افتتاح الدورة الثالثة من مهرجان المسرح الثنائي «فردة دماغ».. حالات ومواقف تجسد تداعي القيم / عصام أبو القاسم

المصدر / محمد سامي موقع الخشبة

برعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، انطلقت مساء أمس الأول بالمركز الثقافي لمدينة دبا الحصن، الدورة الثالثة من مهرجان المسرح الثنائي الذي تنظمه إدارة المسرح بدائرة الثقافة في الشارقة. حضر حفل الافتتاح الشيخ سعيد بن صقر القاسمي، نائب رئيس مكتب سمو الحاكم بخورفكان، وعبد الله العويس، رئيس دائرة الثقافة، وأحمد بورحيمة، مدير المهرجان، والعديد من الفعاليات المدنية والاجتماعية في المنطقة، إضافة إلى نحو مئة ضيف ومشارك في المهرجان الذي رعت يومه الأول شرطة دبا الحصن. واستعرضت في حفل الافتتاح أسماء العروض المشاركة والأنشطة المصاحبة للدورة الثالثة، كما تم تقديم المخرجين الخمسة المشاركين.

وتابع الحضور، بعد ذلك، مسرحية «فردة دماغ» التي قدمتها فرقة المسرح الحديث بالشارقة، وهي من تأليف جاسم الخراز وإخراج إبراهيم سالم، الذي شارك ممثلاً في العرض أيضاً، إلى جانب مرعي الحليان.

وتجمع المسرحية التي قدمت باللغة العربية الفصحى، بين أستاذ جامعي، وهو الدكتور جليل، (قام بالدور إبراهيم سالم) وماسح أحذية، وهو فرج (مرعي الحليان)، في شقة فقيرة تنتشر على أرضيتها الكتب والأحذية، ويبدو أثاثها قديماً ومتسخاً. ماسح الأحذية هو مستأجر هذه الشقة البائسة، ومع تطور وقائع العرض نعرف أنه قبل أن يقاسمه الأستاذ الجامعي مسكنه، على أن يسدد الأخير ثمن سكناه حين يسعه ذلك.

على طريقة الكاتب الروسي أنطوان تشيخوف، عمد كاتب النص جاسم الخراز إلى نسج دراما عمله؛ فليس ثمة وقائع أو أحداث كبرى ظاهرة في العرض؛ ولكن هناك حالات ومواقف، هي مزيج بين الفكاهة والتراجيديا، وهي بسيطة ولكن موحية.

الأستاذ الجامعي، فقد وظيفته كمحاضر في إحدى الجامعات منذ فترة، إذ لم تشفع له لا شهاداته ولا خبرته في المجال التي تمتد لأكثر من عشرين سنة، وتم طرده حين وبخ طالباً من طلابه، وصادف أنه من أبناء الأسر الثرية التي تسعى إدارة الجامعة إلى كسب رضاها وتتفادى إثارة غضبها، وهو يتهيأ لمقابلة عمل، ويستعد للخروج.

أما ماسح الأحذية، فقد أظهره العرض، ولكن بشكل مضمر، كما لو أنه كان أستاذاً جامعياً هو الآخر، ولكنه، مع تداعي القيم في المجتمع وتبدلها، اضطر إلى أن يتحول إلى ماسح أحذية؛ ورغم أنه لم يصرّح بذلك إلا أن أفكاره حول الناس والحياة والقيم السائدة، وبلاغته في الكلام والوصف، وغنى ذاكرته المفعمة بالحكم والأمثال من كل ضرب ولون، تؤكد أن حياته لم تقتصر على مهنة مسح الأحذية.

وهذا التناوب في الأدوار بين «الأستاذ» و«ماسح الأحذية»، لم يعمد المخرج إلى إظهاره إظهاراً واضحاً، ولكنه قدمه في لمحات خفيفة، وذلك عبر لوحتي، الأولى نتابعها حين تنفتح الستارة للمرة الأولى على صورة «الأستاذ الجامعي» وهو يمسح على حذاء بين يديه، بينما بدا ماسح الأحذية راقداً على فراشه وهو ينصت للراديو ويستمع ويردد أغنية لأم كلثوم؛ لتبدو صورتهما للجمهور كما لو أن «ماسح الأحذية» هو «الأستاذ» والعكس صحيح!

أما اللوحة الثانية، فنتابعها حين يبدأ «الأستاذ الجامعي» في سرد حكاية طرده من الجامعة، فهو ما أنْ يبدأ في استهلال موقف ما، نرى «ماسح الأحذية» الذي كان ينصت للقصة، يستكمله كما لو أنه حصل معه أو كما لو أنه عاشه من قبل!

إذن، ثمة مشتركات عدة بين «الأستاذ جليل» وماسح الأحذية «فرج»، فهما يسكنان الشقة الفقيرة ذاتها، ونصيبهما هو ذاته من الخيبات والحظوظ السيئة إلا أن هناك ما يفرق بينهما، لكن ليس المستوى التعليمي، فالفرق هو أن الأستاذ جليل، هنا، هو رمز للمرء الطموح والمتطلع وغير القابل بمصيره مهما كلفه ذلك، أما ماسح الأحذية فهو رمز للمرء اليائس والمنسحب من الحياة إلى كوخه البائس!

لكن إلى أي مدى يمكن أن يكون المرء طموحاً ومتطلعاً إلى تغيير حاله؟ لعل هذا هو السؤال الإشكالي الذي طرحه العرض؛ فهل يمكن أن يكون مبرراً ومقبولاً طموح المرء وتطلعه إلى تغيير وضعه حتى لو دفع نظير ذلك ثمناً من كرامته وأخلاقه وقيمه؟

على الصعيد الإخراجي، رسم سالم فضاء عرضه، عبر الإضاءة ومن خلال حركة الممثلين، بحيث تبدو الغرفة المكدسة بأغراض الأستاذ وماسح الأحذية، ضيقة وشبيهة بسجن، لكن ثمة نافذة مشرعة تتوسطها، بدت كمسرب أو منفذ إلى العالم في الخارج، العالم الذي يتطلع إليه الأستاذ جليل ليخرج من ضيق غرفة ماسح الأحذية، الثرثار والحانق والساخر على كل ما حوله!

من النافذة أيضاً، يترقب الأستاذ جليل صوت الراقصة التي تسكن قربهما ومرورها العابق بعطرها، فهو يحبها ويحترمها؛ فيما يمقتها ماسح الأحذية ويراها رمزاً لأولئك الذين يدفعون كرامتهم لأجل كسب مكانة ما في المجتمع.

ومن اللمحات الإخراجية التي تظهر تناغم عناصر العرض وتكاملها، أن سالم أراد أن تكون شقة الراقصة في الطابق الأعلى، للتدليل على مكانتها بالنسبة لبطلي العرض، أو بالنسبة للأستاذ الجامعي على الأقل؛ فهو ينتظر أن تتوسط له لدى أحد زبائنها حتى يقبله كأستاذ منزلي لابنه!

لا صراع بالمعنى الحرفي في العرض، ولكن الأستاذ الجامعي يبدأ في الشعور بالانزعاج والتوتر حين يشعر بأن موعده مع الراقصة التي ستتوسط له يمكن ألا يتحقق بعد أن انكسر حذاؤه إثر شجار صغير بينه وصاحبه ماسح الأحذية، وفي غمرة احتجاجه ينتبه إلى حذاء نسائي، فيسأل رفيق غرفته لمن هذا الحذاء، فيجبيه بأنه للراقصة؛ فيرتديه ويخرج ليلحق بموعده وقد بدا في هيئة كاريكاتيرية.. النصف الأعلى بدلة أستاذ جامعي، وفي الأسفل حذاء راقصة، ضخم وفاقع لونه!

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.