أخبار عاجلة

أين وصل النقد الفني؟.. نقد التجربة! – علي عليان #الأردن

عليان
علي عليان

كانت مقالة عن المسرح او قراءة نقدية لعرض مسرحي للبناني بول شاؤول تحرك الساكن وتجعل الدماغ في حالة من الصراع الداخلي.. لتعيد قراءة المقال عدة مرات وفي كل قراءة تكتشف في زاوية معينة وصفا دقيقا جديدا لمضمون العرض المتناول، وما كان يكتبه شاؤول من اعمدة يومية في الصحف اللبنانية عن المسرح او الشعر او نقد مسرحي لتجارب مسرحية عربية لمخرجي هذه المسرحيات وهم على الصعيد الشخصي أصدقاء له وهؤلاء الاصدقاء ينتظرون المقال النقدي بفارغ الصبر وينتظرون ما سيقدم بول من قراءة نقدية قائمة على التحليل الموضوعي والتي تستشف الرؤى الواضحة التي ارادها المخرج وفريق العمل او المخفي وغير المكتشف لدى المخرج.
وربما يكون هذا المخرج: كرم مطاوع او اسعد فضة او حاتم السيد او سعد اردش او زياد الرحباني او المنصف السويسي او عوني كرومي أو أحد العديد من المخرجين الكبار الذين شكلوا حراكا ثقافيا هاما في الذاكرة، ومخزونا معرفيا اثرى ثقافة المشتغل في الحقل المسرحي الذي اتخذ المسرح وسيلة حياة له بكل شغف وبكل وعي معرفي بضرورة المسرح كمشروع ثقافي حضاري يؤسس عليه لكافة الحقول الفنية الاخرى ومن ثم يعكس حضارة وتطور الامم ، واذا دققنا الوضع فاننا نجد بأن بول شاؤول هذا الناقد والشاعر اللبناني المخضرم كان فعلا صديقا مقربا جدا لهؤلاء المخرجين الذين ذكرت ولكنهم يخشون قلمة وقراءته النقدية لتجاربهم المسرحية!!.
لا مجاملات في الفن وتحديدا في المسرح فالقراءات النقدية الجادة للعروض المسرحية سواء سلبا او ايجابا انما هي حالة تلاقح واثراء بين الفكر والفكر وبين الخيال والخيال وكلاهما مكملان لبعضهما البعض من اجل انضاج التجربة وعلى قاعدة ان العرض المسرحي قابل للتطوير والتحديث في كل لحظة وفي كل جديد عرض يقدم ، فاذا تباعدت العروض وتكررت تجد ان هناك نضوجا ووعيا مختلفا عما قدم سابقا وهذا مطلب فني بناء على وعي نقدي حقيقي قائم على الاختلاف والاقناع فاذا اختلفت رؤى المخرج مع قراءة الناقد واصبح هناك وجتهان للنظر وتمت مناظرة نقدية تطبيقية او نقاشا خاصا او عاما فربما يقنع كل جانب الاخر برأيه وتعود الحياة الى مستقرها بعد جلسة نقدية او حوارات نقاشية عالية المستوى في المفهوم المسرحي وهذه الحوارات كانت اغلب كواليس المهرجانات المسرحية العريقة كمهرجان القاهرة التجريبي وايام قرطاج ومهرجان دمشق ومهرجان بغداد ومهرجان المسرح الاردني وايام الشارقة المسرحية والكويت المسرحي والعديد من المهرجانات المسرحية التي كانت في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي حيث كان بول شاؤول حاضرا جلها من اجل ان يقدم رأيه او قراءاته المسرحية وعلى مبدأ ان النقد يحاكي التجربة ويطور من ادواتها .
أين النقد الآن ؟؟
“لا عاد في محاكاة ولا رغبة في تطوير الادوات !”
هذا عملي المسرحي خذوه كما هو وممنوع عليكم أي نقد او رأي سلبي مخالف لرأيي والا الويل والثبور لكم ! وهنا ربما ينفرد صاحب التجربة المسرحية ليلا بنفسه لاستنباط كل انواع الشتائم والردح للرد على صاحب اي رأي سلبي بعرضه المسرحي !
العديد من “المشتغلين” في المسرح، وهنا اضع قوسا على كلمة المشتغلين، اصبح اغلبهم يستكتب بعض الاقلام المأجورة او المرتزقة للكتابة عن عرضه المسرحي مجترحا الغزل والمديح والنبوغ والرؤى الخارقة للمخرج وفريقه المسرحي قاعدة للسمو وبكل فخر يكون قد اتخذ هذا الامر وسيلة وطريقا يهدم بها اهمية النقد للعرض المسرحي ويضر بتطوير الحالة المسرحية من اجل اثبات الذات وفي الغالب ان صاحب هذا العرض يحتاج الى جهد نقدي كبير ونقاش معمق وموسع لعرضه من اجل تطوير ادواته حتى يقال عنه مسرحي او قدم تجربة مسرحية جيدة وهذا النموذج من النقاد او المنتقدين او مدعي كل ذلك شكل حالة ورواجا لدى هؤلاء “ المشتغلين. “
النموذج الثاني لما يسمى نفسه بالناقد واحيانا يضيف على نفسه لقب المخرج وهذا النموذج يقيس قراءته النقدية لعرض مسرحي وفق علاقته الشخصية ومستوها وتشتم من القراءة اذا كان يحب هذا المخرج او يكرهه او له موقف خاص منه او دعاه او لم يدعه على مناسبة فنية ، وهنا يقوم هذا النموذج من اول كلمة حتى آخر كلمة بشطب تاريخ هذا المخرج والغائه تماما بل واعتبار المخرج فاقدا للاهلية لأن يكون مخرجا والغاء الطاقم الفني والممثلين وان هذا العرض كان يجب الا يمول انتاجيا !!! بالمقابل ايضا يقوم برفع قيمة عمل فني دون المستوى ويحمل هذا العمل الرداءة الفنية في كل محتواه ويعتبره انموذجا للمسرح الذي يريد بما انه بالاصل مخرجا او شهادته العلمية في الاخراج ولكنه لم يخرج في حياته سطرا او مشهدا او سكتشا خارج اسوار الدراسة والتدريس ففقد الاهلية الفنية فلجأ الى هدم بناء الاخرين من خلال وسيلة النقد .
اما النموذج الاسوأ الذي يقدم رأيه عبر وسائل التواصل الاجتماعي المتاحة بكل يسر وسهولة على غير زمن شاؤول والمتاح لكل اصدقاء الممثلين واصدقاء المخرج عبر التمجيد والاشادة والوصف الخارق واطلاق القاب غير بريئة ومحتواها رنان يطرب الاذن ونتيجتها سلبا مستقبلي واضح لصاحبها ومن هذه الالقاب ، سيد المسرح ، وغول المسرح ، فارسة المسرح ، فراشة المسرح ، الاخطبوط، العملاق ، الجاد فاذر وربما تشبيه المخرج بصاحب مدرسة فنية مثل برخت الجديد او مايرخولد المسرح او شكسبير العرب وغيرها من الالقاب الرنانة والاسوأ ان من يوصفون بهذه الالقاب يستمرأونها ويبدأون باطلاقها على انفسهم ويتحدثون بها في الجلسات الخاصة بكل شغف وحيوية وهمة ونشاط .
واخيرا فان هناك نموذج استمر بين كل المراحل الفنية إذ عاصر فترة النقد الحقيقي والتي استشهدنا بها بتجربة بول شاؤول واتخذناه كانموذج حي إذا كان هناك العديد من النقاد الذين إذا كتبوا أجادوا وأبدعوا وفعلا يقدمون محاكاة ومحاكمة للتجربة المسرحية ومنهم على سبيل المثال نهاد صليحة وناهد عز العرب وعبدالرحمن بن زيدان وعواد علي وعبيدو باشا وحسب الله يحي ومحمد الروبي وانور محمد والعديد من الأسماء الكبيرة فمنهم من استمر وفق فهمه بحقيقة المسرح ومنهم من آثر الابتعاد لرداءة الحالة الفنية ومنهم من استمر واصبح عابرا للمهرجانات مادحا وواصفا التجارب المسرحية وفق أهمية كل مخرج في بلده واصفا إياه بابهى عبارات التمجيد ويستمر في تقديم مقالات مديح الظل العالي لكل مهرجان يدعوه ليكون حاضرا ويصف المهرجانات الاخرى بشتى عبارات القبح والشتم والحط من قيمتها رغم تميزها في اختيارات عروضها ويننح لنفسه النبوغ في تصنيف المهرجانات حسب دعوتها له ، وهذا النموذج متوفر بكثرة في اروقة المهرجانات لا لنقد التجارب المسرحية وقرائتها وانما لتمجيد تلك المهرجانات ووصف برامجها بالخارقة وان كانت هذه البرامج مكررة وضعيفة ومحتواها ركيك وضعيف .

علي عليان – الأردن

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح