أطفال العراق بلا ثقافة تهتم بهم – ثقافة الطفل في العراق من الريادة على المستوى العربي إلى التراجع. – عواد علي

 

 

عرفت ثقافة الطفل في العراق تطورا كبيرا منذ أواسط القرن الماضي، لكن الظروف التي شهدتها البلاد والصراعات التي غيرت ملامحها ساهمت في تراجع ثقافة الطفل من الريادة على المستوى العربي إلى الانحسار، وهو ما شهده أدب الطفل ومسرحه والأغاني الموجهة إليه والإصدارات والفعاليات التي تعتني به، ما يتطلب التفاتة إلى خطورة الوضع.

يُعد العراق في طليعة الدول العربية التي اهتمت بثقافة الأطفال، خاصة الأدب، سردا وشعرا وصحافة ونقدا ودراسة، منذ وقت مبكر من القرن الماضي، وتقديرا لهذا الاهتمام منحته الجامعة العربية مؤخرا جائزة الدول الصديقة للطفولة والأسرة في الوطن العربي لعام 2020.

 وتشير الأبحاث المكتوبة إلى أن هذا الأدب مرّ بمجموعة مراحل كمرحلة النشأة والتأسيس، مرحلة الترجمة، مرحلة الاقتباس، مرحلة التأليف، مرحلة التجريب، مرحلة الإبداع ومرحلة التأصيل. لكن ما واقع أدب الطفل في العراق اليوم؟ هل ثمة استراتيجيا للنهوض به؟ أليس غائبا مع تبجيل أدب الكبار؟

 

أي واقع لأدب الطفل في العراق
أي واقع لأدب الطفل في العراق

 

الأدب وثقافة الأطفال

تاريخيا، ظهر أول منبر لثقافة الأطفال في العراق بعد تأسيس الدولة العراقية عام 1921، متمثلا بمجلة عنوانها “التلميذ العراقي”، شكّلت القاعدة الأساسية لأدب الطفل، وكان من رواده الشعراء معروف الرصافي، جميل صدقي الزهاوي، مصطفى جواد، محمد رضا الشبيبي، محمد بهجت الأثري وعبدالمحسن الكاظمي.

وشهدت ثقافة الطفل في العراق قفزة نوعية مع إنشاء دار ثقافة الأطفال عام 1969، في إطار وزارة الثقافة، على يد صفوة مثقفة من كتاب أدب الأطفال منهم: محمد شمسي، عبدالإله رؤوف، شفيق مهدي، فاروق يوسف، فاروق سلوم، عبدالرزاق المطلبي، إلى جانب مجموعة من الفنانين التشكيليين الذين أبدعوا للأطفال، مثل طالب مكي، مؤيد نعمة، أديب مكي، حنان شفيق، عبدالرحيم ياسر، نبيل يعقوب وعلي المندلاوي.

وسعت هذه المؤسسة إلى إنتاج ثقافة رصينة للأطفال وبمختلف أنواعها في مطبوعات وأشرطة سينمائية ومسرحيات ورسوم متحركة (كارتون) وأفلام دمى، ومسرح العرائس، وبرامج تلفازية وإذاعية، على أسس علمية تحيط بعلم نفس الطفل، وعلم الاجتماع وطب الأطفال، بما يضمن توجيه قدراتهم وإطلاق طاقاتهم في الخلق والإبداع، وذلك لإعداد أجيال قادرة على النهوض بالمجتمع نحو التقدم والازدهار.

 وخلال سنوات توسعت نشاطات الدار ومطبوعاتها كمّا ونوعا، فأصدرت العشرات من الأعداد من مجلة “مجلتي” وصحيفة “المزمار” (تحولت إلى مجلة منتصف السبعينات، وكان يُطبع من كل عدد ربع مليون نسخة)، وما يقارب المئة كتاب سنويا في مختلف الاختصاصات العلمية والأدبية والثقافية، بينها معاجم وقواميس وموسوعات معرفية وكتب مسلسلة، بعضها بصيغة “الكوميكس”، هي: السلسلة العلمية، السلسلة القصصية، السلسلة الشعرية، سلسلة البراعم، السلسلة التاريخية، حكايات شعبية، سلسلة هوايات، وكتب مترجمة.

وشملت هذه الإصدارات كل الفئات العمرية للأطفال، البراعم وسن المدرسة والفتيان، وبنسخ تجاوزت 100 ألف نسخة في أغلب السنوات. كما خصصت بعض الصحف اليومية ملاحق أسبوعية لنشر النتاجات القصصية والشعرية والكوميكس المكرسة للأطفال واليافعين. لكن مع نشوب الحرب العراقية الإيرانية فرضت الدولة ظاهرة العسكرة على جميع مرافق الحياة، ومنها الأدب والفن، فصارت القصص والرسوم المخصصة للطفل تتناول القضايا المتعلقة بالحرب.

وتراجع نشاط الدار خلال سنوات العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على العراق في أول التسعينات، وأخذت مطبوعاتها تظهر باللونين الأسود والأبيض، وأحيانا يضاف الأحمر فقط، وهو لون الدم، كما تقول الأستاذة في جامعة بغداد الدكتورة طاهرة داخل.

وجاء الاحتلال الأميركي للبلد عام 2003 ليزيد من تراجع الدار، في ظل الدمار الذي شمل أغلب مؤسسات الدولة، إذ أصبحت المطبوعات تصدر بإمكانات بسيطة وميزانية متواضعة وبنسخ قليلة تصل إلى 5000 نسخة للمطبوع الواحد.

ونتجت عن ذلك هجرة العديد من الكفاءات المتخصصة، وعزوف أغلب الرسامين وكتّاب القصص المصورة (الكوميكس) بسبب قلة المكافأة المالية التي لم تعد تكفي لشراء الأحبار ومستلزمات الرسم والتصميم، مقارنة بما يتقاضاه المشتغلون في مؤسسات ثقافة الطفل في البلدان المجاورة. وتعمقت المشكلة مع إجراءات التقشف في الميزانية بسبب هبوط أسعار النفط منذ النصف الثاني من العقد الفارط، حتى بلغ ما تنتجه الدار 8 في المئة فقط من الإصدارات التي كانت تنتجها في الثمانينات. وقد دفع ذلك أحد أبرز كتّاب أدب الطفل في العراق، وهو عبدالرزاق المطلبي، إلى إطلاق صرخة حزن مؤثرة، قائلا إن هذا الأدب يحتضر الآن، وفي طريقه إلى التلاشي تماما.

المسرح والأغاني

Thumbnail

تعود بدايات مسرح الطفل في العراق إلى خمسينات القرن الماضي على يد الفنان عبدالقادر رحيم، الذي كان يعمل معلما للتربية الفنية في مدارس مختلفة للأطفال، وفيها بدأ تجاربه الأولى في مسرح الطفل، مؤلفا ومخرجا، مقتبسا من حكايات ألف ليلة وليلة، والحكايات الشعبية المتداولة أفكار مسرحياته الأخلاقية والتربوية المسلية.

وفي عام 1964 قدم معهد الفنون الجميلة في بغداد أول مرة، ضمن موسمه، مسرحية للأطفال بعنوان “كنوز غرناطة” تأليف جيرالدين سيكس وإخراج سامي عبدالحميد، وكانت أول محاولة أكاديمية لتقديم مسرحية متكاملة فنيا للطفل، لكن التجربة كان ينقصها حضور عدد كاف من الأطفال والفتيان المفترض أنها أُعدت لهم. وأعقبت هذه المسرحية تجربة مهمة عام 1968 هي “علاءالدين والمصباح السحري” أخرجها جاسم العبودي لفرقة معهد بغداد التجريبي، وأدى أدوارها ممثلون محترفون، وحضرها جمهورها الحقيقي (الأطفال) طلاب المدارس الابتدائية.

وبعد تأسيس الفرقة القومية للتمثيل عام 1968 وضعت ضمن مواسمها إنتاج العديد من مسرحيات الأطفال، منها “طير السعد” التي أعدها وأخرجها قاسم محمد، واعتُبرت الانطلاقة الحقيقية لمسرح الطفل في العراق، و”الصبي الخشبي” لقاسم محمد أيضا، تلتها مسرحية “زهرة الأقحوان” تأليف وإخراج سعدون العبيدي، وكانت أول مسرحية عراقية أصيلة التأليف للأطفال، ثم مسرحية “جيش الربيع” إعداد وإخراج سليم الجزائري، و“ابنة الحائك” إخراج بهنام ميخائيل، و“النجمة البرتقالية”، وهي مسرحية غنائية كتبها غازي مجدي وأخرجها محسن العزاوي، و“الكنطرة” تأليف طه سالم وإخراج إسماعيل خليل، و“سر الكنز” إعداد وإخراج قاسم محمد، و“بدر البدور وحروف النور” تأليف رؤوف مسعد وإخراج منتهى محمد رحيم.

كما عرف المجتمع العراقي أغاني الأطفال الفولكلورية، المعروفة بأغاني المهد وترقيص الأطفال وأغاني العيد، قبل ظهور الإذاعة والتلفزيون، وقد جمعها ودرسها الموسيقي والملحن الرائد حسين قدوري في كتابه “لعب وأغاني الأطفال في الجمهورية العراقية” الصادر عام 1979، وقسمها إلى ثلاثة أقسام: أغاني الريف وأغاني البادية وأغاني المدينة، وكل قسم يعبّر عن عادات البيئة التي نشأ فيها وخصوصيتها الاجتماعية.

إصدارات كتب ومجلات بعشرات الآلاف من الأعداد ومسرحيات وأغان موجهة للطفل كلها انتهت مع تواصل الحروب والصراعات

 ومع تأسيس إذاعة بغداد عام 1936، ثم التلفزيوني العراقي عام 1956 (وهو أول محطة تلفزيونية في العالم العربي) بدأت تظهر أغان مؤلفة وملحنة للأطفال، إلى جانب البرامج التربوية، مثل برنامج “جنة الأطفال” الشهير للمربي عمو زكي، الذي يتضمن حكايات وقصصا ومشاهد تمثيلية قصيرة يؤديها الأطفال، وتدور حول الخير والمُثل والأخلاق الحميدة.

ومن أشهر الموسيقيين العراقيين في هذا المجال الفنان الراحل حسين قدوري، فقد أنتج لإذاعة بغداد وبعض الإذاعات العربية ما يقارب ألف أغنية طفلية جمعت بين ما هو تراثي وما هو معاصر، من أبرزها: الزهور، تعال نلعب، عندي حكاية، دولاب الهوا، جاء المطر، أمي، صفّنا أحسن الصفوف ودن دان، كما لحن العشرات من القصص الغنائية للأطفال، وسجل خمسة أشرطة كاسيت سمعية لمجاميع غنائية خاصة بالأغاني الشعبية للأطفال، إضافة إلى تأليفه الموسيقى لـ16 مسرحية خاصة بالأطفال، ونال أرفع الجوائز والعشرات من الشهادات والأوسمة من مؤسسات ومؤتمرات علمية عراقية وعربية.

ومن الفنانين الذين أبدعوا في تلحين الأغاني الموجهة للأطفال أيضا: نجم عبدالله، محسن فرحان ومحمد ضياءالدين. كما غنى كاظم الساهر للطفل، وفازت أغنيته “تذكر” بجائزة اليونيسكو، وترجمت إلى 18 لغة عالمية.

لكن، رغم ثراء الموروث الغنائي الطفلي في العراق وتوفر الخبرات الكافية في مجال التأليف والتلحين والغناء، لم تعد لأطفال العراق اليوم أغان جديدة، بسبب غياب الجهات المعنية بهذا الفن، وعدم توفر الرغبة والدعم المطلوب له. لا بل حتى الخزين الموجود من الأغاني مهمل منذ بدء الاحتلال الأميركي للعراق، وقد تحسّر الموسيقار حسين قدوري، قبل وفاته عام 2005، لضياع أغنية الطفل، مؤكدا أن “في مكتبات الإذاعة والتلفزيون العشرات من الأغاني المتروكة على الرفوف، تتآكل يوما بعد يوم وكأنها محنطة تعود إلى الماضي البعيد، لا كونها نتاجا تربويا ثقافيا ترفيهيا للأطفال وليد اللحظة الحاضرة”.

https://alarab.co.uk/

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح