتغير المكان في العرض المسرحي” من طرف مسير اللقاء. ثم تحدث الكاتب العراقي أ.علي محمود السوداني مجيبا عن سؤال لماذا الكتاب وما هي أهم الإضافات التي جاء بها؟ موضحا بان الكتاب خلاصة لتجارب اشتغالاته على سينوغرافيا العرض المسرحي، وهو رسالة ماجيستير سجل بها عديدا من الحلول التقنية التي توصل إليها عبر مشواره الفني رابطا إنجازه بقيم جمالية وفكرية راهن على تجسيدها من خلال عمله على المنظومة الضوئية وعلاقتها بدلالات المكان المسرحي وفق المتغيرات والتحولات التي تطرأ عليه داخل العرض المسرحي. 

وقد اعتبر المنظومة الضوئية بمثابة العنصر الأساسي في كشف خواص المكان، كما تحدث عن تطورات المكان التاريخية والفلسفية والجمالية انطلاقا من تطور البناء المعماري للفضاء المسرحي منذ العصر اليوناني وإلى عصرنا الحالي مرورا بكل الحقب التاريخية التي عرف فيها المكان تحولات مفصلية أثرت على العرض المسرحي وجمالياته التقنية والفنية، وكذا التطورات التكنولوجية لمصادر الإضاءة وسمات اشتغال الاتجاهات والمدارس المسرحية التي اهتمت بالضوء كلغة فنية وكعنصر جوهري في العرض المسرحي.

وفي حديثه عن نماذج العروض المسرحية التي تناولها في الكتاب، أشار إلى أن استقصائه الجمالي لهذه العروض كان وفق (المكان المتغير) أي بناء على اختلاف مكان العرض وصالة المتفرجين، وذلك من اجل رصد مسار رسم الصورة البصرية والجمالية ذات الدلالات المتغير وفق المكان المتغير…

بعدها تدخل السينوغراف الأردني أ.محمد المراشده مشيرا إلى أن  كتاب (المنظومة الضوئية وتغير المكان في العرض المسرحي) إضافة هامة للمكتبة العربية، وبأن علي السوداني انطلق في بحثه من “المكان” وأهميته في تشكيل العرض من خلال “المنظومة الضوئية” التي تتمازج مع الفضاء بكل تقنياته، وفي ضوء ذلك يؤكد المؤلف على دور المتغيرات المكانية في خلق منظومة ضوئية مناسبة طبقا للمكان المتغير.

وأضاف المراشده بأن ميزة هذا الكتاب تتمثل في كونه تجربة حية للمؤلف ارتبطت بمحطات خاصة بمنجزه الابداعي المسرحي ضمن محطاته المتنوعة نظريا وعمليا، ليقدم لنا من خلال معطيات الكتاب خبرته في التعامل مع الفضاء والتصميم وآليات بناء المنظومة الضوئية بصريا وبما يحقق سيلا من القيم الفكرية والعاطفية والجمالية.

ولكي يتوصل السوداني إلى طبيعة المنظومة الضوئية وتغير المكان في العرض المسرحي – يقول المراشده – نجده يختار ثلاث مسرحيات كعينات لكتابه هي: روميو وجولييت تأليف شكسبير واخراج مناضل داوود، ومسرحية غريم الورد تأليف الدكتور عقيل مهدي واخراج الدكتور قاسم مؤنس، ومسرحية اموت والعذراء اخراج ابراهيم حنون، وقد توصل من خلال تحليله للعينات إلى عدد من النتائج أهمها:

1ـ ينبغي أن يتناسب التوزيع لمنظومة الضوء مع حجم فضاء العرض بصورة عالية ودقيقة من أجل الوصول إلى مشاهد أكثر تأثيرا من الخطوط ودلالاتها والشكل وتكويناته.

2ـ إن الخبرة الفنية لدى المخرج أو المصمم المحترف تسهم بانتاج بدائل للشكل المسرحي في حالة تغير المكان.

3ـ العروض التي تقدم في مسارح العلبة تكون النتائج الفنية فيها أفضل من القاعات والفضاءات الأخرى من حيث الإيهام والتأثير الجمالي والفكري.

4ـ إن تباين مستويات الاضاءة وحركتها المستمرة بتغيير شكل المكان فكريا من شأنه أن يخلق تنوعا مستمرا في تدفق الشكل البصري للعروض المسرحية.

5ـ إن اختلاف فضاءات العرض من حيث الشكل المعماري يدعو إلى إعادة صاغة شكل العرض الواحد عند نقله لفضاء مختلف عن بيئته الأولى.

     أما د.طارق الربح فقد اعتبر، في مداخلته، كتاب “المنظومة الضوئية وتغير المكان في العرض المسرحي لعلي السوداني مادة نظرية قيمة وغنية بالمعطيات والمعلومات والأفكار. وقد تناسبت بنية الكتاب مع المنهج المقارن الذي تبناه الكاتب، وهو ما جعل الكتاب يتميز بتركيز المعطيات في ثلاثة أجزاء، بناء على اطلاع ومطالعة وقد توج بحثه باستنتاجات، إعمالا لحس الباحث المتسم بالفاعلية، الفكرية والعلمية، وقد جاءت هذه الاستنتاجات على شكل خاتمة، جد مقتضبة. ومن خلال قراءتنا للكتاب نستشف جزءا مهما من مرجعيات المؤلف النظرية فيما يخص الإضاءة، كما نقف على اهتماماته المنهجية في صياغة تصوراته الفنية في الإضاءة المسرحية، ونتشارك معه جزءا من قلقه المهني والجمالي. وهنا تكمن قيمة كتابات المهنيين.

     يضيف الربح بان الكتاب تمحور حول وظيفية الإضاءة المسرحية وارتباطها بالمكان المسرحي، لدرجة التدقيق والتمحيص في مختلف التفاصل العلائقية التي تربط فاعلية كل منهما بمختلف عناصر العرض: من نص مسرحي، ورؤية إخراجية، واشتغال الممثل، وأحجام قطع الديكور وألوانها، وطبيعة أقمشة الأزياء المسرحية وألوانها أيضا.

في نهاية مداخلته تقدم الربح للقائمين على إصدارات الهيئة العربية للمسرح، بأن ينظروا في إمكانية اعتماد محققين لغويين لإصداراتها، ليعملوا على تصحيح الهفوات اللغوية.

واعتبر في حديثه، بأن تخصيص الحلقة الأولى من سلسلة “إقرأ كتب لهيئة” لمجال السينوغرافيا، هو إشارة لا بد من التقاطها من لدن كافة المشتغلين بمجال السينوغرافيا في الوطن العربي، ومفادها أن الهيئة تضع السينوغرافيا، بكل تخصصاتها، في صلب اهتماماتها، وفي مقدمة برامجها الإشعاعية والتأهيلية للمسرح العربي.

بعد المداخلات الثلاث فتح مسير اللقاء المجال لمشاركة الحضور في النقاش حيث تدخل كل من:

أ.حسن النفالي – أ.محمد شرشال – د.عمر فرتات – أ.ابراهيم الحارثي – أ.سامي الزهراني – أ.مختار عسري – أ.فاضل يحيى – أ.أمين بودريقة  – أ.علي موسى – أ.محمد سامي…

وقد أثنى المتدخلون من الحضور على مبادرة الهيئة العربية للمسرح في فتح منصة للنقاش والحوار حول إصداراتها وتداول مواضيع تعنى بالمجال المسرح بمختلف تخصصاته الجمالية والفكرية والتقنية.