إدوارد ألبي.. مغادرة مسرح بثلاث أذرع

نوال علي 
 
“الناس تنام في الليل لأنها تخشى الظلام”، تقول أغنيس، الشخصية الرئيسية في “توازن دقيق”، إحدى مسرحيات الكاتب الأميركي إدوارد ألبي (1928 – 2016)، الذي رحل الجمعة الماضي.
معظم أعمال ألبي يلفّها الظلام، تدور بعد أن ينتهي كل شيء، فالظلام بالنسبة إليه أوضح لحظات الحياة، وهو كذلك بالنسبة لشخصياته، سنجد تعبيراً يقرّبنا من هذه الفكرة في “ثلاث نساء طويلات” (كُتبت عام 1990)، حيث امرأة في التسعين وأخرى في الخمسين وثالثة في العشرين، تحاول كل واحدة تحديد “أسعد لحظات حياتها”، ليُترَك أمر الإجابة الأصدق لتلك التسعينية التي ستعلن “حين ينتهي كل شيء، حين نتوقّف، حين نستطيع أن نتوقّف”. ربما من هنا يصل الشعور لقارئ مسرحيات ألبي بأنها قصص تبدأ حين تقترب من نهايتها.
حتى حين يستخدم ألبي النهار، يوظّفه كلحظة منبوذة تسبق الليل، لحظة يُنتظَر انتهاؤها، ذلك واضح في “صندوق الرمل” (كُتبت عام 1959)، فجأةً ستخاطب الجدّة في المسرحية أحد المشتغلين في المسرح، لتقول له: ألا ينبغي أن يحلّ الظلام الآن؟”، فيختفي ذلك النهار الشديد، وتعتم الخشبة على الديالوغ الأخير بين الجدّة والحفيد (ملك الموت).
يضع جانباً كل ما أضافته الحضارة إلى الإنسان المعاصر
 
يدير ألبي معظم حوارات شخصياته في وقت متأخّر، حيث لا انهماكات سوى تلك العاطفية والجنسية والنفسية، الليل ضروري بوصفه مكاناً تترعرع فيه العلاقات الزوجية ويُسمَح للذكريات بأن تتنفّس وتتشاجر مع الحاضر وتكشف حقيقته وتخرّبه.
في مسرحيته الأبرز “من يخاف فرجينيا وولف؟” (كُتبت عام 1961)، تبدو الشخصيتان الرئيسيتان، مارثا وجورج، وكأنهما نسخة أولى من أغنيس وتوبي في “توازن دقيق” (كتبت عام 1966). وفي كلا العملين، تمتد ثلاثة فصول من الحوارات الغرائبية لشخصيات شبه مجنونة من الليل حتى الصباح.
مارثا وجورج، زوجان في الخمسين من الطبقة المتوسّطة (صفات معظم شخصيات ألبي)، كل منهما على حافة الانفجار. تدعو مارثا الزوجين الشابين نيك وهوني، ويتسبّب اللقاء الرباعي في تفكيك العلاقات وتعقيدها في آن.
ثمّة وهمٌ وكذبة في كل علاقة، مارثا وجورج لا يستطيعان الإنجاب فيتفقان على تخيّل ابن، شرط أن يحتفظا بالوهم لنفسيهما. هوني تدّعي أنها حامل، لتدفع نيك إلى الزواج منها، وبعد الزواج يختفي الحمل. ثمّة أمومة وهمية إذن، هي الحامل الوحيد للشراكة هذه، التي تنتهي مع إعلان جورج أن ابنهما قد مات، وتُطلِق مارثا صرختها “لا يمكنك فعل ذلك”، لا يمكن قتل الابن، لا يمكن إنهاء الزواج.
العلاقة الاجتماعية بين الشخصيات الغريبة عن بعضها، لا تختلف عن العلاقة بين الأقرباء في أعمال ألبي، لذلك يلجأ إلى حيلة واحدة تقريباً في غالبيتها، ثمّة عائلة وضيوف عليها؛ ينسج الكاتب من علاقة العائلة/ الزائرين شبكة صيد كبيرة تلتقط عيوب العلاقات، الأحقاد القديمة والمسكوت عنها والرغبات.
 
يُقدّم تجارب الفرد مع الخوف والرفض والفرص الضائعة
 
هناك عدائية واستفزاز دفين في كل شخصية تجاه الأخرى، الأزواج في “من يخاف فرجينيا وولف؟”، والضيوف في المسرحية نفسها، والأم والابنة في “توازن دقيق”، وجيري وبيتر الغريبين في “قصة حديقة حيوان”، والجدّة وزوجة الابن في “صندوق الرمل” و”الحلم الأميركي”. الأمر يتعلّق بمنطقة اشتغال ألبي وهي العائلة وتعقيداتها وأسرارها وخداع أفرادها والشعور بالاغتراب فيها وعنها.
ما يفعله ألبي هو تجويف الإنسان من الداخل، إفراغه ممّا فيه، إخراج كل شيء أضافته الحضارة إلى الإنسان، كأنه يستعرض ما يحتويه كيس مشتريات. لينتهي الأمر بشخصية بدائية، تظهر الجوانب الحيوانية منها. من هنا، يمكن فهم تسمية نصّه المسرحي الإشكالي “قصّة حديقة الحيوان”.
في هذا العمل، يجلس بيتر على مقعد في حديقة ويلتحق به جيري، بيتر هو شخصية ألبي المفضّلة، زوج وأب مستقر في وظيفة، في الخمسين من العمر، من الطبقة المتوسّطة، نموذج لرب العائلة الأميركية. بيتر متشرّدٌ مزعج يبدأ في استفزاز جيري.
المدهش في هذه المسرحية هو القدرة على بناء علاقة قوية صدامية وحميمة في آن، بين غريبين يلتقيان في مكان عام، وألبي يحقّق ذلك من خلال أسئلة بيتر التي تتسلّل شيئاً فشيئاً إلى حياة جيري الخاصة، وتكشف عن سخط هذا على حياته.
من الواضح أن بيتر يتحدّث إلى جيري بهدف التنمّر عليه ومضايقته، يبدأ في دفع جيري إلى حافة المقعد، يقول له “دافع عن منطقتك”، يخرج سكّيناً ويلقيها أمامه، يلتقطها جيري فيرمي بيتر نفسه عليها منتحراً ومجبراً رجل العائلة العادي على إظهار حقيقته؛ على التحوّل إلى قاتل. أين هي حديقة الحيوان؟ هل هي في “سنترال بارك” نيويورك، حيث مقعد عمومي يجلس عليه بيتر وجيري، هل هي هذه المسرحية، أم أنها في بيت جيري، حيث الزوجة والبنتان والقطتان والببغاوان؟
هذه هي أول مسرحية كتبها ألبي سنة 1958، وكانت من فصل واحد. بعد ثلاثين عاماً، سيقوم الكاتب بإعادة كتابتها في فصلين، الأول بعنوان “في البيت” والثاني “في حديقة الحيوان”، معتقداً أن إظهار زوجة جيري وعائلته أمر جوهري كان أغفله. يقول ألبي إنه لطالما شعر أن شخصية بيتر كاملة، وأن جيري عظام لم يكسُها باللحم.
سيحتجّ النقّاد، فالمسرحية بنسختها الأصلية من كتابة شاب مندفع في التجريب، والنسخة الثانية كتبها رجل مسن وناضج أفسد “قصة حديقة الحيوان”. سيمنع ألبي، في رد فعل صادم على منتقديه، أي تمثيل للنسخة الأولى من المسرحية؛ لقد انتهت “قصة حديقة الحيوان” كما عرفها ملايين القرّاء في العالم. في “تمارين إطالة لعقلي”، كتابه الذي يضمّ مجموعة مقالات، يقول ألبي “لا شي أفعله يفاجئني، بعض منه يثير اهتمامي، وبعضه لا. لكن أياً منه لا يفاجئني”.
رغم أن “قصة حديقة الحيوان” هي أولى مسرحياته، لكنها تبدو مثل خلاصة منجزه بموضوع يمكن تعميمه على بقية أعماله؛ تفكيك الإنسان المتحضّر، وفضح لحظات الزلل إلى الغرائز الأولى، والمشاعر الانتقامية والكراهية المتوارية بين أفراد العائلة الواحدة وبين العائلة والمجتمع.
“الحلم الأميركي” (كتبت عام 1960) مثال مرعب على هذا النموذج، حيث لا شيء يقف وراء الحلم ويبقيه حياً سوى العنف. في هذه المسرحية، بدأ ألبي يظهر ككاتب محترف، وظهرت مادته الخام التي سيصنع منها مستقبله المسرحي، سيتعمّق موضوعه فيها ويتسّع، ومن هذه المسرحية بدأت لغته تميّز نفسها وتتفرّد.
تفتح المسرحية على “مامي ودادي” ينتظران السيدة باركر، هناك الجدّة التي تسيء ابنتها معاملتها وتهدّدها بالتخلص منها، إنها نفس الجدة في مسرحية “صندوق الرمل” التي تُترك لتموت فيه على الشاطئ.
نفهم من كلام الجدّة أن الزوجين تبنّيا طفلاً قبل عشرين عاماً ليجلب لهما الفرح، لكنه فشل في ذلك فقاما بتعذيبه وتشويه أعضائه والتنكيل فيه إلى أن مات، والآن يريدان استرداد نقودهما عبر السيدة باركر مسؤولة مؤسسة التبني التي باعت لهما طفلاً معطلاً، لا يشتغل، لا يجلب الفرح كما كان الغرض منه (ألبي نفسه كان متبنّى وهرب/ طُرد من عائلته، وفي إحدى مقابلاته يقول: “لم يعرفا كيف يكونان أبوين ولم أعرف كيف أكون ابناً”). مرة أخرى يضع الكاتب علاقة البنوّة والأبوة والأمومة ضمن العلاقات الاستهلاكية المنحرفة.
من “الحلم الأميركي”، يقول ألبي، أنه استخرج الكثير من شخصيات مسرحياته الأخرى، سنعثر على مامي ودادي في “مشهد بحري” (1974)، نانسي وشارلي، زوجان من الطبقة المتوسطة في أواسط العمر جالسين على الشاطئ، تستشكف الزوجة شعورها بعد عقود من الزواج، وتعقد أن الحياة الزوجية الجيدة التي عاشتها كانت محدودة، كذلك الزوج لديه نفس الشعور لكنه ينكره.
يلجأ ألبي إلى الحيلة المفضلة لديه، لا بد من زوّار للزوجين ليفقأ العلاقة ويخرج كل القيح الذي فيها. لكن زوّار مسرحية “مشهد بحري” ليسوا بشراً، بل سحليتين (زوجين) خرجتا من البحر، كل واحدة بحجم إنسان (سارة ولزلي)، يدور بين الأربعة حوار سريالي بين بشر وسحالي بمنطق “برمائي” مزج فيه الكاتب الحيواني بالإنساني.
يُلزم ألبي نفسه دائماً بثلاثة عناصر في النص. إنه مثل شخصية “هو نفسه” في عمله “الرجل الذي كان له ثلاثة أذرع”، نحتاج إلى رجل وامرأة وعنصر ثالث، نحتاج إلى ثلاثة فصول عادة، نحتاج إلى الفرد والعائلة والمرآة.
مسرح ألبي هو تجارب الفرد مع الخوف والرفض والفرص الضائعة والشعور العميق بالوحدة، أو تلك الأمور الكثيرة التي يلعنها هاري في “توازن دقيق”: “هناك الكثير، الكثير جدّاً من خيبات الأمل، الكثير من التهرّب، الكثير ممّا نتذكّر أننا أردنا، والقليل الذي اكتفينا به، أحياناً نتحدّث عنه، ومعظم الوقت لا نفعل”.
 
————————————————————–
المصدر : مجلة الفنون المسرحية –  العربي الجديد 

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.