اليوم الثاني – فتتاح المؤتمر الفكري بحصور مسرحي وأكاديمي كبير

وسط حضور وفرحة ثقافية وإعلامية بمجترح قرائي جديد ونوعي، وحضور مسرحي وأكاديمي كبير، افتتح مهرجان المسرح العربي الثاني عشر بعمان، مؤتمره الفكري، كمفصل رئيسي من أعماله، حيث ألقى الفنان غنام غنام كلمة الدكتور يوسف عيدابي، نظراً لظروف حالت دون حضوره، وقد ركّزت الكلمة على محاور مهمّة في هذا البرنامج سعت إلى تأطير التجرية القرائية ومساءلة الواقع المسرحي العربي واتخاذ التجربة النقاشية في المؤتمر الفكري أنموذجاً مهماً في مستقبل دورات الهيئة العربية للمسرح منفّذة المهرجان.
وقد ابتدأت الكلمة بأهميّة طرح الأسئلة مجدداً لكي نتعلّم في رحاب ما وصفه عيدابي بالملتقى المسرحي، مخاطباً أسرة المسرح العربي(من الماء إلى الماء)، مؤكداً طموح الهيئة العربية للمسرح إلى إنشاء “سرة لمواليد مسرح عربي جديد ومتجدد، عضوي ومتفاعل مع أهله حتى يُغيروا ما بأنفسهم، وينهض مسرحهم إلى حياة مغايرة”.
واهتمّ عيدابي، بين الأمل ونقيضه، بنتاج الورش؛ باعتبارها معامل الأسئلة ومشاغل التجديد، ولكنها تجربة نُجدد فيها الصيغ والأساليب لعلنا نصل إلى جادة الصواب المسرحي المفقودة.
وكتمهيد لتساؤلها، استندت الكلمة إلى هذا الاجتماع الكبير في المؤتمر الفكري بواقع تسعين مسرحياً، مشاركين بمداخلات وبيانات ومساءلات وتعقيبات وخلاصات، بعد استدراكات علمية عملية “بشأن هذا الساحر الوافد العجيب، الذي هو مرسح أو حفلة أو مسرح أو رواية”.
وكان هذا التساؤل بمثابة مساءلة للتجربة العربيّة: ” لماذا تتعثر ولا تقود ، فالثقافة متروكة مهجورة، والمثقف هامش منذور للكساد، والمسرحي تابع لا بد أن ينهض ليستيقظ ويفيق من سبات الأنظمة؟!”.

وانطلقت الكلمة من هدف المحاورة بين الأشقاء العرب والأشقاء الأردنيين، في تجارب: المسرح الحر، ومسرح الرحالة، ومسرح ع الخشب، وفرقة طقوس، والمسرح الحديث، وجماعة الفوانيس، وذلك نحو مشاركة متفاعلة وحوار متعافٍ يقرأ أيضاً فِرقاً أخرى لها وِرش ومشاغل للتفاكر في الدورة الثانية عشرة لمهرجان المسرح العربي حول المستقبل وأماني النمو والتطور لقدراتهم الفنية.
ففي مدّة المهرجان، وخلال خمسة أيّام مكثّفة بهذا المؤتمر، كان هدف “الهيئة” هو التكامل وقراءة البيانات الجماليّة لهذه الفرق بتكامل وتعاون “مؤسسي” عربي في مجال المسرح.
وركّزت الكلمة على قيمة الحوار الشغوف بالأسئلة، والمفضي إلى التأمل والتفكر بالقدر الذي يجيب على ما يجب أن يُقضى في سبيل حياة مسرحية عربية جديدة ومتجددة.
وانطلقت الهيئة العربية للمسرح، من خلال كلمتها، إلى تعاون وثيق بينها وبين وزارة الثقافة ونقابة المسرحيين والفرق المسرحية في الأردن، باستضافة نخبة من المسرحيين العرب العضويين، للتكاشف معهم في أمور المسرح العربي.
ورّكزت الكلمة على أن تكون التجربة الأردنية نموذجاً في أعمالها القادمة، نحو الاهتمام بأهل المسرح وتدارك ما يفسد عليهم تقاناتهم وفكرهم وعيشهم ويُعيق مسيرتهم في المجتمع.
ونوّهت الكلمة إلى أنّ هذه المساءلة الفنية والواقعية لا تقف عند نقصان مسرحي بقدر ما تذهب إلى التساؤل البدهي: “المسرح لماذا؟!”.. خصوصاً ونحن أمام شعوبنا في زمن متغير صعب عميق الجراح. وعوّلت الهيئة لذلك على النخبة من الأكاديميين والممارسين والفنانين المسرحيين، الذين تثق بأن كشفهم المستور في التجارب العربية سيتحقق، وأن تتم بأطروحاتهم معالجة ما ينهض بالدور المسرحي من جديد لأجل ازدهارٍ يوقف ما تعانيه الفرق المسرحية من اهتزازٍ وإخفاقاتٍ وكسادٍ في مناهجها وبياناتها، بل وفي سعيها بين النظارة والمشاهدين والحضور المتفاعل، فلا بد بدلاً من الانقياد إلى ترتيبات الساسة، أن نسلك درب ثقافة عضوية تحدث أنفسنا بما ينبغي علينا أن نكشفه، وأن نذهب إلى دور أكثر ملامسة لمجتمعاتنا ذات الهموم الجسام.
واختتمت الكلمة بتأكيد الهيئة إيمانها بأن المسرح حاجة وعظة، وأنّه لا بدّ من أن يُحقق مسرحنا حاجة الجمهور العربي،.. كحاجة أصيلة للحوار، ولقراءة أوجاع المسرح في هذا الملتقى، داعيةً إلى أن نصل القول بالعمل، باعتباره “لزوم ما يلزم” حتى نحقق لهذا المؤتمر الفكري مساءلاته العلمية والعملية لتجارب فرق وقامات مسرحية عربية، فتخرج الفرقة المسرحية وهي أداة مجتمع للتحول والتغيير.

وحملت كلمة منسق المؤتمر الدكتور محمد خير الرفاعي أسس وآليات الدخول في هذه التجربة القرائية، بالتعاون مع خبراء المسرح والجهات المؤسسية الأردنية المهمة بتمثيل هذا الجانب، وهي وزارة الثقافة ونقابة الفنانين الأردنيين والهيئة العربية للمسرح.
وتحدثت الكلمة حول قضايا ومواضيع عديدة، من أبرزها أهمية المؤتمر وإشكالياته ومقارباته، وإفادته الكبيرة في قراءة التجارب الأردنية الخمس في المسرح، إضافة للقراءة التجارب العربية.
تجربة الطريفي
“السخرية والجروتسك كدرس من تجربة خالد الطريفي” كانت الجلسة الأولى، كمفتتح مهم بحضور من أصدقائه من خارج المهرجان أيضاً. وفي ورقته عرّف الطريفي بأسلوب مزج بين الكوميديا والوجع، بموضوع السخرية كحاضنة لأسئلة وجودية يقف عاجزاً أمامها، وولدت معه.
استجابة الجمهور للفنان الطريفي كانت من خلال احترام دوره وجهده الساخر والمبني على الوجع، واستلهام الماضي نحو المستقبل بنوع من السخرية، وتأثير المخيّم عليه في رواية هذا المخيم كوجه للنكبة الفلسطينية، فهي معاناة حفزته لأن يسخر من هذا الواقع الذي عاش.
السرد القصصي الذي تفاعل معه الجمهور كشف عن إضاءات في الجانب الساخر عند الطريفي، خصوصاً وهو يسرد بواكيره في مدارس وكالة الغوث في الزرقاء، وذكريات المخيم، واعتياد حلاقة الرأس الذي أُشبع بالتساؤل المبكّر، والإسراع نحو الحارة بدفئها وفقرها الشديد.
وخلص الحضور إلى السخرية الساكنة داخله، وإلى أنّ اشتغاله في المسرح فيما بعد كان مهيّئاً له، مع أنّه كان يعاني ما يعانيه في هذا الخضمّ الكبير من محادثاته النفسية وبحثه عن كتب متخصصة ومترجمة، أمام ضعفه في اللغة الإنجليزية، وهو جانب ساخر ظلّ الطريفي يلقي بشواهد مماثلة، متطرقاً إلى اشتغاله مع نادر عمران وعامر ماضي.
وكان المخيّم باعثاً على سخرية ما من واقع مر، ودراسة محفوفة بالألم بل كلّها ألم، ليتحدث عن قيمة المهرجانات وأهميّتها للفنانين.
ووضع الفيلم التوثيقي لمسرحيات الطريفي حضوره بأهمّ مسرحياته: اسرح وامرح، عرس الأعراس، كاسات الحب، حلم واسمه ليلة حب. ونفّذ الطريفي مع عدد من الحضور الشخصيّة التي لطالما استهوته وهي شخصيّة”حسان”.
وحملت كلمة الفنانة أمل الدباس حول الطريفي إبداعه وأسلوبه المسرحي واهتمامه بتطوير نصوص عالمية وسحبها لتكون محلية بأسلوب الفرجة، بمهارة تضع الممثل بحالة الحدث. هذا إضافة إلى إفساحه المجال للمخرج لكي يعبّر عن نفسه وأحاسيسه ويدخل إلى الشخصية قيد المسرح.
تجربة “الفوانيس”
الجلسة الثاني كانت بعنوان “شهادات إبداعية على تجربة جماعة الفوانيس المسرحية”، كفرقة انطلقت في ثمانينات القرن الماضي، على يد الثلاثي نادر عمران وخالد الطريفي وعامر ماضي.
وحملت كلمة رئيس فرقة “مظلة بيضاء” باسم عوض استذكار “الفوانيس” في إنتاج أعمال مسرحيّة مهمة ما تزال عالقة بالأذهان، ومهرجان “أيام عمان المسرحية” آنذاك، وهو المهرجان الذي استقطب الكثير من الأعمال المسرحية المهمّة على المستوى العربي والدولي.
وقدّمت الفنانة نادرة عمران شهادةً حول تجربة الفوانيس التي انطلقت عام 1982، متطرقةً لصناعة هذه الفرقة “الفرجة المسرحية”، واللقاء مع الناس بتوزيع الفوانيس والبهجة، باعتبار الفوانيس نوراً يكشف الأشياء. واستعرضت كذلك أعمال الفرقة على غرار “دم دك” و”طاط طوط طيط” التي تتطرق لحكاية شعبية يتقاطع فيها العام بالخاص. هذه الفرقة أسست لوعي مسرحي وإداركي وأسست لتكريس المسرح كفن وفكر.
واستذكرت عمران مسرحية “هاملت” كأبرز عمل للفوانيس، في أسئلتها الوجودية وتماسها مع قضايا اليوم، كما تطرقت إلى التابوهات الثلاثة وجرأة ذلك الزمان. ومن المسرحيات التي ذكرتها عمران “حرحش” و”جلجامش” و”طيبة تصعد
إلى السماء”، وتناولت الانفتاح على الإرث الشعبي للفرقة وتركيزها على الجانب المعرفي، كما تحدثت عن انفصال الطريفي وانضمام أعضاء جدد لها وإنجاز أيام عمان المسرحية عام 1949، كأول مهرجان تحتضنه فرقة خاصة.
وتحدث الفنان مالك ماضي بصفته كان أحد أعضاء الفوانيس عن الجانب الموسيقي في الفرقة وعن تجربة شقيقه وأحد مؤسسي الفرقة الموسيقي عامر ماضي، مستعرضاً دور الفرقة في تدريب كوادرها موسيقياً لدرجة أنها قدّمت عزفاً حياً في العروض.
وتحدثت الفنانة سهير فهد عن تجربتها مع الفرقة معتزةً بذلك، وهو ما أسهم في شخصيتها كممثلة تبدو طبيعية أمام المتلقي في التمثيل. هذا عدا ما تعلمته من حب وانضباط وأساسيات للمهنة.
ثم تحدث الفنان خالد الطريفي عن لقاءاته الأولى مع الفنانين الراحلين عامر ماضي ونادر عمران، مستذكراً مراحل الإعداد للعروض المسرحية وبروفات الأعمال وظروف إصدار البيان الأول لفرقة ذات طموح. إلى ذلك عرض فيلم تناول “فوانيس” وأعضاءها: مروان حمارنة، وناصر عمر، ونادر عمران، ومحتسب عارف، وسهير فهد، وعبدالكامل خلايلة، وأشرف العوضي.

عروض تنشد الحب وتهرب من الواقع
وقرأ المؤتمر الصحفي العروض المشاركة: “كيميا” السورية، و”خرافة” التونسية”، و”النمس” المغربية.
مسرحية “كيميا”: المسرح بيت الحب
وتحدث مُعدّ العرض ومخرجه الدكتور عجاج سليم عن العمل المستوحى من نص ألكسندر ابرازتسوف، متناولاً رسالة المسرحية التي تتحدث عن الحب، وتمثل فرقة المسرح القومي بدمشق، معرباً عن تقديره للمشاركة، مؤكّداً أننا كعرب وسوريين بحاجة إلى أن نتكلم عن الحب وأن نستثمر المسرح في سبيل ذلك. وروى عجاج فكرة “كيميا” التي تتحدث عن صدفة فيزيائيّة من خلال زوج وزوجته، محاولاً برؤيته الإخراجيّة أن يقرّب تفاصيل إنسانيّة للجمهور وأن يقدّم مشاعر دفينة وعميقة بالرغم من كل جرعات التفاؤل وكل الطاقة في الممثل والجمهور السوري، منبّهاً أنّ الحرب التي تختلف عن الحب في حرف الراء، ليس للسوريين شأن بها، فيكفي أن يخرج الجمهور ببسمته الجميلة والباكية بالتأكيد.
وتحدث عجاج عن شخصيتي العمل، وحالة الانجذاب المغناطيسي بينهما، لتتركز أحداث المسرحية حول كيف يعيشون حياتهم الطبيعية، وهو ما يجعلنا نصل لمرحلة ونفكر بقرار إنساني هو الحب، يقدر عليه الإنسان من واقع الاختيار. وركّز عجاج على روح الممثل، متجاوزاً حالة الحزن للحب في زمن الحرب.
وتحدث ممثلو العرض عن ثقافات جديدة في رفض الصدفة الفيزيائيّة، أمام كلّ الوسائل الرامية إلى أن تنهي هذا الجذب، حيث الحب بالنسبة للزوجة هو حب تملّك، ومع ذلك تبوء بالفشل في امتلاكه خصوصاً وأنّه الوحيد المتبقي لها، كما ناقشوا العرض المبني على اللغة البصرية غير المنعزلة عن الحالة الروحية وهي لغة مستولدة من عمق الشكل الأدبي للنص المسرحي، وكلّ ذلك ضمن إبداع الممثل وذهابه إلى مناطق ومساحات واسعة في الإبداع، وفي النهاية فإنّ الحب هو الحل الوحيد في الحياة.
وفي مداخلات الحضور تمّ التطرق إلى حضور العرض عربياً، وذلك لجودة الصورة البصرية والجمالية وتناغم الأجيال والتشبيك بين الشخصيات واللعب على موضوع الكوميديا المتناقضة، والعلاقة المبنية على عابري طريق، وهذه العلاقة الناشئة قبل أن الفراق. وتحدث المتداخلون عن معنى “كيميا” في الانسجام والتواصل، وربط الحركة بالحوار وانسجام الشخصيات، ومسؤولية الممثل الإبداعية.
وتطرق الدكتور عجاج إلى دور المسرح قياساً إلى الأدوات والوسائل أو الحواضن الفنية الأخرى، لأن في المسرح عمقاً مهماً للحياة، وقال: نحن سعداء بأننا قدمنا هذه التجربة بسوريا في ظل ظروف الحرب، واستطعنا أن نشارك شعبنا بجهده وتعبه وصبره على الحرب التي مرت بها سوريا. وناقش الحضور كذلك مسألة الذهاب إلى نوازع إنسانيّة أمام ثيمة تكاد تكون منمّطة هي ثيمة الحرب، وكيف يشتغل المخرج أو الفنان أو الأديب إلى اتجاهات أخرى كأي إنسان يعاني تفاصيل أخرى غير ملتفت إليها في ظل هذه الأزمة الكونية وأدخلت الحروب. وحول هذا الموضوع، قال الدكتور عجاج: “خلال الحرب قُدمت بعض العروض الاستهلاكية التجارية لبعض الناس الذين حاولوا أن يلعبوا على الوطنية، وكانت الأهداف التجارية واضحة، وهذه الأعمال انتهت بلحظتها، فالممثل المسرحي يعاني، ونحن نعاني مع الجمهور، ومن الممكن أن تصاب أثناء ذهابك للمسرح بقذيفة هاون”.

“خرافة” التونسية وسؤال: أين تكمن الحقيقة؟!
المؤتمر الصحفي الثاني كان للمسرحية التونسية “خرافة” من تأليف العراقي علي الزيدي وإخراج أيمن نخيلي، وإعداد رضوان عيساوي.
وتحدث المخرج نخيلي عن “خرافة” كعمل مسرحي من إنتاج شركة كرنفال للإنتاج الفني، بدعم من وزارة الشؤون الثقافية التونسية، مبيناً أنّها عمل دقيق من حيث منذ البداية، منذ اختيار النص وصولاً إلى تنفيذه على الخشبة، مروراً باختيار الممثلين بدقة، كاشفاً عن سبعة ممثلين في مغامرة دامت خمسة أشهر من التمارين وسنة في إعداد النص، وقال إنّ اختيار الفريق للنص كان حسب تصورهم لمشروعهم الذي أحبوه خلال تأسيسهم لفرقة كرنفال، وهي فرقة تأسست منذ 2014، وكان مشروعهم مبنياً على التفكير العميق والبحث في كسر كل ما هو مسرح تقليدي أو مسرح السائد النمطي، محذّراً من أن تكون الحركة المسرحية العربية والتونسية في نوع من السكون، وكأنّ العملية المسرحية أصبحت معتمدة على وتيرة غير قابلة في داخل نفسها لأن تتجدد.
ووصف المخرج نص العراقي الزيدي بأنّه نص مشاكس، جعلهم يخوضون تجربة الكتابة المخبرية، فهو عمل صعب ودقيق، لأنه يحكي عن مأساة إنسان فارق الحياة، وفي مفارقته للحياة كان يرغب في أن يجد معنى حقيقياً لحياته، كمهرب من واقعه المرير، فيجد نفسه في واقع آخر، واقع كان يجد فيه الغربة، وكأنه غريب في موطنه، وغريب عن أناسه، وغريب عن ذاته التي لم يجدها في حياته الدنيوية، وقد حلم أن يلقاها في حياته الأخروية، ولكن يكتشف مرارة من نوع آخر، جعلته يدخل في إشكالات وتفكير جديد في ماهية واقعه، هل هي حقيقة أم زيف، بين الواقع الذي هرب منه والواقع الذي أصبح فيه، فأين تكمن الحقيقة؟!..، وهو سؤال جدلي جوهري فلسفي فكري جعلنا نتساءل معه: أين تكمن الحقيقة، هل هي فيما نعيشه الآن، في الموجودات والكائنات الدائرة بنا كبشر، هل نحن موجودون بطبيعتنا وبثقافتنا وبخطابنا، هل وهل نمارسه بإنسانيتنا حقاً، فهي مسألة محيرة نوعاً ما، إذ نحن نعيش في صراعين: ذاتي وكوني؟!
ومن ذلك أكّد المخرج نخيلي رؤيته في أنّ المسرح لا يخاطب مجتمعاً ما أو مكاناً ما، بل هو في خطاب الإنسانية، وكلّ المجتمعات والحضارات لأن المسرح بالأساس هو فن كوني، فهو يضم جميع الفنون.
وتحدث نخيلي عن العرض وتعبيراته وحركته مسرحية، وخطاب اللامكان واللازمان، وخطاب الذات بما تعيشه من تناقضات وتغريب في ذاتها، وفي كينونتها، لأننا نحن البشر نبدو وكأننا نعيش على فوهة بركان.
وقال إنّ المهم في العمل هو كيف لنا أن نتخلص من كل ما يحركنا، ومن قيودنا التي وضعناها نحن، في عدة مجالات اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا ودينيا.
من جهته، قال الكاتب علي الزيدي إنّه سعيد لأن يلتقي العراق مع تونس، يلتقي الهم العراقي مع الهم التونسي، والحلم العراقي بالحلم التونسي، إذ يظل الإنسان هو الإنسان بهمومه وأحلامه وتطلعاته ورغباته.
وفي حديثه عن نصّه فقال إنّ “خرافة” تشتغل على موضوعة الموت، وباعتقاده فإنّ موضوعة الموت بالنسبة له كعراقي هي الحياة، كتفسير للمفردة التي تبدو له أنها مفردة لكثير من الفقد والآلام. وناقش الزيدي السخرية في العمل والكوميديا اللاسعة، مؤكداً أنّ الواقع الذي نعيش فيه أكبر من الكتابة نفسها، فهناك أحداث وأزمات متلاحقة عندنا، خصوصاً الواقع العراقي الذي يعيش. وتحدث الزيدي عن فلسفة النص وعمقه وخطورة فحواه على المستوى الفكري.

“النمس”.. فصام الشباب العربي في عالم افتراضي
وفي المؤتمر الصحفي الخاص بالمسرحية المغربيّة “النمس”، من تأليف عبد الإله بن هدار، تحدثت الناقدة الأردنية الدكتور مارغو حداد حول تميّز المخرج ومعد النص أمين ناسور، واستقرائه التراث بعين الحاضر دون أن يفقد التراث عمقه وتاريخه، خصوصاً وهو يعري العمل الافتراضي، في عالم “السوشال ميديا” أمام قلق وخوف البشرية.
وتحدث المخرج ناسور عن تجربة “النمس” كتجربة مختبرية، مبيناً أنّه دائماً يشتغل وفريقه المخبري في مجموعة من الفنانين بتخصصات متعددة تجمعهم رؤية واحدة، رؤية تؤسس لفرجة مسرحية مختلفة، فيها تجديد وبحث وهوية، باعتقاده لا يمكن أن يشتغل على مسرح مغربي ليست له سمات ومقومات الهوية المغربية، مهتماً بطريقة جديدة تقودنا في زمنا الحاضر، وهي مسألة تتطلب بحثاً وتجريباً ومغامرة، بين حدي: الانسجام وتقبل الجمهور.
وقال إنّ فريقه يشتمل على أجيال مختلفة، كفريق مخضرم برز في المعهد العالي للفنون، إضافة إلى جيل من حركة مسرح الهواة الجديدة في المغرب، متناولاً الحركة التي انطلقت بداية الألفية وأبرزت مجموعة من الشباب والكفاءات المهمة بمسرح الهواة، كمزيج من الممثلين له دور في العمل، بالإضافة لاشتغاله مع مصممة الأزياء المعروفة في المغرب سناء شتال.
وعن نص المسرحية، قال إنّ مسرحية النمس مقتبسة عن رواية للكاتب ياسين عدنان، وهو من أهم الكتّاب والشعراء المغاربة الذين لهم اسمهم في الساحة المغربية والعربية، متحدثاً عن الكاتب المغربي المعروف عبد الإله بن هدار، وعملهم التفاعلي بين النص والتجسيد.

وتحدث الممثل حسن ميكيات عن دوره في مسرحية “النمس”، كحيوان صغير، مع إحالته إلى مرجعيات وخلفيات معينة، مبيناً أنّه مثل شخصاً جامعياً يعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية، يجد نفسه يعيش حالة من الانفصام بين واقعه وافتراضه، كشخص منعزل، لا يمتلك الجرأة على المواجهة، ويجد ضالته في العالم الافتراضي، فهو يعيش تارة بين واقعه في مواجهة زوجته المتسلطة والعالم الافتراضي الذي يعيشه مع امرأة جميلة، كما تصوره في خياله، باعتباره
شخصية مركبة بمستواها النفسي، وربما أبعد من ذلك.
وعن تصميمها للأزياء قالت سناء شدال إنها اشتغلت بأريحية، لأن الأزياء عنصر أساسي بالمسرحية، وأنها أعطيت مساحة اشتغال قوية كتصور تقني، فضلاً عن اشتغالها بالآداب والكتابة، حيث قرأت النص الروائي للانسجام مع رؤية المخرج العميقة، نحو انسجام الزي المسرحي الذي كان ترجمة لشخصيات ودراسة لها، فحتى القماش تتم دراسته، بطريقة غير تقليدية.
من جهتها، قالت الفنانة مونيه لمكيمل إنّها مثلت دور “النمس”، كزوجة متدينة في حين أنها لم تكن تمت للتدين بصلة، فهي سليطة اللسان وقاموسها اللغوي ليس فيه أيّ كلمة طيبة باعتبارها شخصية سلطوية، وتعطي صورة سلبية للنساء المتدينات. وطرحت الفنانة سؤالاً نقدياً يتعلق بالدين بين المظهر والمعتقد.
وناقش الحضور موضوع الكوميديا التي لا تتوقف عند الإضحاك، بل توصل رسالة قوية وساخرة، ومنها رسالة ضد الإرهاب.

وتواصل الندوات النقدية

كما عقدت ندوة تطبيقية حول المسرحية الكويتية “الصبخة”، عقب فيها نقيب الفنانين العراقيين الدكتور جبار جودي مستعرضا الشكل العام للمسرحية وفكرة النص والصورة البصرية والمشهدية وتأثير المؤثرات الصوتية كاستهلال للبدء بالعرض، وقال إن في العرض أزماناً متداخلة بين الشخصيات، وإدامة للزخم السينوغرافي للضوء وقطع الديكور المشهدية المعبرة. وإسهام الموسيقى والمؤثرات الصوتية في تعميق وإثراء مشاهد العرض والأحداث وتنويعاتها وديمومة زخمها وقوة تأثيرها.
ورأى أن المخرج نجح نجاحا متميزا في قص حدوتة اجتماعية تصلح لكل زمان ومكان ومجتمع عربي يعاني من ربطة الضغط الراديكالي المشوش إذ أثمرت الجهود المشتركة لكادر هذا العرض بانجاز مسرحي متقن لجميع عناصره المرئية والمسموعة إذ نقلنا من في “الصبخة” إلى بهجة جمالية متكاملة.
كما أقيمت ندوة نقدية للمسرحية التونسية “سماء بيضاء”، حيث عقب على العرض الفنان اللبناني عبيدو باشا الذي رأى أن المسرحية هي رحلة في الواقعية بعيداً عن مرارات الواقعية القديمة، فهي قياس لدى الواقعية على منصة “وليد دغسني”، كما تناول عبيدو سحر الواقعية وتوأمة الكتابة والإخراج، قارئاً قوة السرد الموسيقي، وكونها مسرحية إشكالية، ومتحدثاً أيضاً عن فن الحركة ومسرحة الرقص.

وناقش الحضور العمل كأسئلة وجودية واشتباك العمل مع قصة “آدم” وحوار الثمرة المحرمة، وأيضاً كخلاص للجسد، وخطاب المسرحية للجمهور كشريك في العمل، حيث شكل التأويل مفتاحاً رئيساً، في سبيل الوصول إلى تلك الأوراق التي تحتوي السر والحكاية والنهاية.
كما ناقشوا العرض وأسئلته الوجودية من خلال رجل غامض مبهم، يتجلى بوصفه القدر مرة ومرة أخرى بوصفه الروح ويتأرجح بين العاطفة والانطواء. وكذلك تطرقوا لى السينوغرافيا البسيطة التي حملت مقولة العرض بسهولة، فيما وصلت لغتها إلى قلوب الحضور.

ابراهيم سواعير

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

error: حقوق النشر والطبع محفوظة