أشباح الماضي في «شقة عم نجيب»

يسري حسان  – الحياة – مجلة الفنون المسرحية

قاعة مستطيلة الشكل، ومقاعد دوّارة، مناطق التمثيل على جوانب القاعة الأربعة، إذاً على المشاهد أن يدير مقعده كلما انتقل المشهد من جانب إلى آخر. ليست المسألة مجانية في عرض «شقة عم نجيب» الذي يقدمه «مسرح الغد» في القاهرة، تأليف سامح مهران، وإخراج جلال عثمان. فالدوران هنا يشير إلى تلك الدائرة الجهنمية، إلى استمرار الماضي في الحاضر أو تداخلهما معاً، هي رحلة تبدأ من الحاضر، مروراً بالماضي، ثم العودة مجدداً إلى الحاضر، رحلة يتم خلالها استعادة شخصيات من أعمال لنجيب محفوظ مثل «بين القصرين» و «القاهرة 30» و «السمان والخريف». تلك الشخصيات التي ما زال أثرها ممتداً ويلقي بظلاله على الحاضر. رحلة لا تستغرق أكثر من ساعات عدة (العرض مدته ساعة واحدة) لكنها تترك المشاهد، بعد أن دار مراراً بمقعده، ليفكر ربما لأيام تالية في مغزى هذه المسرحية.

استدعاء تلك الشخصيات لم يكن مجانياً هو الآخر، فقد تم اختيارها بعناية نظراً إلى ما يحمله كل منها من دلالة تخدم رسالة العرض، التي، فضلاً عن رغبتها في تعرية النفس البشرية وإظهار تناقضاتها، تنحاز بالأساس إلى المرأة. لدينا «السيد أحمد عبدالجواد» (سي السيد)، وزوجته «أمينة»، والراقصة «زبيدة» رفيقته، و «محفوظ» الانتهازي من «القاهرة 30»، و «ريري» زوجة «عيسى الدباغ» من «السمان والخريف»، وكلها شخصيات سيتم توظيفها في العرض ليصل إلى هدفه في النهاية.

يحرص سامح مهران في نصوصه دائماً على طرح أسئلة ذات مغزى عميق، رغم أنه يوازن، فيها، بين الإمتاع وبين دفع المشاهد إلى التفكير، بمعنى أنها نصوص ليست جافة أو ذهنية، لم يكتبها صاحبها بنوع من التعالي أو كأنه يملك الحقيقة المطلقة، أو كأنه لا يعرف متطلبات الخشبة والجمهور الذي يبحث عن المتعتين، الفكرية والبصرية، لذا يكون حريصاً، وسط هذه الأفكار المتشابكة، على الإمتاع وحتى التسلية، ليظفر بما يريد في النهاية، وهو ما فعله في «شقة عم نجيب». هي ليست استعادة لشخصيات نجيب محفوظ وكفى، لكنها استعادة ذكية وواعية ومحسوبة، قصد إليها المؤلف لتأكيد أن الماضي ما زال حاضراً بأشباحه التي تطاردنا في صحونا ومنامنا. ليست محاكمة، بالمعنى التقليدي، لشخصيات نجيب محفوظ، فالعرض يظهر فقط تناقضاتها وسلبياتها، كما يظهر الإيجابي منها والمضيء، والذي يتعرض صاحبه، في الغالب، للظلم والاضطهاد، كما في شخصيتي «علي طه» في «القاهرة 30» و»ريري» في «السمان والخريف»، ويترك الأمر للمشاهد يتعامل معه بالكيفية التي يريدها، من دون أن يصدر هو أحكاماً، فسياق الأحداث هو الذي يدفع إلى التفكير على هذا النحو أو ذاك.

شاب وفتاة، يمثلان الطبقة الوسطى، فرغم زواجهما منذ سنوات عدة، فإنهما لا يستطيعان ممارسة حياتهما الزوجية لعدم قدرتهما على توفير مسكن ملائم. هي مشكلة يتعرض لها معظم المصريين منذ ثمانينات القرن الماضي. تقودهما المصادفة إلى قراءة إعلان عن شقة تطل على النيل، حيث شقة نجيب محفوظ الفعلية، وبإيجار رمزي.

كانت ابنة نجيب محفوظ قد تحدثت ذات مرة بشأن عرض الشقة للإيجار، وكأن الكاتب هنا يتهكم، في شكل خفي، على هذا المسلك، وإن كان ذلك ليس الهدف الرئيس من العرض، لكنه مجردة تفريعة على موضوعه الأساسي. يخبرهما صاحب الشقة أن شرط الإقامة فيها هو تخليصها من الأشباح التي تسكنها، مراهناً على أن الأشباح هى التي ستسيطر عليهما وليس العكس. في حجرة النوم خزانة للملابس يخرج منها «السيد أحمد عبدالجواد» وزوجته التي يتعامل معها بعنف وصلافة، وهي مستجيبة وراضية، تتغير طريقته تماماً بمجرد ظهور عشيقته «زبيدة» والتي تتمكن من إغراء الشاب ليدخل معها إلى الخزانة، خزانة الماضي الذكوري، بينما يظهر للفتاة «محفوظ الانتهازي» الذي يدعوها إلى استغلال أنوثتها في كسب عيشها والانضمام إلى قائمة الأثرياء. الفتاة، التي أرعبها الموقف وأعيتها الحيلة، وصدمتها التحولات والتناقضات التي لم يسلم منها زوجها نفسه، تحاول الهرب من ذلك الماضي الذي يتعامل مع المرأة كسلعة ويمنح الرجل الحق في فعل ما يريد، وفي النهاية تتمكن من تحرير «ريري» التي تم وضعها داخل ثلاجة، وكذلك «علي طه» الذي تم لصقه على الحائط. نجحت مصممة الديكور، نهاد السيد، في صياغة قاعة «مسرح الغد» في شكل ذكي يسمح بتدفق المشاهد، على رغم تقشفها في مفردات الديكور من حيث بساطة الكتل وقلتها.

أما جلال عثمان، مخرج العرض، فلم يلجأ هو الآخر إلى الاستعراض، إذ استغل قاعة «الغد» في شكل بسيط وذكي، وأحكم قبضته على إيقاع العرض الذي كان معرضاً للاختلال لو لم يكن هناك وعي إخراجي، بخاصة في النقلات من مشهد إلى آخر ومن جانب إلى آخر، وسمح لممثليه ببعض الحرية في المواقف الكوميدية، لكنه كان مدركاً أنه ليس بصدد عمل كوميدي، لذلك حرص على التوازن، مثلما حرص عليه الكاتب في نصه. عرض «شقة عم نجيب»؛ الذي ضمّ ممثلين، ليسوا نجوماً بالمعنى المتعارف عليه، إلا أنهم أدوا ببراعة وإتقان ووعي بطبيعة العرض وطبيعة شخصياته (هبة توفيق، شريف عواد، خضر زنون، أحمد نبيل، مروة يحيى، سلمى رضوان، ريهام السيد). هو عرض لا يغادرك بمجرد مغادرته، لكنه يبدأ معك عقب المغادرة وربما استمر طويلاً.

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.