أخبار عاجلة
د. أحمد شرجي

أيام الشارقة المسرحية تناقش المسرح العربي وتحديات الراهن

على هامش أيام الشارقة المسرحية في دورتها الخامسة والعشرين التي امتدت من 17 مارس 2015 إلى غاية 26 منه،انعقد الملتقى الفكري الذي انفتح على الراهن المسرحي الذي تعيشه المنطقة العربية التي تعاني من أزمات متسارعة، بشكل يصعب معه تشكيل رأي أوموقف إزاء ما يحدث، لأنه حتما سيكون متسرعا وعاطفيا، بحكم المتغيرات اليومية التي تفرضها المنطقة ديمغرافيا، واقتصاديا، وسياسيا، وثقافيا.

ومن هذا المنطلق، اتخذ الملتقى لنفسه عنوانا مضيئا هو: (المسرح العربي وتحديات الراهن)، وذلك على مدار جلستين متتاليتين، حملت الجلسة الأولى عنوانا فرعيا وهو: (المسرح العربي الآن: الموقع والأثر)، وتعاقب على إدارتها كل من الدكتور محمد يوسف والأستاذ نجيب الشامسي. بينما حملت الجلسة الثانية العنوان التالي: (المسرح في مواجهة التحديات: تجارب الأمس واليوم) وأدارتها الدكتورة ليلى محمد والدكتور حميد علاوي.

أراد المنظمون لهذا الملتقى البحث عن الهوية التي اكتسبها المسرح في المنطقة العربية بعد تحديات سياسية واقتصادية متسارعة، أهمها الثورات التي حملها الربيع العربي الذي كان شتاء قاسيا ملبدا بالغيوم … فما الذي يتوجب على المسرح أن يقدمه في ظل كل تلك المتغيرات؟ وهل مهمة المسرح العربي المساهمة في ذلك التغيير؟ وماهو دور المسرح: هل يبقى نخبويا، متعاليا على جمهوره؟ أم ينزل إلى الشارع ومع الناس يتلمس شظايا العنف والدموية؟ وهل مهمة المسرح تغييرالأنظمة؟ أم أن له وظيفة جمالية بحتة، وليس خلق التحريضوالتنوير الاجتماعي والثقافي؟…

لقد شكلت أوراق الباحثين في اليوم الأول للملتقى مساحة كبيرة للجدل المعرفي والمسرحي تجاوزت الزمن المحدد للجلسة، واحتدم النقاش حول تحديد دور المسرح.

* محمد المديوني… يستحضر الشيخ سعيد الغبرا

وكان أول المتحدثين الدكتور محمد المديوني (تونس) وعنون ورقته بـ:(أبو الفنون: حياة مسرحية أو لايكون). وطرح المديوني سؤالا مهما: هل المسرح حاجة أم ضرورة؟. وفي ظل ما تشهده المنطقة العربية من متغيرات يومية وأحداث متسارعة، قدم المديوني مقاربة سوسيولوجية ومسرحية لموقف الشيخ سعيد الغبرا من المسرح الذي قدمه أبو خليل القباني من أعمال تاريخية غنية بالموسيقى والأناشيد الدينية،وتآليب السلطان العثماني على ما قدمه القباني.

وفي هذا السياق، تناول المديوني شخصيات تاريخية مثل: هارون الرشيد التي كانت سببا في عريضة الشكوى التي قدمها الشيخ سعيد الغبرا إلى السلطان: “أدركنا يا أمير المؤمنين، فأن الفسق والفجور، قد تفشيا في الشام فهتكت الأعراض، وماتت الفضيلة، ووئد الشرف وأختلطت النساء بالرجال” (1). وأدت تداعيات هذا الخطاب إلى إحراق مسرح القباني وهروبه إلى مصر.

ولم يكن السبب أخلاقيا كما أشار إلى ذلك الغبرا، بل كان سببا سلطويا تمثل في  الحضور الاجتماعي لرجال الدين داخل المجتمع.فقد أراد الشيخ الغبرا ومن معه بسط نفوذهم الاجتماعي وسلطتهم الرديكالية بإيقاف تدفق الفكر التنويري الاجتماعي. فالعروض التي قدمها القباني لم تكن مجرد ممارسة مسرحية هدفها التسلية والمتعة، بل حملت (أبعادا أخرى غير مباشرة، إلى جانب الفن المسرحي. حملت الأفكار المتنورة التي ترافقت مع النهضة العربية، وجسدت سيرورة التحول الاجتماعي آنذاك، حيث بدأت طلائع البرجوازية تحتل مكانها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، على حساب الإقطاع. وبما إن هذا الأخير، كان حليفا لرجال الدين، يمنحهم الأموال والعقارات، كان طبيعيا أن تأتي الضربة التي قصمت ظهر القباني وما يمثله مسرحه، من الرجعية الدينية) (2).

وهو ما أكده الكاتب الراحل سعد الله ونوس حين حدد أسباب الحملة الرجعية فيما هو سياسي، لإجهاض فكرة التغيير الاجتماعي آنذاك، لأن شخصية هارون الرشيد التي استند إليها الغبرا، كانت تجسد داخل خيم الكراكوز في المقاهي الدمشقية. تاريخيا نجد ذات الموقف في ايطاليا، إذ اتخذته الكنيسة ورجالاتها من فرقة المسرح المرتجل، ومن المحاولات الشعبية لتجسيد مسرحيات (الأسرار).وذات الذريعة التي تمسك بها الغبرا، تمسك بها رجال الكنيسة، وهي عدم إنزال الهيبة والقدسية من الشخوص التاريخية والدينية.

واجتهد المديوني لوضع مقاربته وإسقاطها على الواقع العربي الآن، نظرا لسطوع شمس رجالات الدين وفوضى الإفتاء التي تحاول تدمير كل ملمح حضاري وثقافي. لكن نسي المديوني أن الزمن تغير مع دخول التكنولوجيا وعالم الانترنت واختلاف تداعيات الأزمنة من بلد إلى آخر.فلا يعاني المسرح الآن من السلطة الدينية بقدر انحسار دور المسرح وابتعاده عن الجمهور، والشعب، وتحميله ما لاطاقته له به، ومطالبته بموقف راهن إزاء ما يحدث الآن. كما تناسى أيضا بأن أغلب العروض المسرحية تتناول الهم اليومي وتداعيات الأحداث، فمهمتها ليس تغيير الأنظمة، بل مهمة ثقافية. وهنا نعود  إلى السؤال الذي طرحه: هل المسرح حاجة أم ضرورة؟. نرى بأنه ضرورة اجتماعية لترسيخ الوعي الاجتماعي والثقافي، وحاجة في تناوله اليومي للمتغيرات الراهنة، لكن يبقى المسرح مسرحا بوصفه حراكا ثقافيا.

* فاضل الجاف…يطالب بالأوراش المتخصصة

حملت ورقة الدكتور فاضل الجاف (العراق) العنوان التالي:(مسرح العرب اليوم ومواكبة العصر). وتناول فيها جانبا آخر من المسرح في المنطقة العربية والذي يشهد تطورا نسبيا – حسب الجاف-. ويرى بأننا في حاجة إلى التطور على صعيد التكوين الاحترافي سيما على صعيد الإخراج والتمثيل. فالحاجة ماسة  “إلى أن يطور المسرح العربي وسائله الأدائية عبر الاستفادة من منجزات المسرح العالمي، وتطويعها بطريقة حضارية وفق حاجات المسرح العربي وخصوصياته”. ويرى أن تحقيق ذلك يستلزم إقامة الأوراش في كل الاختصاصات ومراجعة المناهج الدراسية في كليات ومعاهد المسرح في الوطن العربي، وفق منهاج حضاري يواكب تطور العصر والمسرح في العالم.

ورغم أن ورقة الدكتور الجاف بعيدة نسبيا عن موضوعة الملتقى (المسرح العربي وتحديات الراهن)، إلا أنها تحتوي على أفكار قيمة ومهمة. ولكننا نسأل: هل هذا يكفي لتطور المسرح في المنطقة العربية؟ وهل يمكن تعميم ذلك على جميع ممارسي المسرح في الوطن العربي؟ وهل يقصد الجاف، الهواة أم المحترفين؟. إن نظرة بسيطة إلى عدد البعثات الدراسية العربية إلى مختلف مسارح العالم تفند كل ذلك، نظرا للعدد الهائل للأوراش التي تقام في الوطن العربي في كافة الاختصاصات: (تمثيل، وإخراج، وسينغرافيا، وكتابة).

إذن ما السبب؟ فرغم كل هذا الحراك التنظيمي من مهرجانات ومعاهد وكليات و أوراش متخصصة، فمازال المسرح في الوطن العربي يعمل بذات الآلية. نرى بأن تطور المسرح مقرون بتطور الوعي والذائقة والخيال والسعي إلى المغايرة. فمافائدة إقامة عدد هائل من الاوراش لأناس لاينتمون إلى المسرح بشكل كلي ولا يملكون أهداف التطور والمغايرة، علاوة على تأطير هذا الاوراش من قبل غير المختصين بموضوعة الورشة.

كما نرى أن المشكلة ليست بالتكوين بل بالفكر، لأن التكوين لا يخلق فكرا، فما أهمية أن أقيم ورشة متخصصة في الأداء في مسرح العبث –مثلا- لهواة على مستوى التمثيل؟ وما قيمة تنظيم ورشة في أساليب الإخراج لأشخاص لا يعرفون ماهية المسرح ودوره، وكل همهم أن يكونوا مخرجين– مثلا-…. تكمن أهمية الاوراش –حسب اعتقادنا- عندما تكون ذات هدف محدد ولشريحة معينة وفق المرجعية الثقافية والدراسية للمتدربين، وهذا لايتحقق إلا من خلال تعضيد فكرة المسرح المدرسي وإدراج المسرح بوصفه درسا ضمن المناهج الدراسية، وكذلك كفاءة أساتذة المسرح وفق التخصصات، إذ يصعبأن يُدرس طلبة التمثيل والإخراجأساتذة لم يعتلوا خشبة ويحملون شهادة ورقية وتلك ميزتهم.

* حميد علاوي:  يشكو النص المسرحي

ذهبت ورقة الدكتور حميد علاوي( الجزائر) التي  عنونها بـ: (مسرحة الراهن، الكائن والممكن) إلى النص بوصفه فعلا تواصليا، من خلال قدرته التوليدية عند تحويله إلى عرض، وقدرته التأثيرية الآنية لحظة تقديمه على الخشبة، على اعتبار أن المسرح ” فن زمني بامتياز يقوم على قاعدة “يحدث الآن” حتى لو تعلق الأمر بمشروع مستلهم من التراث”. ويستشهد الدكتور علاوي بالنصوص الكلاسيكية العظيمة التي ظلت خالدة والتي مازالت تقدم في معظم مسارح العالم، ومنها الترجيديات الإغريقية ونصوص الانكليزي وليم شكسبير، رغم أنها نصوص لاتنتمي زمنيا إلى الآن/ الراهن. ولهذا مازال سؤال هاملت الفلسفي أكون أو لا أكون حاضرا وبقوة، وقد يكون حاضرا في القرون القادمة إذا حضر الراهن الآني نفسه مستقبلا.

ويخلص علاوي إلى وجود أزمة نص مسرحي في المنطقة العربية. وقد يكون هذا الطريق بسيطا وتكرارا لإقرار طالما سمعناه، أي ابتعاد النصوص المسرحية عن القضايا الإنسانية، واعتماد المخرجيين على نصوص عالمية. ونرى في ذلك تعميم وحكم قيمة من الصعب تقبله على كل ما ينتج من نصوص مسرحية في المنطقة العربية، لأن لايمكن أن يكون الدكتور علاوي قرأ كل النصوص العربية أو شاهد كل العروض المسرحية. فهناك العشرات من النصوص المسرحية التي تنتج سنويا، وهناك مؤلفين رسخوا أسمائهم بقوة في المشهد المسرحي العربي، ومنهم على سبيل المثل لا الحصر: (فلاح شاكر، علي عبد النبي الزيدي، اسماعيل عبدالله، طلال محمود، الزبير بن بوشتي، أحمد السبيعي، صفاء البيلي، وغيرهم الكثير). لكن المشكل الأهم- حسب ظني- اغتراب الملفوظ بين الثقافات العربية. ونعني اعتماد الكثير من الكتاب اللهجة المحلية في نصوصهم وهذا ليس مثلبا، لكن يقابله رفض قرائي من المخرجيين العرب، رغم أهمية ما يطرح من قضايا تعتد بالراهن اليومي وتداعياته داخل المجتمعات العربية.

ولعل نصوص علي عبد النبي الزيدي والزبير بن بوشتي مثالا مهما في هذا الجانب، لاعتمادهم على موضوعات عالية الحساسية. ويمكن تقديمها كعروض في أي بلد عربي. وقد فات الدكتور علاوي بأن هناك مسابقات سنوية للنصوص المسرحية للكبار والصغار ويتم تقيم كتابها معنويا وماديا. ومن ثم طباعتها ككتب مقروءة وتوزيعها. ولذلك لانجد بأن هناك أزمة نص مسرحي بلأزمة وعي مسرحي، وأزمة متابعة ومشاهدة. كما نرى بأن المسرح في المنطقة العربية لا يتطور بحكم ارتكانه إلى مستويات عرضية ركيكة لاتعتمد المغايرة الجمالية والمشاكسة الإخراجية على المستوى البصري واللفظي، بل ظلت قرينة المكرر والعادي.

* حليمة مظفر… تحاول صناعة الوعي:

حملت ورقة الناقدة السعودية حليمة مظفر عنوانا مثيرا:(المسرح… صناعة الوعي)، وذهبت إلى عمق ماهية الممارسة المسرحية أو وظيفة المسرح، بل طرحت مقاربة معرفية مهمة استنادا إلى أفكار المفكر محمد أركون من خلال الأنسنة وإسقاطها على المسرح، أي أنسنة الخطاب المسرحي ومسايرته للمتغيرات العربية وتحدياتها الراهنة. وترى في هذا السياق بأن “المسرح العربي ابن بيئته وظروفه وثقافته.. [ و أن]  المسرح هو صنيعة الوعي نقص أو زاد. وإذا  كان يعاني قبل الثورات العربية الضعف وقلة الدعم والتقليد ومصادرة الرقيب له، فإن معاناته زادت بعد الثورات العربية وباتت أكبر تحدياته تتمثل في أنسنة الخطاب الدرامي، والخروج من عنق زجاجة النرجسية الايديولوجيةالتي تأججت بعد فوران(الثورات العربية) نتيجة حرية لم تتنفس سوى شعارات يكتبها الحالمون العرب أثناء نومهم في الكهف“.

وتؤكد الناقدة على أهمية أنسنة الخطاب المسرحي بعدما أهدرت إنسانيته تداعيات الثورات العربية المتسارعة التي فرقته الأيدولوجيات عقائديا، ومذهبيا، وعرقيا مما أدى إلى غربة الإنسان وتقوقعه على ذاته المتشظية بين الاديولوجيات التي تأخذه يمينا وشمالا.

وتكن أهمية ورقة حليمة مظفر بتخليص الخطاب المسرحي من الاديولوجيات الحزبية، والطائفية، والعقائدية، والعرقية مقابل طغيان الخطاب الإنساني داخل النص وفق مفهوم أركون للأنسنة. لكن كيف سيتحقق ذلك من دون قراءة مختبرية لنماذج منتقات، لتأكيد أهمية البحث والطرح، لأنه من السهل جدا وضع المقاربات المعرفية على الورق والربط بينهما، ولكن التطبيق  يشكل إحدى المعضلات الكبيرة التي تواجه الباحث.

إن تصورات مظفر مهمة جدا على المستوى النظري، بيد أن هذا لايعني بأن الخطاب المسرحي بعيد عن الأنسة، فإذا كان لايستخدم ذات المصطلح، فإنه في جوهره إنساني. فالخطاب المسرحي برمته يتناول الإنسان ومشاكله وتداعيات الأحداث، كما في المسرح الإغريقي عبر نصوص سوفوكلس، واسخيلوس، ويوربيدس التي هدفت إلى التطهير وتخليص الإنسان من الخطايا والآثام. وتحتفي نصوص شكسبير بالإنسان أولا وأخيرا وتعري طموحه السلطوي كما في مسرحية رتشارد الثالث، وتمجد طهرانية المرأة ونبلها كما في عطيل وهاملت، وغيرها من النصوص،  وتناول خطاب مسرح العبث تداعيات الحضارة والحروب على الإنسان، ولعل مقولة بكيت في  نص: في انتظار كودو (لا شيء .. لاشيء) تختصر سلطوية الآلة ودمويتها على الإنسان، بعد أن دمرته الحروب وانتهكت انسانيته.  أما على المستوى العربي فأن الخزانة المسرحية تشير بلا عناء إلى نصوص سعد الله ونوس ويوسف العاني والفريد فرج وعبد الكريم برشيد وغيرهم إلى الخطاب الإنساني، ونريد أن نخلص إلى أن النص المسرحي منذ نشأته كان ذا خطاب انساني. ويبقى السؤال ولعل هذا ما تريد الباحثة الوصول إليه: كيفية توظيف الأنسنة وتخليص النص المسرحي من التبعية الاديولوجية، وأن يكون هدفه إنساني بالمقام الأول بعيدا عن  تدجينه بثقافة مذهبية وعقائدية وعرقية ضيقة والأهم ايديولوجية.

* سعيد بوطاجين … يلجأ لثنائية الأنا والأخر

هل كان المسرح العربي يحاكي خطاباً لم يساهم في إنتاجه؟ سؤال طرحه الدكتور سعيد بوطاجين ( الجزائر) في ورقته التي حملت عنوان: (خطاب المسرح العربي بين الآنا والأخر)، إذ أكد أن المسرح العربي في أغلبية انتاجاته المسرحية يعتمد على نصوص عالمية أوربية وأمريكية. فالمسرح العربي يسعى لاسترداد ما ينتجه الأخر ويعيد تقديمه عن طريق الاقتباس، أو الترجمة، أو الكتابة الدراماتورجية، ونمت هذه العملية فعل النقل مقابل نكوص دور العقل. وهكذا خلص إلى أن المسرح العربي فقد العقل المفكر الخلاق، واجتهد بالنقل من الآخر. وقد يكون الدكتور بوطاجين محقا في ورقته، لكنه تناسى بأن المسرح هو في حالة تأثير وتأثر منذ نشأته إلى الآن.

وإذا كانت هناك هويات وخصوصيات أنتجها المسرح، فهي فردية. ومن جانب آخر لم يعرف العرب المسرح والعرض المسرحي إلا عن طريق الآخر، مما رسخ فكرة التقليد والاستعارة التي ابتدأت منذ تعرفنا عن المسرح بوصفه عرضا في بيت مارون النقاش عام 1847 . ففكرة التأصيل والهوية فكرة حالمة يتشدق بها المسرحيون في مهرجاناتهم ومؤتمراتهم، ناسين أننا نمارس مسرحا كباقي البلدان. فالمسرح لا يغازل الهوية ولا يتوسل بجغرافية ضيقة ولايدجن ضمن ايديولوجيا مقيتة، بقدر توسله بالجمال والإنسان.

إن المشكلة الرئيسة – حسب زعمي- ليس في الآخر بل فيما نقدمه نحن، وفي الآلية الاشتغالية التي يعتمد المخرجون في تأثيث عروضهم المسرحية، ونوعية الخطاب وحياديته، والمنظومة العلامية لغويا وبصريا، والانتماء الايديولوجي الذي تفرضه القراءة للنص المسرحي. ورغم أن الدكتور بوطاجين يشدد على النقل الذي يعتمده المسرح العربي، فقد جاءت تبريراته مستندة إلى مقولات النقاد الغربيين، وكأن الورقة تناقض صاحبها. فقد كان بالأحرىأن يجد حلولا (للمعضلة) التي طرحها في ورقته من خلال دعائم تعضدها الورقة ولا تنتمي إلى الآخر، بقدر انتمائها للعقل وليس النقل.

ونرى بأن اعتماد العرض المسرحي الحديث على القراءة المغايرة التي تستند على نصوص عالمية وإسقاطها على الواقع العربي كما في نصوص شكسبير، تعتمد التورية الركحية والاجتهاد في صنع ثقافة جديدة للعرض بعيدا عن ثقافة النص الأصلية ، إذ يتم الاعتماد على الإطار العام للحكاية ونطلق عليه النص الجنين، وهو ما قبل النص الدرامي، اي العودة إلى بؤرة الحكاية التي انطلق منها المؤلف، ومن ثم يعيد تشكيلها الدراماتورجلكي يتساوق مع ثقافة الجمهور المستهدف، ومن ثم يأتي دور نص العرض الجنين وهو نص المخرج، ويكون تأسيسا ثقافيا بالمقام الأول وفق النص الجنين، من أجل تحديد مسارات العرض اللغوية والبصرية .

* ثامر العربيد … وحكايات التحدي

تناول الدكتور العربيد(سوريا) حكاية المسرح والمسرحيين إثر تداعيات الوضع السوري، ومن خلال مجموعة من الطروحات:

ـ البحث عن مسرح يُشبهنا.

ـ الارتقاء بالفكر عند المتلقي.

ـ سعي الشباب لخلق مسرح مختلف.

ـ البحث عن مسرح بديل.

فقد وقف مليا عند ما يقدمه الشباب المسرحي راهنا من عروض تتناول الوضع السوري بكل حمولاته الكارثية: قتل يومي، ودمار البنية التحتية، وتناحرات سياسية وعقائدية وعرقية ومذهبية. وهو ما يتشابه إلى حد كبير مع وضع جاره العراقي. وبالتالي هناك حكاية بلدين ينتجان مسرحا موضوعته الألم اليومي. وهو ما أطلقنا عليه في دراسة سابقة من خلال تجربة المخرج العراقي مهند هادي بـ: (مسرحة اليومي، أو مسرح اليوميات). ورغم اختلاف شكل العرض هنا وهناك، فإن الموضوعة هي ذاتها أي: حرب، وغربة، وتهجير، وحكايات الناس البسطاء، وتداعيات شخصية.

ويرى الدكتور العربيد أنها تجربة ولدت من رحم الأزمة السورية، لأنه “مسرح يحكي بصدق ولا يدعي الأفكار، كما لا يتبنى الشعارات”. فهذا المسرح– من وجهة نظره- ينتمي إلى الإنسان السوري بكل تمظهراته الحياتية. لقد اتسمت ورقة الدكتور العربيد بالكثير من الحماسة والإنشاء التي يجب ألا تتوفر في ورقة بحثية أكاديمية في ملتقى فكري وعلمي، لأن ما طرحته الورقة لم يوضح ما هو هذا الاشتغال وما المسرح الذي يُشبهنا، وما هو المسرح المختلف الذي يسعى إليه الشباب؟. وهنا نسأل بهدوء: هل نحتاج مسرحا يُشبها أم مسرح يقلقنا؟ هل نريد مسرح يُشبهنا أم مسرحا مثيرا للأسئلة؟ وهل نريد مسرحا شعاراتيا أم مسرح ذهنيا؟.

لا شك أننا نريد مسرحا يحرك السكون المعرفي والذهني ولا يرتكن إلى العاطفة والعويل والنحيب، لأنه مسرح وقتي وزائل، ولا يمكن أن يرسخ نهجا فكريا. فالمسرح لايقوم على الشعارات واستجداء العاطفة، ولا يقوم على مجموعة تداعيات شخصية تدون الوجع بطريقة سطحية وانفعالية… فالوجع يدونه الذهن المتقد والخراب يشير إليه الفكر الخلاق، من خلال صور بصرية تقلق جلوس المتفرج داخل الصالة، ولا تدعه يشاهد العرض في استرخاء.ألم يكن برتولد بريخت بكل تجاربه جدليا؟ وكل نصوصه مصدرها وهدفها الإنسان؟ ولماذا تقدم نصوص شكسبير وبيكيت وغيرهما إلى الآن؟ لأنها لا تنتمي إلى حدث آني ومؤقت، بل إلى هم إنساني كوني ولايمكن تأطيره ضمن إطار معين، بل ينفتح على كل الثقافات.

لايمكن أن نروج لمسرح زائل، بل إلى مسرح دائم، مسرح يعيش فينا ولا نعيش فيه، ولا يؤثر فينا في زمن العرض فقط، وعندما نذهب إلى بيوتنا نمارس حيواتنا الطبيعية وكأن شيئا لم يكن. نريد مسرحا يقلق يومنا ونومنا ويحفزنا لإيجاد أجوبة، لا مسرحا يطرح الحلول،  فهذه ليست وظيفة المسرح بل المقالة السياسية.

* حافظ جديدي …  يرصد تحولات الزمن

جاءت ورقة الدكتور حافظ جديدي(تونس) تحت عنوان: (المسرح وتحولاته عبر الزمن: خصوصية التجربة التونسية). فرغم أن ورقة الجديدي بعيدة إلى حد ما عن عنوان الملتقي: (المسرحي العربي و تحديات الراهن)، إلا أننا توسلنا خيرا لما عُرف عن الجديدي من مكانة نقدية وأكاديمية، وكذلك لأهمية المسرح التونسي في المنطقة العربية. فقد انتظرنا من ورقته رصد تحولات المشهد المسرحي التونسي بعد الثورة والإشارة إلى المتغيرات السياسية وأثرها على التجربة المسرحية، لكن لم يحدث ذلك واتجهت الورقة إلى الأرشفة وتقديم ببلوغرافيا العروض، مع استخدام وسائل توضيحية (صور) عبر الداتوشو (الشاشة البصرية). وتشير الصور المعروضة إلى أزمنة متفاوتة. وهي صور عروض قبل الثورة وبعدها، وهي في أغلبها عروض مسرح الشارع وكرنفالات تلقائية تقام على هامش المهرجانات، كما في تونس العاصمة والمنستير وسوسه وغيرها من المدن.

تتجسد موضوع ورقة الجديدي في استعراض تحولات المسرح التونسي. وهو استعراض غير مبرر، حتى تساءل الكثير من الحضور: ما الذي يريده الدكتور الجديدي؟ وما هو هدف ورقته؟ وأين خصوصية المسرح التونسي التي أشار إليها والتي يريد أن ينقلها للملتقى؟ وأين هي الاشتغالات الجديدة التي تحدثها المتغيرات المتسارعة في المنطقة العربية التي أشعل شرارتها الأولى جسد بوعزيزي التونسي؟. فرغم أنه أشار إلى أنه سيتطرق إلى “وضعية المسرح كفن في تواصل مع التقاليد ومقاييس وضعت منذ حقب تاريخية تمتد إلى عهد الإغريق وإلى التحولات الكبرى التي عرفها المشهد الفرجوي عموما في علاقته بالتكنولوجيا الحديثة والكيفية التي تعامل بها المسرح مع هذه المستحدثات واللبس الحاصل اليوم في الأجناس الفرجوية التي تحاول أن تنخرط في الشكل المسرحي”، لكن كل ذلك لم يحدث، ولم تشر الورقة إلى فعالية التكنولوجيا في العرض المسرحي الحديث، وتأثيرها على شكل العرض المسرحي التونسي. وبالتالي، جاءت ورقته كأنها تقرير صحفي، مبتعدة كل البعد عن التجربة المهمة للمسرح التونسي في المنطقة العربية، فلا نجد ما يشير إلى المسرح التونسي بعد الثورة، ولا إلى شكل العرض المسرحي الآن، بل مجرد صور منتقاة لاتخضع للمعايير الأكاديمية.

* التقي سعيد … زمن التحديات

أشار الدكتور التقي سعيد (موريتانيا) في ورقته المعنونة بـ: (المسرح العربي وزمن التحديات) إلى الأزمات المتسارعة في المنطقة العربية وأثرها على المسرح بوصفه منظومة اجتماعية وتنويرية، وتأثيرها الأكبر على وقع المسرحين والمثقفين بشكل عام، بعد بروز ثقافة جديدة في الساحة العربية تطغى عليها (الزبونية والشللية). ويرى التقي سعيد بأن “الأزمات التي عاشها الوطن العربي تركت أثرها العميق على الثقافة والمثقفين فهاجر الكثير من المسرحيين وحوصر العديد منهم. ومنهم من تم اغتياله  فطغت ثقافة موازية فيها الكثير من الزبونية وتشويه الحقائق ولم تعد العروض المسرحية تحمل تلك القيمة الفنية الراقية التي تعبر عن وعي المبدع العربي بقضاياه ومصيره انطلاقا من واقع أمته وما تواجهه من مؤامرات وأخطار؛ فاختفت العديد من التنظيمات العربية التي كانت تهدف إلى تنمية وتطوير المسرح العربي كاتحاد المسرحيين العرب. وكذلك اختفت العديد من المهرجانات التي كانت مناسبة يلتقي فيها المبدعون العرب فتمكنهم من الاطلاع على مختلف التجارب في كافة أنحاء الوطن العربي واختفت كذلك الملتقيات والندوات المتخصصة خاصة في مجال النقد والكتابة”.

كما أشار إلى تأثير التلفزيون والسينما على المسرح مما قلل من حضوته الاجتماعية وتراجع مريديه. ونتفق مع بعض ما طرحه سعيد فيما يتعلق بالهجرة إلى الغرب، وأثر تداعيات الأزمات في المنطقة العربية، لأن الكثير ممن  هاجر هدف إلى  البحث عن ملاذ آمن له ولعائلته، مما أفرغ الساحة المسرحية من وجوه مؤثرة مسرحيا. لكن هذه الهجرات لم تقترن بالأزمنة الآنية فقط، بل منذ سطوع شمس الأحكام الشمولية في الكثير من البلدان العربية، وخاصة أصحاب الفكر اليساري الذين أصبحت بلدان المنظمة الاشتراكية ملاذهم الأمن. ومنهم من عاد إلى المنطقة العربية وعمل على تطوير مشروعه المسرحي مثل المخرج “جواد الاسدي” الذي عاد من بلغاريا ويعمل ما بين الأردن وسوريا. لكن هذا لايفند أهمية إشارة التقي سعيد إلى الهجرة، لأن ليس كل مسرحي يستطيع أن يعمل ويستمر بمشروعه المسرحي خارج بيئته.

ونختلف مع التقي سعيد بإقراره ابتعاد المسرح الآن عن قضايا أمته، فهذه أحكام مطلقة لايمكن تعميها على كل التجربة المسرحية في المنطقة العربية، لأن فيه الكثير من التجني على المسرحيين. وهنا لابد أن تكون هناك نماذج لتأكيد الفائدة من الورقة، كما نرى أن المسرح العربي الآن أشد التصاقا بالقضايا الراهنة. ولهذا اهتم بالملفوظ على حساب الاشتغال البصري حتى اقتربت إلى  المباشرة والشعاراتية.

* هاجر الجندي…. المسرح العربي،  نحو هندسة ثقافية

من الأوراق المهمة التي حبلت بها فعاليات الملتقى ورقة هاجر الجندي (المغرب) وحملت عنوان: (المسرح العربي، نحو هندسة ثقافية). تكمن أهمية ورقة الجندي في سعيها إلى ترسيخ الفعل التنظيمي للمسرح، بوصفه فاعلا اجتماعيا ومحركا ثقافيا داخل المجتمعات، وابتعاد المسرح العربي عن العشوائية في التعاطي مع المسرح، فلابد أن تكون هناك معرفة ودراية بكل الأمور اللوجستية ومصادر الدعم مع عقد اتفاقيات مع الجهات الداعمة من أجل استمرارية العروض بشكل خاص وديمومة المشهد المسرحي بشكل عام.

للأسف يقترن العمل العشوائي بالكثير من ممارسي المسرح والفرق الأهلية والحكومية وغياب التخطيط الاستراتيجي معال ربيوتوار المسرحي كما هو معمول به في أوربا. بل هناك الكثير من الفرق المسرحية تضع خطة لاشتغالاتها السنوية من خلال موضوعة محددة أو مؤلف محدد كما في هولندا وبالتحديد مسرح اوركاتر Orkater الذي حدد موسمه المسرحي في العمل على أن يكون مخصصا لنصوص الانكليزي وليم شكسبير. وفي المنطقة العربية يتجسد التخطيط في عمل إمارة الشارقة ودائرتها الثقافية من خلال تخطيطها السنوي وجدول أنشطتها وفق الأزمنة التي حددتها.

وترى الجندي بأن الهندسة الثقافية تتمحور حول “تحديد وضبط النظم والوسائل الضرورية للتخطيط لسياسة واستراتجيات المؤسسات الثقافية والقطاعات الحكومية والمقاولات الخاصة مع المعطى الثقافي بكل أبعاده”، وتكمن فائدة التنظيم  في تنمية وتطوير المجتمع من جهة، والمسرح والمسرحيين من جهة أخرى، لأن استمرارية الممارسة المسرحية يمنح الكثير من التطور على مستوى الفردي، ويتيح أيضا تراكم الخبرات الجمعية للممارسين مما يرسخ أهمية الربيوتوار المسرحي، بالإضافة إلى عدم اعتماد الفرقة المسرحية على مصدر دعم محدد، بل تنفتح على عدة مصادر، مما يمنحها فرصة الاستمرار. ومن ثم تقييم تجربتها السنوية من خلال  المراجعة.

* علي شوابكه….. المسرح في مواجهة القوى الظلامية

انبثقت ورقة الدكتور علي شوابكه (الأردن) من رحم الأحداث اليومية التي تعيشها المنطقة العربية برمتها، بفعل الإرهاب وتأثيره وتداعياته على المجتمعات العربية. ولهذا جاءت ورقة شوابكه (المسرح في مواجهة القوى الظلامية) تعبيرا عن الواقع المعاش اليومي بكل تمفصلاته السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية. فقد هدفت ورقته إلى “الوقوف على أهم التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه المسرح العربي. ودور المسرح العربي-الآن- في التصدي لهذه التحديات وأهمها القوى الظلامية، التي تعد من أخطر ما حل بالواقع العربي، وبما تحمله من تطرف من شأنه تكبيل الثقافة العربية وعلى رأسها المسرح العربي- ويدعو الشوابكه- إلى أن يضطلع المسرح والمشتغلين به الآن بدورهم الحقيقي الجاد والذي لن يكون إلا بمساندة جادة من أصحاب القرار في المؤسسات الثقافية، وذلك مواصلة لجهود المسرحيين السابقين”.

وتثير القراءة الهادئة لورقة الدكتور الشوابكه عدة أسئلة: ما الذي نريده من المسرح؟ وهل يمتلك المسرح عصى سحرية لتغيير الأنظمة؟ وهل مهمة المسرح سياسية بالمقام الأول؟. إن المسرح مهمته تنويرية، وتثقيفية، وجمالية ترتقي بالوعي الجمعي داخل المجتمع، ولا يمتلك تأثيرا سياسيا على صراع القوى. نعم هناك قوى ظلامية تريد تدمير الإرث الثقافي وإغراق المنطقة بعتمة الجهل والتخلف، وليست من مهمة المسرح تغييرها، بل مهمة السياسي لأن العرض المسرحي لايتعاطى مع الظاهرة كما السياسي، فهناك مساحة للخيال لعدم الوقوع بالسطحية والمباشرة والشعارات، وهناك المنظومة العلامية والرمزية التي ينتجها العرض المسرحي، ومن خلالها يتم التعاطي مع الظاهرة بشكل جمالي بصري. ولا يمكن إغفال دور المسرح في تنمية الوعي الجمعي داخل المجتمع، وفي هذه الخصيصة تكمن أهمية المسرح. كما يجب أن لا نغالي أكثر من ذلك وأن نحمل المسرح أكثر من طاقته. فرغم أن أغلب العروض المسرحية التي تقدم على مسارح المنطقة العربية تتناول موضوعة الإرهاب والقوى الظلامية، فإنه لايمكن أن يكون تأثيرها داخل المجتمع أكثر تأثيرا من خطاب سياسي محنك، أو انتصارات الجيوش على هذه القوى. والمسرح ليس بعيدا عن تداعيات الفعل الإرهابي داخل المنطقة العربية، لكن يكمن خلل التناول- حسب زعمي- في كيفية التناول والاشتغال، إذ لايمكن أن يكرر العرض المسرحي خطاب الساسة، ولايمكن أن يكون مركز أخبار كما في القنوات الفضائية، بل يتوجب عليه أن يكون مغايرا في طريقة التناول والتعاطي مع الظاهرة برمتها بشكل جمالي بصري خلاق، فلا ينقل لنا الواقع بفوتغرافية بشعة، فمهما كانت الصورة المجسدة على الخشبة، فإنها لن تكون أكثر تأثيرا من الواقع.

* الزيتوني بوسرحان … يربط المسرح بمصائر التحول

أراد المخرج والكاتب الزيتوني بوسرحان (المغرب) أن تكون ورقته مغايرة، منبعها تجربة ودربة على الركح. ولهذا ذهب إلى الكتابة بوصفها موت بينما العرض المسرحي يعيش لحظات الموت والولادة، من خلال تنوع أساليبه واتجاهاته وعدم الركون الى التكرار والعادي. فالعرض المسرحي يسعى دائما إلى المغايرة والاجتهاد، التي مصدرها التنوع في التعاطي مع مصائر الشعوب، لأن ” الإبداع في الفن وفي المسرح يأبى التكرار والاجترار، لهذا لم تصمد الأرسطية ولا الستانسلافسكية ولا البريختية ولا الآرتوية ولا أي من الاتجاهات، لأن كل واحدة إنما تعبر عن مرحلة وتموت فيها، حتى بالنسبة لصحابها، لأنهم بذاتهم لو لبثوا عليها انتهوا، فلإبداع خروج عن سالف”. فكل منهج من هذه المناهج تعبر عن مرحلة ما، إثر تداعيات وإرهاصات عاشتها مجتمعات أصحاب المناهج، فقد فرضت المعايشة آلية التغير والاجتهاد والانتقال من ضفة إلى أخرى ليس برغبة التغير، بل فرضه الواقع إزاء الأزمة.

يتسم العرض المسرحي –إذن- بعدم الثبات لأنه فعل متغير، على عكس الكتابة فهي فعل ثابت وموت. ومن الصعب التسليم بإتباع منهج واستمراريته والمراهنة على ديمومته،  فهذا معناه موت للفعل المسرحي وتحنيطه وتدجينه داخل منهج واتجاه، بينما المسرح فعل متغير يواكب الحدث اليومي ويعريه بطريقة جمالية. إن من أخص خصائص المسرح   اللاستقرار، كما فعل مايرهولد عندما صدم الجمهور السوفياتي عند تقديمه نص غوغول (المفتش العام). فقد جرد نص غوغول من قدسيته الاجتماعية داخل العقل الجمعي السوفياتي، وقدمه بفعل حركي من خلال منهج البيوميكانيك .. نعم المسرح العربي يحتاج لصدمة التغير والمغايرة ولكن بطريقة واعية من عقول  متقدة ومثقفة.

وأخيرا… يحسب للقائمين على تنظيم هذا الملتقى انفتاحه جغرافيا على البلدان العربية، وذلك من أجل تنويع وجهات النظر في كيفية التعاطي مع العرض المسرح وفق تحديات الراهن، والوقوف على الآلية الاشتغالية الآنية.ورغم ابتعاد بعض الأوراق نسبيا عن موضوعة الملتقى الفكري، يبقى السؤال قائما: ما الذي نريده من المسرح؟ هل مهمته تغيير الأنظمة الدكتاتورية؟. فلا يمكننا أن نتعامل مع العرض المسرحي أبعد من كونه عرضا مسرحيا، فلم يشر تاريخ المسرح بكل تنوعاته وتفرعاته الجغرافية إلى عرض مسرحي غير نظام ما في بلد ما، لأننا ندرك جيدا بأن الأنظمة الدكتاتورية لا تتغير إلا بالدبابة الأمريكية.

 

* الهواميــش:

(1): محمود كامل الخطيب “نظرية المسرح” القسم الثاني: مقدمات وبيانات، ص:978.

(2): نديم معلا ” في المسرح السوري 4 “، أبو خليل القباني. الحياة المسرحية ـ دمشق، ع: 24-25، ربيع- صيف 1985 ، ص44.

  المصدر مجلة المسرح الفصلية الشارقة

 أحمد شرجي( مخرج وممثل وباحث مسرحي عراقي) / مجلة الفرجة

عن بشرى عمور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.