أخبار عاجلة
511x405 1
511x405 1

أن تكون دراماتورجاً…! – منتجب صقر #سوريا

أن تكون دراماتورجاً…! – منتجب صقر #سوريا

أن تكون دراماتورجاً يعني أن تكون خلاقاً بكل معنى الكلمة .. بعيداً عن تعريفات الكتب لمفهوم الدراماتورجيا كما ابتدئها ليسينغ في كتابه (دراماتورجيا هامبورغ) أو “الانتقال من النص إلى العرض” بحسب المفهوم المتداول في معظم الكتابات المسرحية المعاصرة، وبعيداً عن المصطلحات التي تسجن القارئ والفنان في فلك أحادي الرؤية، أن تكون دراماتورجاً يعني أن ترافق كل مراحل العرض المسرحي من ترجمة النص (إن استدعى الأمر) للنقاش مع المخرج أو المخرجة (وما أتنحهم في كثير من الأحوال) إلى البحث في متن النص سعياً لإيجاد أفضل طريقة لإلقاء النص وتجسيد المشهد المسرحي على الخشبة. فعندما يرافق الدراماتورج المخرج ويشرف بشكل ما على بعض تفاصيل الإخراج، سيجد أن الممثل يلقي بعض الكلمات بطريقة مختلفة عن “حرارة النص الداخلية” أي الكيمياء التي تحكم الجمل وطبيعة النص، فستضطر عندها لتعديل الجمل وموائمتها بما يحقق أفضل طريقة لسماع النص من قبل الجمهور وحتى ولو كان النص مطبوعاً، يمكن للدراماتورج أن يعدلها فالنص ليس مقدساً في كثير من المواضع ويمكن تعديل أو، ذلك أن الكاتب أبدعه في ظروف مغايرة عن ظروف الخشبة والإلقاء (وهذا ما قام به المخرجون في خمسينيات القرن العشرين عندما سادت موجة التخلي عن النص المكتوب لصالح المنتج الإخراجي أي ضبط إيقاع العرض واللعبة دون الرجوع إلى النص والتقيد بكل كلمة فيه بل الاكتفاء بفكرته ضمن الإطار العام للعرض).

في تجربة دراماتورجيّة أقوم بها حالياً، ربما أكتب عنها مطولاً بعد أن تنتهي، أرى أن على كل دراماتورج قراءة كل كلمة كتبت عن العرض وعن الإخراج في الكتب والقواميس وبعد ذلك عليه أن يعيدها إلى مكانها.. بعد ذلك من الأفضل أن ينسى كل ما قرأه ليبدأ تجربته من جديد واعتباراً من المعطيات المتوفرة أمامه ليتعامل مع حيثيات العرض بطريقة مختلفة تماماً لأن أي تجربة تختلف عن غيرها أي كما قال الفيلسوف الإغريقي هيراكليت “لا يمكن أن نستحم في مياه النهر مرتين”. الدراماتورج مسؤول عن إشاعة جو من المرح أو التثقيف عبر المرح (بحدود معينة بلا شك) لأن الممثلين والممثلات لا يقرؤون بشكل عام ومن درس في معهد مسرحي أو عمل مع ممثلين يدرك هذه النقطة .. وللأسف في الكثير من الحالات تتفاجئ بوجود مخرجين لا يقرؤون وهذه حقيقة (دون التعميم بلا شك) ولا بأس من طرح فكرة أو مثال عن موقف في المسرح، عن حديث عن عرض أو لعبة ممثل .. مثلاً إذا كان هناك مونولوج عن الحلم لا بأس أن تقرأ مسرحية من مسرحيات الحلم أو نص عن الكتابة الأوتوماتيكية أو نص سريالي يتخطى حدود النص التقليدي وغير ذلك..

لتفهم كيف يتأثر الكتاب بعضهم ببعض ولتعرف كيف تعطي الملاحظة الجيدة في مكانها.. من المهم أن تراجع معلوماتك بالجغرافيا والتاريخ والفطبول والكنافة والفول والحمص والرقص الشعبي في السودان والمغرب وغياهب وعادات الآشورين في سوريا والعراق (تحية ورد ومحبة لأصدقائي الأشوريين والأراميين ممن أطلعوني على تفاصيل لم يقدمها أي كتاب عن ثقافتهم) وتعرف الكثير عن عادات الشعوب ولا تخجل من السؤال لأن أي واحد فينا خلق وهوي يبكي ويبحث عن ثدي أمه ولم يخلق وفي جعبته مجلدات مكتبة الإسكندرية ولا مؤلفات سيوران وكافكا ونيتشة وغيرهم .. فربما تحتاج لمعلومة ما ذكرها النص .. بين عامي 2006 و2007 عندما كنت طالباً، قمت باتباع ورشتي عمل مسرحيتين حول “إدارة الممثل” بإدارة المخرج الفرنسي روبير كانتاريلا وحضور الكاتب فيليب مينيانا في المسرح الوطني في مدينة ديجون، وكانا يطلبان منا أن نقرأ مقاطع من مسرحيات معاصرة كان روبير ينثرها على الخشبة وذلك بهدف ضبط الإلقاء.. حتى لو لم نكن نعمل على تلك النصوص .. لابد للمثل من القراءة والاطلاع على نص مسرحي ليطور مداركه حول الأشكال الفنية المختلفة .. الان نثرنا الزمن على دروب الحياة وكلما جمعتنا الأيام نذكر ذلك الأمر .. بالمناسبة وفي خضم التعامل مع ممثلين هواة متعبين في كثير من التفاصيل…

أحياناً أصل لقناعة أن الممثل الهاوي أكثر براءة وأكثر سلاسة من الممثل المحترف (أو من يدعي أنه محترف) ويؤدي دوره بطريقة استعراضية يريد أن يظهر فيها تفوقه على ذلك الهاوي المعتر المسكين الذي التقطه المخرج من سوق الجمعة كأنه ولد صغير جاء يلعب قربه .. تخلو معظم العروض العربية من وجود الدراماتورج، وإن وجد فسيكون دوره مهمشاً لصالح ظهور المخرج صاحب الكلمة الأولى والأخيرة كما يحب بعضهم أن يقول وأن يعلن أن “لا أحد يفهم أكثر منه” وهنا الطامة الكبرى عندما تعتقد نفسك أنك أفهم من الجميع.. وتضرب غيرك بمنية وجودك السحري الخلاق .. وإن عدت إلى مرجع ما ستجده مترجماً في كافة الأحوال ومن حسن حظك أن يكون مترجم ترجمةً جيدة إن كنت لا تجيد قراءته بلغته الأم.. وهذا حدث آخر طويل (طال عمركم) سأتناوله في مرات قادمة..

منتجب صقر –  سوريا

(المسرح نيوز ـ القاهرة)

عن كنعان البني

error: حقوق النشر والطبع محفوظة