إعداد الممثل.. منهج قسطنطين ستانسلافسكي -الحسين الرحاوي

ر
قسطنطين ستانيسلافسكي (1863م – 1938م)

 إعداد الممثل.. منهج قسطنطين ستانسلافسكي -الحسين الرحاوي

طفت على سطح المشهد المسرحي مجموعة من المحاولات هدفها البحث عن مفاهيم وصيغ جديدة، كان يقف وراء هذا النشاط مخرجون كبار تمكنوا من تقديم خدمات جليلة للمسرح، شرعوا بذلك آفاقا أوسع وأرحب أمام النشاط المسرحي مازال مدى تأثيرهم ساريا إلى الآن.

نتيجة لهذه الدينامية المحمومة، ظهرت مجموعة من النظريات والتصورات حول الممثل، وكيفية تدريبه وإدارته وبناء شخصيته ذهنيا ووجدانيا وإعداده إعدادا جيدا. طبعا؛ هذا الزخم التجريبي الذي وسم نهاية القرن التاسع عشر بميسم خلخلة الثوابت ومساءلتها، على اعتبار أن خطاب التجريب في عموميته يبقى موصولا بشروطه، لأنه بالأساس ثورة “ثورة تسير بمحاذاة ثورات أخرى، ثورات يمكن حصرها –كما ذهب إلى ذلك د. عبد الكريم برشيد- في الثورة السياسية والصناعية والدينية والفكرية…

اخترنا في هذه الورقة البحثية الحديث عن المخرج الروسي قسطنطين ستانسلافسكي الذي لمع اسمه في سماء الفن المسرحي، والذي اشتغل في مجال الإخراج أساسا، لم يقع اختيارنا عليه لفرادته فحسب بل لكونه ذو فضل في نقل ميدان الإخراج من المزاجية إلى الاحترافية عبر سنه لمنهج خاص ومخصوص [طريقة ستانسلافسكي] والذي استقام له بعدما راكم تجربة طويلة في الإخراج والتدريب؛ مخلفا بذلك إرثا علميا خالدا أهله ليكون مرجعا رئيسا لمن جاء بعده في مجال الأداء التمثيلي.

هذه الورقة التعريفية بمنهج ستانسلافسكي هي في الأصل عبارة عن حاشية لدراسة نعدها في هذا الصدد نحاول فيها إبراز تلك الخلفيات والمرجعيات الفلسفية التي تحكمت في بروز هذا المنهج؛ ومن ثم فكل مطمحنا هنا هو تسليط الضوء على أسس منهجه، من خلال تلك الطرق المثلى التي سلكها لتعليم الممثل كيف يجيد فنه ويتمكن منه. لكن تلك الطرق كانت عامة خصوصا في كتابه الكبير “حياتي في الفن”  إذ كان يشتغل بها كرؤوس أقلام تفتقر إلى التفصيل، ويعود فضل التفصيل في طريقة الإعداد إلى مؤلفه الثاني «إعداد الممثل” هذا الكتاب يعد أول كتاب عملي من مرادفاته: نحو التمثيل أو قواعده ودروسه.

فرقة مسرح الفن بموسكو بحضور تشيكوف (1900)
فرقة مسرح الفن بموسكو بحضور تشيكوف (1900)

من أجل تقريب الصورة وتتوضح أكثر؛ سنعود لكتابه الثاني (إعداد الممثل) لاستخلاص الطريقة التي يسلكها في إعداد طلابه، لم يعمد فيه على أسلوب التلقين المباشر وإنما نجده في كل دروسه ينطلق من تجارب ووضعيات، وبعد ذلك يستنتج وطلابه الطريقة المثلى في كل حالة، كما أنه اختار أن يضع أسس منهجه على لسان تورستوف شخصية اختار أن يختبئ وراءها وهو يلقن تلامذته دروس وتطبيقات وفلسفات هذا الكتاب. وفيما يلي منهجه كما ورد في كتابه التفصيلي “إعداد الممثل”.

1-الفعل Action:

إن كل شيء حدث على خشبة المسرح لابد أن يحدث لغرض ما. على الممثل أن يدرك سبب وقوفه أو حقه في أن يقف، فوق المنصة وليس هذا بالأمر السهل.

إن الممثل كلما حاول استعراض نفسه خرج من نطاق الفن الحي. قد يحدث أن يجلس الممثل في غير حركة ويكون في نفس الوقت في حركة كاملة… إن جوهر الفن ليس في صورته الخارجية ولكنه في مضمونه الروحي.

على الممثل أن يتجنب أن يتعمد أن يبدو غيورا أو محبا أو معذبا من أجل هذه المشاعر ومن أجلها فحسب.

لا يمكن أن يحدث على المسرح-وتحت أي ظرف من الظروف-أي فعل يقصد به الممثل أن يثير في الحال إحساسا ما من هذه الأحاسيس وليس من أجل هدف معين.

إن أي فعل لا يستند إلى إحساس داخلي هو فعل لا يستدعي الانتباه، وإن أي فعل على خشبة المسرح لابد له ما يبرره تبريرا داخليا لابد أن يكون فعلا منطقيا متصلا ببعضه اتصالا معقولا وواقعيا.

استعمال كلمة “إذا” أو “لو” تعمل كرافعة تخرج بنا من العالم الواقعي إلى عالم الخيال، إنها كلمة سحرية تشحن المشاعر والخيال والسر فيها أنها لا تفرض بل تقترح. وكذلك فإن قوة كلمة “لو” ليست آتية من قوتها في النفاذ فقط بل آتية من مدة التخطيط العام للظروف المعطاة، وذلك عبر تخيل الممثل بطريقته الخاصة الظروف المعطاة له من المسرحية، خطة المخرج في إخراج الرواية وتصوره الفني الخاص بالرواية.

2-الخيال:

 الفن نتاج الخيال، كما ينبغي أن يكون عمل كل كاتب مسرحي، وينبغي أن ينحصر هدف الممثل في استخدامه مهاراته الفنية لتحويل الرواية إلى واقع مسرحي.

الخيال يخلق الأشياء التي يمكن أن توجد أو يمكن أن تحدث، بينما التخيل يخلق الأشياء التي لا وجود لها والتي لم يسبق لها أن وجدت، والتي لن توجد أبدا.

يجب على الممثل ألا يتخيل الأشياء دون أن يكون له هدف وراء هذا التخيل ومن أهم الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها الممثل هو أن يجبر خياله ويكرهه بدلا من أن يروضه ويلاطفه.

إن كل اختراع يقوم به خيال الممثل يجب أن يسبقه تفكير طويل في تفاصيله وأن يبني على أساس من الحقائق: يجب أن يجد الممثل الإجابة عن كل الأسئلة التي يوجهها إلى نفسه وهو يشحذ ملكاته الإبداعية لكي تصنع صورة أكثر تجديدا لكيان متوهم، وهو في بعض الأحيان لا يحتاج لكل هذه المجهودات الذهنية الشعورية، لأن خياله قد يعمل بالفطرة والبديهة.

إن أي تناول صادر عن وعي وتفكير منطقي لموضوع الخيال كثيرا ما يعطي للحياة صورة زائفة لا حرارة فيها، وهذا شيء لا ينفعنا في المسرح، لأن فننا يتطلب من الممثل أن يندمج بكل طبيعته اندماجا ايجابيا فيما يقوم به، وأن يكرس نفسه كلها، جسدا وروحا للدور الذي يؤديه، إنه لابد أن يحس بالدافع أو المادة يستطيع بطريقة انعكاسية أن يؤثر في طبيعتنا الجسدية ويدفعها إلى العمل، وهذه الملكة ذات أهمية عظمى في مهارتنا الفنية العاطفية، من أجل هذا كانت كل حركة تقوم بها على خشبة المسرح وكل كلمة ينطق بها هي نتيجة للحياة التي الصحيحة لخيالنا.

إذا سُئل الممثل هذا السؤال المتناهي في البساطة: هل الجو بارد في الخارج اليوم؟ فينبغي قبل أن يجيب “بنعم” أو “لا” أو إنني لم ألاحظ: أن يعود بخياله إلى الشارع ويتذكر كيف مشي وركب …إلخ إنه لابد أن يختبر إحساسه بأن يتذكر ماذا كان الناس الذين قابلهم يلبسون والطريقة التي كانوا يمشون بها، وكيف كان الجليد يسحق تحت أقدامهم، وبعد ذلك يستطيع أن يجيب.

3-تركيز الانتباه:

 إننا في الحياة العادية نمشي ونجلس ونتكلم وننظر، ولكننا على خشبة المسرح نفقد كل هذه الملكات. إننا نشعر بقرب الجمهور منا ونتساءل: لماذا ينظر هؤلاء إلينا؟ ومن ثم يجب أن نتعلم من جديد كيف نقوم بكل هذه الأشياء أمام الجمهور.

إن جميع الأفعال التي نقوم بها في حياتنا اليومية تغدو عسيرة عندما تظهر خلف الأضواء وأمام جمهور مكون من ألف مشاهد. وهذا هو السبب الذي كان من أجله ضروريا لنا أن نصحح أنفسنا، وأن نتعلم من جديد كيف نمشي وكيف نتحرك وكيف نجلس وكيف نرقد.

إن الممثل على خشبة المسرح إما أن يعيش داخل نفسه أو خارجها، إنه يعيش إما حياة واقعية أو حياة متخيلة، وهذه الحياة المعنوية تقدم له موردا لا ينضب من مادة التركيز الداخلي لانتباهنا. والصعوبة في استخدام هذه المادة إنما تنحصر في أنها مادة هشة غير متماسكة، إن الأشياء المادية التي تحيط بنا على خشبة المسرح تحتاج إلى انتباه مدرب، أما الأشياء المتخيلة فهي تتطلب قوة من التركيز أكثر تنظيما مما تتطلبه الأشياء المادية. إن للتركيز الداخلي أهمية خاصة بالقياس إلى الممثل، وذلك لأن جزءا كبيرا من حياته يقع في نطاق ظروف متخيلة.

ينبغي للممثل أن يكون دقيق الملاحظة لا على خشبة المسرح فقط، بل في واقع الحياة أيضا. يجب أن يركز تفكيره على الشيء الذي يسترعي انتباهه بكل ما أوتي من قوة. يجب أن ينظر للشيء لا كما ينظر العابر الشارد الذهن، بل يجب أن ينفذ إلى صميمه، وإلا فإن طريقته الإبداعية كلها سوف تنتهي إلى الاختلال وعدم الاتزان.

يجب على الممثل أن يتعلم كيفية النظر إلى الأشياء والإصغاء إليها والاستماع إلى ما هو جميل، فمثل هذه العادات تتسامى بعقولهم وتثير مشاعرهم التي سوف تترك أثارا عميقا في ذاكرتهم الانفعالية.

على الممثل عندما تتضح له الحياة الداخلية للشخص الذي هو موضوع ملاحظاته عن طريق أفعاله وأفكاره ودوافعه أن يتبع أفعاله عن كتب، وأن يدرس الظروف التي يجد نفسه فيها، وعليه أن يسأل نفسه باستمرار لماذا يفعل هذا أو ذاك؟ وماذا كان يتردد في نفسه؟

4-استرخاء العضلات:

على الممثل قبل أن يحاول القيام بعملية الإبداع أن يجعل عضلاته في حالة طبيعية حتى لا تعوق فعله، ولإثبات كيف أن التوتر العضلي يؤثر على التجربة الانفعالية الداخلية عمد “تورستوف” إلى القيام بتجربة مع طلابه والمتمثلة في: لنحاول أن نرفع ثقلا وليكن وزنه أقصى ما تتحمله طاقتنا، وفي نفس الوقت لنحاول أن نصف مشهدا معينا أو نغني أغنية ما. أثبتت التجربة أنه للقيام بكل ذلك يجب أن ندع الثقل وبعد ذلك يمكن أن نكرس أنفسنا لعمل حواسنا الخمس.

إن الإنسان الفاقد الشعور الذي يعاني جسمه كله من آلام التشنج العضلي كفيل بألا يستطيع الشعور بأي حرية على خشبة المسرح، وبالتالي من الضروري على أي ممثل أن يحرر عضلاته.

5-الوحدات والأهداف:

سُئل أحد ربابنة السُفن: كيف يتأتى له أن يتذكر –خلال رحلة طويلة-جميع التفاصيل الدقيقة لساحل من السواحل بمنحنياته وأجزائه القليلة الغور وشعبه الصخرية، فأجاب قائلا: لست ألقى إليها بالا، وإنما أنا التزم خط سير معين لا أحيد عنه.

هذا هو المسلك الذي يجب أن يسلكه الممثل، إذ يجب أن يتقدم في طريقه غير حافل بالتفاصيل العديدة، إنما يكون احتفاله بتلك الوحدات الهامة التي تعين خط سيره وكأنها الإشارات، وتجعله لا يحيد عن الاتجاه الإبداعي الصحيح.

أما عن طريقة التقسيم فتمر انطلاقا من الأسئلة التالية: ما هو لب المسرحية، وما هو الشيء الذي لا يمكن أن توجد المسرحية إذا لم يوجد؟ وبعد ذلك تأتي مرحلة دراسة النقاط الرئيسية دون التورط في التفاصيل.

هناك عدد لا متناهي من الأهداف على خشبة المسرح، لكن ليست كلها ضرورية أو جيدة. يجب على الممثل أن يتعلم كيف يميز بين الغث والثمين منها كيف يتجنب الأهداف غير المجدية.

6-الإيمان والإحساس بالصدق:

لبلوغ درجة الصدق يجب على الممثل أن يستخدم أداة ترفعه إلى مستوى الحياة التخييلية. هناك يخلق لنفسه ظروفا متخيلة تناظر ما كان يقوم به في الواقع، وتخيل هذه الظروف كفيل لبلوغ درجة الخلق والإبداع على خشبة المسرح.

إن الصدق على خشبة المسرح هو كل ما يمكن أن نؤمن به إيمانا حقيقيا من أفعال أو أقوال تصدر منّا أو من زملائنا.

إن الصدق والإيمان صنوان لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. كلُّ ما يحدث على خشبة المسرح يجب أن يكون مقنعا للممثل نفسه ولزملائه وللجمهور.

7- الذاكرة الانفعالية:

الذاكرة الانفعالية هي قدرة الممثل على استعادة شعور انفعالي لموقف معين والفرق كبير بين أن يعيش الإنسان الشعور الانفعالي لأول مرة وبين أن يستعيد ذلك الشعور، ففي المرة الأولى يكون الشعور حارا وصادقا، أما عندما يستعيده فيكون خفيفا وذلك لأن الانفعال تخف حدّته مع مرور الزمن وهذا أحسن وإلا ظل من يعاني من عذاب فراق شخص معذبا طوال حياته هكذا، لذا فالممثل عندما يستعيد ذاكرته الانفعالية يجب أن يبعث فيها تلك الحرارة التي اتصف بها شعوره لأول مرة.

8-الاتصال الوجداني:

الاتصال بين الناس مهم في واقع الحياة، لكن على خشبة المسرح فهو أكثر أهمية لأن الاتصال الوجداني من خصوصيات المسرح، إذ لا يمكن أن نتصور أن يجمع المؤلف بين شخصين على المنصة لا يعرف أحدهما الآخر فحسب، بل يرفضان التعارف وتبادل الأفكار والمشاعر.  أو يخفي كل منهما هذه الأفكار والمشاعر على الآخر بأن يجلس كل منهما في طرف من المنصة.

في هكذا ظروف لا يعود ثمة مبرر لدخول المتفرج إلى المسرح مادام أنه لن يجد في المسرح ما جاء من أجله، أعني إحساسه بمشاعر الأشخاص المشتركين في المسرحية واكتشافه لأفكارهم.

وللاتصال الوجداني ثلاثة أوجه:

-الاتصال الوجداني المباشر بالشخص موضوع الحديث أي بالزميل الموجود على المنصة، والاتصال غير المباشر بالجمهور.

-اتصال الممثل بنفسه اتصالا وجدانيا.

-الاتصال الوجداني بشخص غائب أو بشخص من صنع الخيال.

9-التكيف:

يقصد بالتكيف تلك الوسائل الإنسانية الداخلية والخارجية، التي يستخدمها الناس للتوفيق بين أنفسهم وبين الآخرين لإقامة علاقات بينهم وبين غيرهم. كما يستخدمونها كعامل مساعد لتحقيق هدف معين، وإننا نلجأ إلى وسائل التكيف في جميع صور الاتصال حتى مع أنفسنا لأننا يجب أن ندخل في حساب الحالة النفسية التي نكون عليها في أية لحظة.

إن توفيقنا بين نفوسنا وظروفنا ونحن وحيدون في هدأة الليل يختلف عنه ونحن بين الناس، عندما نصل إلى بلد أجنبي فإننا نهتدي إلى طرق تكيف نفوسنا بما يلائم الظروف المحيطة بنا.

كل أنواع الاتصال، كالاتصال الذي يتم بين جماعة من الناس مثلا، أو الاتصال بشيء خيالي أو بشيء حاضر أو غائب، كل هذه الاتصالات تتطلب طرقا للتكيف خاصة بكل منها، ونحن نستخدم حواسنا الخمس جميعا وكل عناصر تكويننا الداخلي والخارجي للاتصال، فنحن نرسل أشعة ونستقبلها، ونستخدم أعيننا وتعبيرات وجوهنا، وأصواتنا ونبراتنا، وأيدينا وأصابعنا، وأجسامنا كلها، وفي كل حالة نحقق أشكال التكيف المناسبة التي تقتضها الظروف.

10-القوى المحركة الداخلية:

 أشار تورتسوف في مقدمة الدرس إلى طلابه قائلا: إننا نستطيع أن نقول أن أداتنا الداخلية على استعداد للقيام بعملها، وكل ما نحتاجه هو موسيقار فذ ليعزف عليها، فمن عسى أن يكون هذا الأستاذ؟ أو المحرك؟

إلا أنه في الحقيقة ليس هناك محركا واحدا وإنما مجموعة من المحركات تعمل في آن واحد للدفع بعملية الإبداع:

الشعور: ليس الشعور طيعا أو على استعداد لتلقي الأوامر، وبما أننا لا نستطيع أن نبدأ عملنا ما لم تعمل مشاعرنا من تلقاء ذاتها فمن الضروري أن نلجأ إلى محرك آخر وهو العقل.

العقل: هو الذي يبدأ الخلق أو الإبداع وهو من يوجهه.

أما المحرك الثالث فهو الإرادة.

وبهذا تصبح لدينا ثلاث محركات تشكل فيما بينها ثالوثا مهيمنا، ترتبط أجزاؤه وتتشابك لا انفصام له، فإن ما نقوله عن إحداهما نقوله عن الآخرين بالضرورة، تعمل هذه القوى الثلاث في وقت واحد وفي اتصال وثيق عندما نشرك عقولنا في العمل فإننا نحرك في الوقت نفسه إرادتنا ومشاعرنا ونحن لا نستطيع الخلق والإبداع في حرية إلا عندما تتعاون هذه القوى فيما بينها في تآلف وانسجام.

11-الخط المتصل:

 استهل هذا الدرس بالتركيز على أهمية الخط المتصل وعلاقته بالعمل الإبداعي، إذ على الممثل أول الأمر أن يصل إلى فهم عام لمغزى المسرحية، على اعتبار أن الوصول إلى أعماق المسرحية لا يتأتى إلا بعد دراستها بعناية.. قبل فهم المسرحية والتماهي معها يكون تيار أفكار الممثل مفككا ومتقطعا.. ولا يصل إلى الخط المتصل إلا عندما يهتدي الممثل إلى فهم أعمق لدوره، وإدراك تام لهدف الدور الأساسي وفي تلك اللحظة فقط يكون من حقنا أن نتحدث عن بداية العمل الإبداعي.

إن الممثل والدور يعيشان من الناحية الإنسانية بواسطة الخطوط المتصلة وذلك ما يهب الحياة والحركة للشيء الذي يقوم به الممثل بأدائه فإذا توقفت تلك الخطوط توقفت الحياة وإذا دبت الحياة فيها من جديد استؤنفت الحياة.

إن المؤلف المسرحي لا يعطينا إلا دقائق قليلة من حياة شخصياته، إنه يحذف قدرا كبيرا مما يحدث خارج المسرح وفي كثير من الأحيان لا يقول شيئا البتة عما وقع لشخصياته وهم خارج المنصة ولا عما يجعلهم يتصرفون بالطريقة التي يتصرفون بها عندما يعودون إلى المسرح وعلينا أن نكمل لما يتركه هو دون أن يذكر عنه شيئا فإن لم نفعل هذا لم نجد سوى نُتف وقطع صغيرة مما يمكن أن نمثل بها حياة الأشخاص الذين نصورهم، وهذا غير ممكن لذا وجب علينا أن نخلق خطوطا متصلة نسبياـ

إن انتباه الممثل ينتقل باستمرار من شيء إلى آخر وهذا التغير المستمر في بؤرة الانتباه هو الذي يكون الخط المتصل، ولو أن ممثلا تشبت بشيء واحد أثناء فصل بأكمله أو مسرحية بأكملها لا ختل اتزانه الروحي ولأصبح ضحية فكرة واحدة.

12-حالة الإبداع الداخلية:

كيف يعبر عازف البيانو عن عواطفه؟ إنه يذهب للبيانو ليفعل هذا. أين يذهب الرسام؟ إلى لوحته وفرشاته وألوانه. أما الممثل فيلجأ إلى أداته الروحية والجسمانية الخلاقة. ويتضافر عقله وإرادته ومشاعره لتعبئة جميع عناصره الداخلية وهذه جميعا تستمد الحياة من القصة الخيالية التي هي المسرحية فتجعلها تبدو أكثر واقعية كما تجعل أهدافها تقوم على أسس أفضل، وتتجه عقد المسرحية وتتقدم نحو الأهداف الإبداعية الخلاقة.

إن أغلب الممثلين يلبسون ملابسهم ويضعون الماكياج قبل التمثيل حتى يقارب مظهرهم الخارجي المظهر الخارجي للشخصية التي سيقومون بتمثيلها. ولكنهم ينسون أهم جزء في هذه العملية كلها ألا وهو الاستعداد الداخلي فلماذا يكرسون مثل هذا الاهتمام غير العادي لمظهرهم الخارجي؟ لماذا يعنون بمكياج وجوههم ولبس ملابس الدور ثم لا يعنون بماكياج أرواحهم وإلباسها ملابس الدور أيضا.

13-الهدف الأعلى:

إن كل ما يصدر عن الممثل من أفكار ومشاعر وأعمال مما هو من وحي التخيل، يجب أن يتجه إلى تحقيق الهدف الأعلى الذي توحي إليه عقدة المسرحية.

كلما كان العمل الأدبي عظيما، ازدادت جاذبية هدفه الأكبر أي غايته العليا، وإذا كانت المسرحية تنقصها تلك اللمسة الساحرة التي يدعونها لمسة العبقرية عندئذ تكون الجاذبية أضعف بشكل واضح أما في مسرحية رديئة فيجب على الممثل أن يكتشف الهدف الأعلى بنفسه وأن يجعله عمقا وأكثر جلاءً،

يجب أن تتجه جميع الخطوط الصغرى نحو نفس الهدف وتندمج في تيار رئيسي واحد. إن كل فعل يقابله رد فعل. ورد الفعل هذا يقوي بدوره الفعل وفي كل مسرحية تجد إلى جانب الفعل الرئيسي رد فعله المضاد، وهذا ما يسعدنا؛ لأن نتيجته المحتومة المزيد من الفعل تترتب علي تتطاحنها والتي تتطلب حلا وذلك أن تطاحن الهدف يؤدي إلى النشاط الذي هو أساس فننا. وفي الحقيقة يمكننا تلخيص منهج إعداد الممثل في ثلاثة عناصر هي:

الإدراك الداخلي/خط الفعل المتصل الذي يربط أحداث المسرحية/ العقل الباطن.

14-العقل الباطن:

إن عقلنا الواعي يرتب ظواهر العالم الخارجي المحيط بنا، ويدخل عليها قدراً معينا من النظام؛ ليس ثمة خط واضح يفصل بين التجربة الشعورية والتجربة اللاشعورية.

إن الممثل يعيش على المسرح من خلال ذكرياته الانفعالية المستمدة من وقائع الحياة، وفي بعض الأحيان ترقى هذه الذكريات إلى درجة من الوهم تجعلها تبدو كالحياة نفسها.

يوجد تطابق بين الذكريات العاطفية وبين المشاعر التي يتطلبها الدور، والتشابه الناتج من هذا التطابق يقرب الممثل من الشخصية التي يصورها، وفي مثل هذه الظروف يشعر الفنان المبدع باندماج حياته في حياة دوره، وأن حياة دوره هي نفسها حياته الشخصية، ويؤدي هذا الاندماج إلى حدوث تحول في شخصية الممثل يشبه المعجزة؟

كما أن هناك أشياء أخرى غير هذا التطابق بين الحياة الواقعية والدور التمثيلي من شأنها أن تدخلنا إلى منطقة “العقل الباطن” ففي كثير من الأحيان يقع حادث خارجي بسيط لا علاقة له البتة بالمسرحية أو الدور أو ظروف الممثل الخاصة، فيبعث في المسرح فجأة موجة من الحياة الحقيقية، ويدفعنا في الحال دفعا إلى إبداع لاشعوري. حتى وإن كان سقوط منديل أو انقلاب أحد الكراسي.. إذ يضطر الممثل إلى التقاط المنديل أو الكرسي بطريقة تلقائية لأنه لم يتدرب على ذلك في المسرحية، فهو لا يفعل ذلك بوصفه ممثلا ولكن بوصفه إنسانا عاديا، وهذا يخلق شيئا من الصدق يجد الممثل نفسه مضطرا بسببه إلى الإيمان به، ويبرز هذا الصدق باعتباره شيئا يختلف تمام الاختلاف عما يحيط بالممثل من أشياء تقليدية مكيفة، وبالأحرى تجري وفقا لخطة موضوعة وإعداد سابق.

إن مجيء الإلهام لا يحدث صدفة. لذلك ينبغي أن نركز تفكيرنا في فيما يبعث الحياة في قوانا الإبداعية الداخلية فيما يؤدي إلى تحقيق المزاج النفسي الداخلي الخلاق في نفوسنا. ولنفكر في هدفنا الأعلى وفي خط الفعل المتصل الذي يؤدي إلى ذلك الهدف.

الحسين الرحاوي – المغرب

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح