أن تكون ناقداً .. عن حسن عطية – سباعي السيد #مصر

عطية 1
الراحل د.حسن عطية

أن تكون ناقداً .. عن حسن عطية – سباعي السيد #مصر

(.. على الناقد أن يتحلى بقدر هائل من الموضوعية، يقترب به من ضمير القاضي، الذي قد يعتذر عن الحكم لشعوره بالحرج.)

– حسن عطية –

أن تكون ناقداً.. هي مهمة شائكة وعسيرة. أن تكون ناقداً يعني أن تتعامل مع ابداعات فنية، تستكشف وتؤول دلالاتها، وجمالياتها، وأن تضعها في سياقها التاريخي، وأن تحدد موضعها أو مكانتها في ثقافة بعينها. ومن هنا فإن عليك أن تتسلح بالوعي والخبرة والدُربة والثقافة العميقة، وأن تتمتع، فضلاً عن ذلك بالحساسية الفنية التي تؤهلك لأداء هذه المهمة، مدفوعاً بالشعور بالمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقك، ومعبراً عن رؤيتك للعالم، بما يتطلبه ذلك كله من وعي ثقافي وحس اجتماعي.
كان الراحل حسن عطية واحداً من نقادنا الكبار، فاستطاع أن يجمع بين الناقد والباحث والأكاديمي، يكتب في مجلة “الكواكب” الأسبوعية بانتظام، ويشارك في أهم المنتديات العلمية، يشرف على الأطروحات الجامعية، ويحرص على حضور الفعاليات الثقافية، ومشاهدة العروض الجديدة بنفس الشغف والحماس والجدية.

لم ينعزل عطية عن العالم خلف الأبواب المغلقة، بل اشتبك مع واقع وقضايا وطنه، واستوعب أمهات التراث العربي، والمسرح العربي والعالمي ولأنه لم ينعزل أبداً عن قضاياه مجتمعه، كان من الطبيعي أن يتبني عطية المنهج السوسيولوجي الذي اختاره ليكون موضوع رسالته للدكتوراه في اسبانيا، لكنه ظل منفتحاً في ذات الوقت على مقولات ومفاهيم المناهج النقدية الحديثة.

اعتبر عطية المسرح قضية اجتماعية ذات أبعاد سياسية وحضارية بالأساس، معتبراً أن المسرح العربي لم يكن إلا ردة فعل على التحدي الوجودي الذي واجهه العرب مع بدايات القرن التاسع عشر، أمام الغرب المسلح بالمعرفة والقوة المادية، والنتيجة أن العرب عملوا على إدراك ما ينقصهم من عوامل القوة المعرفية والمنجزات الإبداعية التي يمتلكها الغرب، باعتبارها منجزات إنسانية لهم فيها نصيب، وأن ابداعهم فيه مما يمنح الذات العربية حق التجاور والتماثل مع الآخر المنتصر.
بخلاف العديد من نقاد المسرح ممن التزموا بالنقد الدرامي والمسرحي، وتجاهلوا الأشكال الدرامية الأخرى كالسينما والدراما التليفزيونية، لم يضع حسن عطية ذلك الحد الفاصل وتعامل مع كل الأشكال الدرامية على حد سواء، فاهتم بالسينما وأعطاها الكثير من وقته وانشغاله، كما أنه أضاف الى نقد الدراما التليفزيونية لما لمسه من انتشارها وقدرتها على التأثير (زمن الدراما).

وعندما ذهب الى مدريد في بعثته للدكتوراه، تفاعل مع الثقافة الاسبانية التي شهدت التفاعل الثقافي بين الشرق والغرب، فكتب في الدوريات الاسبانية عن جذور المسرح العربي، وعن توفيق الحكيم وسينما نجيب محفوظ. ثم كتب بالعربية (سينما أمريكا اللاتينية) ، و(نجيب محفوظ في السينما المكسيكية). كما ترجم وراجع العديد من النصوص والكتب المترجمة عن الإسبانية.

في عام 2017 أصدر عطية كتابه الذي يحمل عنواناً بسيطاً لا يعبر عن محتواه الثري (دليل المتفرج الذكي الى المسرح والمجتمع) فقد عارض فيه عنوان كتاب لألفريد فرج بنفس العنوان لكنه أضاف المجتمع الى العنوان الأصلي، كما عارض في كتاب سابق بعنوان زمن الدراما مقولة زمن الرواية… هذا الكتاب/ الدليل أعتبره من أهم ما كتب حسن عطية ليس فقط لأنه يعتبر- في أحد أقسامه الثلاثة- مقدمة هامة الى التأريخ للنقد المسرحي في مصر، درس من خلالها المنجز النقدي لعدد من رموز النقد المسرحي في مصر، من محمد مندور الى نهاد صليحة مرورا بلويس عوض وعلي الراعي وهدى وصفي وفاروق عبد القادر- وانما لأنه وضع فيه خلاصة تجربته النقدية محدداً بعمق وبساطة دور الناقد ومهمته وأدواته.

ففي مقال بعنوان (كيف تكتب نقداً رديئاً؟) يستحق أن يدرس لطلاب النقد الفني، بل ولبعض “النقاد” أيضاً- يعّرف حسن عطية النقد بأنه موهبة وثقافة وحرفة ورؤية للحياة.. إعادة قراءة للمنجز الإبداعي في ضوء الواقع، وموهبة النقد هي ملكة فطرية لابد من دعمها بالثقافة العميقة والموسوعية، ولكن بدون امتلاك حرفة النقدية وأدواتها لا يصبح الناقد محترفاً. يؤكد حسن عطية على أهمية امتلاك الناقد لرؤية نقدية للمجتمع الذي يعيشه ويتلقى فيه العمل المنقود. وتتجلى مهمة الناقد في الكشف عن الدور التغييبي أو التوعوي في النص أو في العرض المسرحي، وهو ما يتطلب من الناقد أن يتحلى بقدر هائل من الموضوعية، يقترب به من ضمير القاضي، الذي قد يعتذر عن الحكم لشعوره بالحرج.

فسلام لروح الأستاذ الدكتور حسن عطية.. واحداً من أهم نقاد المسرح العربي في عصرنا.

سباعي السيد – مصر

——————————————

(مشاركتي في ملف خاص عن حسن عطية – مع أصدقاء وزملاء أعزاء- في نشرة مهرجان المسرح التجريبي. شكرا للزميل والصديق احمد خميس الحكيم) والصديق حاتم حافظ Hatem Hafez. مع تحفظي على الاختصار المخل.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح