اختتام فعاليات الموسم المسرحي الأردني 2020 #الأردن

 

عمان – أحمد الطراونة

اختتمت أول من أمس، فعاليات الموسم المسرحي الأردني 2020 الذي انطلق في مطلع كانون الأول الجاري، مشتملاً على عروض مهرجان عمون لمسرح الشباب (19) ومهرجان مسرح الطفل (16) ومهرجان الأردن المسرحي (27).

وقُدم ضمن مهرجان الأردن المسرحي قبل الاختتام عرضان؛ «خط التماس» من إخراج فراس المصري، و«نزهة في أرض المعركة» من إخراج عماد الشاعر.

التباس التاريخ

خط التماس، هو خط الموت على الهوية، أو هو الخط الذي يفصل الطلبة عن فصلهم الدراسي القادم في فلسطين أو ليبيا أو اليمن، أو هو الخط الذي يقف شفيفا أمامنا كي لا نعي الحقيقة منذ أيام البسوس مرورا بكل نكباتنا ونكساتنا وربيعنا الذي بدت كل أزهاره قانية اللون.

من هذه الرؤية العميقة للجرح النازف على مر التاريخ جاء نص «خط التماس»، الذي صفّ خرزاته الفنان علي عليان، وأخرجه المخرج فراس المصري، ليقدم لنا رؤية تاريخية وإنسانية واجتماعية، من خلال طالب الدراسات العليا الذي يقدم الذي يسعى جاهدا لإنجاز رسالته حول التاريخ بالتعاون مع مشرفه أستاذ التاريخ الذي كان يخضع للجنة هي التي تصوغ كل مجريات التاريخ وهي التي تعيد كتابته وفق رؤيتها، ومن هنا تبدأ فكرة الصراع على كتابة هذا التاريخ بين الباحث الذي يرى الحقيقة أمامه وبين الأستاذ الذي يريد أن يلوي أعناق الحقائق أحيانا وبما يتوافق ورؤية اللجنة المشرفة، فمن هي اللجنة المشرفة التي تعيد إنتاج المعرفة بالتاريخ وفق أهوائها؟

أوقف الطالب كل حياته بما فيها أحلام زوجته في الطفل ليرضخ لتعليمات أستاذه المنهك من الحياة والغارق في التفاصيل، فحمّل الأستاذ طالبه تفاصيل أغرقته هو الآخر في تناقضات لا علاقة له بها، مما أوقف إنتاج أي حياة جديدة أو أي حلم بحياة جديدة، فبقي رهين فكرة التاريخ وأزماتها، كتفاصيل الحرب والموت والسلطة والقمع والانشغال بالعام وترك الخاص، فضاع في حياته لم يستطيع أن يضبط إيقاعها.

النص الذي أوغل في طرح فكرة السلطة والتسلط من قبل الأستاذ (السلطة) لتنميط طالبه، دفع الطالب أن ينفلت منه ويتمرد عليه ويحاول جاهدا أن يلتقي زوجته ويسهم معها في إنجاب طفل هو بالنسبة لهما المستقبل والحلم، رغم تدخل الأستاذ السافر حتى في حياتهم الشخصية تلك.

جاءت الرؤية الإخراجية للعمل مستندة إلى فكرة النص، ولم تخرج عن سياقاته العامة، وخاصة فكرة إعادة قراءة التاريخ من منظور الشك في كل شيء، إلا أن الصورة البصرية بمجملها، والتي استندت إلى مدارس إخراجية مختلفة دفعت النص إلى الحياة أكثر وضخّت فيه الدماء ليكون أكثر قدرة على الإفهام وسط هذه الخلطة المعرفية الشائكة.

بدت ملامح الممثلين الذين سيطروا على العرض كملامحنا، فظهر التسلط والقهر والقدرة على النفاد لنفسيات الشخصيات التي تجسدت بقدرة فائقة، فظهر المعنى من خلال المبنى المهم للحوارات والمونولوجات والحركات المدروسة والبعد النفسي واستنطاق الذات وفق الرؤية العامة للعمل، وتفوق علي عليان في تصوير فكرة التسلط، بينما اظهر إياد شطناوي قدرة في التخفي خلف الخير المهزوم لتقدم مرام أبو الهيجاء جمالا في تصوير السيدة التابعة أحيانا والمتحررة أحيانا أخرى، وخاصة في مشهد تهريب النطفة والذي يلقي الضوء على الظلم الذي يتعرض له السجناء في الكيان الاحتلالي، ووفق مساحات الحوار والتعامل مع حركات الجسد التي تعكس المعنى.

جاءت السينوغرافيا التي صممها محمد المراشدة في العمل مكتملة إلى حد كبير في تشكيل الفراغات والكتل اللونية من خلال الإضاءة التي عكست الصور النفسية وعمق دلالتها، ومن خلال الديكور الذي بدا معقدا للوهلة الأولى لأنه يعبر عن تاريخ شائك ومعقد حيث الدوائر غير المكتملة، والقمر الذي يعكس فكرة الحياة ليلا، إضافة إلى رمزيته في الثقافة العربية، وحملت هذه الدائرة أيضا رمزية مهمة في استنطاق الذاكرة إن لجهة التاريخ أحيانا أو لجهة الحياة الخاصة بالزوج وزوجته، من خلال ما ينعكس عليها من تراسلات فكرية ومعرفية قدمتها المواد الفيلمية التي استعرضت التاريخ، وأسهمت في تكوين صورة بصرية مرادفة للعرض أسهمت في تفكيك معضلات النص واستنطاق رسائله التي بدأت صامتة أحيانا لولا تدخل هذه المؤثرات، لتكشف لنا أسرار بعض الجمل في النص التي كانت تختزل صراعات الأمة مع نفسها ومع الآخر.

لا معقولية الحرب

أن يكون ميدان المعركة مكانا للتنزه فهذا يعني أننا أمام لحظة غير معقولة، إذ يأخذنا عرض «نزهة في أرض المعركة» من تأليف فرناندو أرابال وإخراج عماد الشاعر، من خلال لحظة فانتازية سودواية، إلى قراءة واقع الحروب والدمار والويلات التي تتركها على الأرض لقهر الإنسان وتوطينه على الخنوع والخوف.

في النص الذي جاءت شخصياته مهزومة أمام ذكرياتها ومجردة من قيمها وإطارها التاريخي، سيطر الحوار الاستدعائي للحظات غارقة في البؤس والغموض بعيدا عن الحبكة التي جعلها الكاتب صالحة لكل زمان ومكان وخالية من الصراع ليجرد الشخصيات من مواقفها ويحرر المتلقي من سطوة المكان والزمان معا، وسط لحظة من التراجيديا التي لخصتها حكاية الجنديين اللذين بديا في ريعان شبابهما في أرض المعركة، ولا يعرفان شيئا عن القتال، ولا عن الأسلحة، ولا عن نتائج الحرب التي يخوضانها، ويلتقيان رغم عداوتهما معا في حضور والدي أحدهما واللذين جاء ليتنزها في الميدان.

جاءت الرؤية الإخراجية للشاعر مستندة لفكرة رفض الحرب وداعية للسلام بعد أن تعبت البشرية من هذا الموت، في إطار منهج مسرح اللامعقول، والفهم العميق للواقع المعاش، وقدمت مشهدا بصريا موازيا في فعله الجمالي للنص الأدبي وذلك من خلال قدرة الممثلين على إقناع المتلقي بفكرة لا معقولة وخلق أجواء معقولة أسهمت في إيصال رسائل العرض.

غياب المكان والزمان واللحظة التاريخية في العرض كان وراء ذهابه إلى منطقة أكثر أمانا، وجعلته ينجو من أسئلة التاريخ، ويقدم أسئلة إنسانية مكثفة من خلال فعل لا معقول وسط لحظة موغلة في العقل والإدراك والاستفزاز.

قدم الممثلون أداء مهما، إذ جسدوا ما رُسم لهم من خطوط ومسارات جعلتهم يظهرون قدراتهم في تفجير مكنونات الشخصيات واستبطان دواخلها. وشارك في التمثيل كل من: أسماء قاسم، والحاكم مسعود، والمثنى قواسمة، وأحمد الخوالدة، وحسام كناني، وحسام حازم،

لعبت السينوغرافيا بمجمل مكوناتها دورا واضحا في خلق اللامعقول الذي أراد المخرج إيصاله، فتماهت الموسيقى مع الإضاءة والديكور لتشكيل الصورة السمعية والبصرية التي أضفت الاكتمال على الفرجة.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح